مفارقة هرمز.. كيف تدفع إيران الخليج إلى البدائل وتلاحقها بالهجمات؟

ساسية بكاري
"البدائل تقلص الاعتماد على هرمز دون أن تلغيه"- جيتي
"البدائل تقلص الاعتماد على هرمز دون أن تلغيه"- جيتي
شارك الخبر
بينما تستخدم إيران مضيق هرمز ورقة ضغط في مواجهتها مع الولايات المتحدة، تدفع اضطرابات الملاحة الدول الخليجية إلى توسيع اعتمادها على مسارات بديلة لتصدير النفط. لكن الهجمات على خطوط الأنابيب والموانئ تكشف مفارقة استراتيجية: فكلما تراجع الاعتماد على المضيق، اتسعت شبكة المنشآت التي يمكن استهدافها. وهكذا لم يعد السؤال متعلقاً بقدرة الخليج على تجاوز هرمز وحدها، بل بقدرته على حماية البدائل، وما إذا كان تنويع الصادرات سيقلص النفوذ الإيراني أم يغيّر أدواته.

خريطة النفط تتغير

تكشف بيانات شركة "كبلر" أن حصة صادرات الخام والمكثفات الخليجية غير الإيرانية التي تتجاوز هرمز ارتفعت من 17 في المئة قبل الحرب إلى 40 في المئة خلال أيلول/سبتمبر 2026. وبلغت الصادرات المؤكدة 16.5 مليون برميل يومياً على الأقل بين الأول و28 أيلول/سبتمبر، لتعود إلى متوسط ما قبل الحرب، رغم اختلاف مسارات الشحن.

تجاوز هرمز جغرافياً لا يضمن الخروج من نطاق التهديد العسكري؛ إذ يمكن استهداف المنشآت التي تجعل البدائل قابلة للتشغيل

وقادت السعودية التحول عبر خط الأنابيب "شرق-غرب" إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فيما استفادت الإمارات من خط حبشان-الفجيرة الذي يتيح تصدير النفط عبر بحر عُمان.

لكن نحو 60 في المئة من صادرات الخام والمكثفات غير الإيرانية ظل يعبر هرمز في أيلول/سبتمبر، ما يؤكد أن البدائل تقلص الاعتماد عليه دون أن تلغيه.

البدائل تحت النار

وثّق تحقيق استقصائي نشرته رويترز في 15 تشرين الأول/أكتوبر ما لا يقل عن 135 هجوماً إيرانياً أو نفذتها جماعات متحالفة مع طهران، استهدفت 84 موقعاً للبنية التحتية الخليجية منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026.

وكان ميناء الفجيرة الإماراتي من أبرز الأهداف، إذ تعرض لما لا يقل عن 19 هجوماً. وكشف التحقيق، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وشهادات خبراء، تضرر معدات أساسية لنقل النفط إلى مرافق التحميل، ما عطل عمليات لأسابيع.

وفي العاشر من أيلول/سبتمبر، أصاب هجوم ثلاث محطات ضخ على خط الأنابيب السعودي "شرق-غرب"، ما أدى إلى توقف تدفق النفط نحو ينبع. ونسبت الرياض الهجوم إلى جماعات مسلحة عراقية مدعومة من إيران.

وتكشف هذه الوقائع أن تجاوز هرمز جغرافياً لا يضمن الخروج من نطاق التهديد العسكري؛ إذ يمكن استهداف المنشآت التي تجعل البدائل قابلة للتشغيل.

القدرة على التعطيل لا تعني شل الصادرات

غير أن الهجمات كشفت أيضاً عن قدرة على التكيف، فبعد توقف المسار السعودي، أعادت المملكة توجيه شحناتها نحو الساحل الخليجي. ووفق كبلر، ارتفعت صادرات الخام السعودية العابرة لهرمز من 700 ألف برميل يومياً في آب/أغسطس إلى 2.8 مليون برميل في أيلول/سبتمبر، قبل استئناف التحميل في ينبع أواخر الشهر. لكن عودة التحميل لا تعني اكتمال الإصلاحات؛ إذ أشارت كبلر إلى أن إعادة الخط إلى كامل قدرته قد تستغرق أربعة إلى ستة أسابيع.

وفي الإمارات، استعادت الفجيرة نشاطها تدريجياً بعد الأضرار التي أصابت منشآتها.

وهنا يظهر الفارق بين تعطيل مسار نفطي وتعطيل صادرات دولة بأكملها؛ فتنويع المنافذ يسمح بتحويل التدفقات واستعادة التشغيل، لكنه لا يلغي خسائر الإصلاح والنقل والتأمين.

هل تتآكل ورقة الضغط الإيرانية؟
قد لا تنتهي الأزمة بزوال ورقة الضغط الإيرانية، بل بتحولها من تهديد ممر بحري واحد إلى تهديد شبكة إقليمية أوسع، في مواجهة دول تسعى إلى جعل صادراتها أكثر قدرة على الصمود والتعافي

في تحليل نشره المجلس الأطلسي في آب/أغسطس، يرى الباحث لاندون ديرنتز أن استمرار اضطراب هرمز قد يدفع الأسواق إلى تطوير بدائل تقلص تدريجياً فعالية ورقة الضغط الإيرانية.

وكان ديرنتز قد طرح في نيسان/أبريل مقترحاً يجمع بين بناء مسارات طاقة تتجاوز المضيق وتطوير دفاعات مضادة للطائرات المسيّرة لحمايتها، معتبراً أن تنويع البنية التحتية يحتاج إلى حماية عسكرية موازية.

في المقابل، يوضح يوئيل غوزانسكي، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، في دراسة نشرها في أيلول/سبتمبر، أن البدائل القائمة أثبتت فائدتها وحدودها معاً؛ فتحويل النفط السعودي إلى البحر الأحمر يزيد التعرض لمخاطر باب المندب، بينما توفر الفجيرة حلاً جزئياً، ولا يوجد مسار بديل مماثل لصادرات الغاز القطري المسال. ويقترح غوزانسكي بناء شبكة متعددة من خطوط الأنابيب والموانئ والممرات، بدل البحث عن بديل منفرد لهرمز.

وتكشف القراءتان أن تقليص الاعتماد على المضيق لا ينهي نقاط الاختناق، بل يعيد توزيعها. وتكمن المفارقة في أن إيران قد تنجح في رفع تكلفة تصدير النفط عبر الهجمات، لكنها قد تدفع خصومها في الوقت نفسه إلى بناء منظومة أكثر مرونة وأقل اعتماداً على هرمز. غير أن التعافي التشغيلي لا يثبت وحده تراجع النفوذ السياسي الإيراني؛ فالقدرة على إلحاق الضرر تختلف عن القدرة على انتزاع تنازلات.

وعليه، قد لا تنتهي الأزمة بزوال ورقة الضغط الإيرانية، بل بتحولها من تهديد ممر بحري واحد إلى تهديد شبكة إقليمية أوسع، في مواجهة دول تسعى إلى جعل صادراتها أكثر قدرة على الصمود والتعافي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل