أيوه.. بنيت وببني وهبني!
اغتاظ طبيب الفلاسفة من ذلك السؤال الذي
يظهر على سطح مرآة مستوية لا يعرف كيف دخلت حصنه: لِمَ كل هذه القصور الباذخة
والمشاريع العملاقة عديمة الجدوى ونحن "فقرا قوي"؟ فطفق يكتب -بعصبية-
على سطح مرآته المقعرة: "أيوه.. أنا بنيت وببني وهبني.. هوّا عشاني؟ دا عشان
مصر.. مصر البلد العظيمة.. مفيش حاجة بإسمي.. كله باسم مصر".
لكن المواطن كان لا يزال يحتفظ بالمرآة
المحدبة التي أعطاه إياها "جلجل"؛ لينظر فيها إلى مصر، فأمعن فيها النظر
ليرى مصر "دي" التي عرّت كتفها وكشفت "ضهرها" فأصابته
"زغللة".
في المرآة المحدبة: مفيش.. مش قادر
أدّيك.. هتاكلوا مصر يعني؟ مش عارف أعلِّم.. مش عارف أعالج.. مش عارف أأكّل.
وفي المقعرة: قصور.. طائرات رئاسية
تتقدمها "ملكة السماء"، أغلى وأضخم طائرة في العالم وأكثرها كلفة
للتشغيل.. ساعات وملابس وأحذية وإكسسوارات من كل الماركات العالمية، وما خفي أعظم.
في المحدبة: الموارد محدودة. في المقعرة:
الجمهورية الجديدة.
هنا نكتشف أن التقشف في مصر ليس سياسة اقتصادية وإنما "زاوية نظر"؛ مرة في المحدبة إذا تعلق الأمر باحتياجات المواطن الأساسية، ومرة في المقعرة إذا كان الحديث عن إنجازات "عملاقة" لا جدوى منها!
وهنا نكتشف أن التقشف في مصر ليس سياسة
اقتصادية وإنما "زاوية نظر"؛ مرة في المحدبة إذا تعلق الأمر باحتياجات
المواطن الأساسية، ومرة في المقعرة إذا كان الحديث عن إنجازات "عملاقة"
لا جدوى منها!
لو ينفع أتباع!
في لحظة تاريخية ستُكتب في أشد صفحات
التاريخ سوادً قال "جلجل" بانفعال مفتعل: "والله العظيم أنا لو
ينفع أتباع... لأتباع". وكان يقصد -بالطبع- أنه مستعد للتضحية بنفسه من أجل
مصر. لكن التاريخ يعتمر قبعة الكاتب الساخر سليط اللسان عندما يُدوّن مثل هذه
الكلمات، فبعد سنة أو سنتين من تلك الواقعة المثيرة للشفقة والازدراء في آن، أصبح
التخارج من حصص وأصول الدولة وجذب الدولار عبر صفقات بيع الأصول جزءاً أساسياً من
سياسة "دي" الاقتصادية. وأمست هذه الجملة، حين تسمعها اليوم، تبدو كأنها
قيلت في اجتماع "مجلس إدارة".
ولحسن الحظ، لم يكن الجنرال جلجل نفسه
مدرجاً في وثيقة سياسة ملكية الدولة المصرية، وإلّا لقرأنا على صدور الصحف وواجهات
المواقع: طرح حصة من ياسر جلال لمستثمر استراتيجي، مع احتفاظ الدولة بحق الإدارة.
الديون.. المرآة الثالثة
هناك مرآة ثالثة حازها ياسر جلال باسم
المصريين، "شُكُك" أي "على النوتة" أو بـ"الآجل"..
اسمها الديون.
فالدين الخارجي المصري ارتفع من نحو 42
مليار دولار في 2014 إلى قرابة 170 مليار اليوم، إن لم يكن أكثر. وهذه المرآة لا
هي مقعرة ولا هي محدبة، إنها لا تعرف ياسر جلال، ولا تعترف بالمشير الذي لم يخض
حربا إلا على شعبه، ولا تعلم شيئا عن أهل الشر، ولا تسمع الموسيقى التصويرية؛ إنها
تقول في اقتضاب مذهل: 42، ثم تقول: 170، ثم تسكت. وهذه أخطر أنواع المرايا.. الآلة
الحاسبة.
فأنت تستطيع أن تقول للصحفي: اسكت،
وللمعارض: أنت مُغرض، وللمواطن: اصبر، لكن حاول أن تقول للدائن: "متسمعش كلام
حد غيري"؛ سيقول لك بكل برود ولطف: القسط يوم كذا شهر كذا.
دولة جلال التي يُخِيفُها مواطن!
ثم ننظر في المرآة المقعرة مرة أخرى.. نرى
دولة ضخمة، جيشا، أمنا، مخابرات، تسليحا، عاصمة جديدة على خلاف الدستور، طرقا،
مدنا، مبانٍ.. أكبر مسجد وأكبر كنيسة وبرجا أيقونيا، قصورا، مقرات بـ"الإيجار"
لمؤسسات الدولة. ثم يظهر شاب يحمل هاتفا، فتخاف الدولة، صحفي يكتب.. تخاف، سياسي
يحاول المنافسة.. تخاف، مواطن يدعو إلى احتجاج.. تخاف!
وهنا نسأل: إذا كانت دولة بهذا الحجم،
فكيف يكون المواطن بهذا الحجم أيضا؟ ربما المشكلة في المرآة.. إن دولة جلال
تنظر إلى جلال والمواطن في المرآة المقعرة، وتنظر إلى مصر في المحدبة. يا له من
مواطن محظوظ أن يكون مع جلجل في منزلة واحدة مع اختلاف الوصف.. جلجل عظيم..
المواطن خطر؛ تغريدته تهديد، منشوره تحريض، لقاؤه أصدقائه على مقهى تآمر، احتجاجه
هدم للدولة. إنه أعجب نظام "بصري" في العالم: الحاكم عظيم، المعارض ضخم،
والدولة وحدها "فقيرة أوي".
وأخيراً.. المريض يطلب المرآة
بعد أكثر من عقد، يدخل المصري عيادة جلجل
بعد أن تمكن منه المرض. لا يهتف، ولا يحمل لافتة، يدخل مثقل الخُطى يجر قدميه
جرّا. يضع أمام الدكتور جلجل: راتبه، فاتورة الكهرباء، سعر الدواء، سعر الدولار،
الديون، الضرائب، الإتاوات.. وصورة طريق جديد، وصورة مدينة جديدة، وصورة
المونوريل، وصورة معتقل، وصورة قتيل تحت التعذيب، ثم يقول: يا دكتور.. أنا لا أقول
إنك لم تعمل.. اشتغلت، ولا إنك لم تبنِ.. بنيت، ولا إن أزمات العالم لم تصبنا..
أصابتنا.. لكنك قلت إنك الطبيب، اخترت العلاج، حددت الجرعات، وطلبت ألا نسمع طبيباً
غيرك.. فرددنا خلفك تحيا مصر ثلاث مرات قبل الأكل وبعده. وطلبت إلينا أن نصبر..
وصبرنا، ثم صبرنا على الصبر. فهل تسمح لنا الآن بطلب بسيط؟ هذه مرآة مستوية، فانظر
فيها.
هنا ارتبك الجنرال الطبيب الفيلسوف المتصل
بالله؛ لأن المرآة المستوية لا تعرف هذا الكائن الخرافي، ولا تعرف جلجل، ولا تعرف
ياسر جلال، ولم تشاهد مسلسل "الاختيار".. خالية من الموسيقى والمونتاج،
ومن زاوية التصوير من أسفل التي تجعل الرجل أطول، ومن الإضاءة الخلفية التي تصنع
هالة حول الرأس، ومن ممثل أعرض كتفين.. تقف أمامها فتعيدك إليك.
يكتشف الجنرال الحقيقة التي يحاول الهرب
منها طوال الوقت: ياسر جلال أطول. لكن هذه ليست المشكلة؛ يمكن للقصير أن يكون أعظم
من الطويل، والتاريخ مليء برجال صغار الأجساد كبار المقامات. المشكلة ليست أن ياسر
جلال أطول من الجنرال، المشكلة.. لماذا احتاج الجنرال إلى ياسر جلال أصلاً؟ لماذا
عندما جاءت لحظة تحويل التاريخ إلى دراما، كان من الضروري أن تكون النسخة المرئية
من الرجل أطول؟ أعرض؟ أكثر امتلاءً للكادر؟
ربما كانت مصادفة فنية، وربما كان
الاختيار قائماً على الأداء وحده وهذا ممكن. لكن الصورة التي وصلت إلى المشاهد هي:
الرجل الحقيقي شيء، وصورته "البطولية" شيء آخر. وهنا يصبح ياسر جلال
مجرد استعارة؛ ليس عن الطول، بل عن المسافة.. بين جلجل كما هو، وجلجل كما يريد أن
يُرى.
بعد انتهاء الحلقة.. يعود المشاهد إلى الواقع، يطفئ التلفزيون، يفتح الثلاجة، ينظر -بهلع- إلى الفاتورة، يحسب الراتب، يرى بلده بعينيه.. وعندها لا تنفع المقعرة، ولا المحدبة، ولا الموسيقى، ولا المونتاج، ولا حتى.. ياسر جلال
لهذا كان اختيار الممثل ياسر جلال لأداء
دور هذا الجنرال المنقلب أكثر "صدقاً" مما أراد صانعو الصورة؛ لأنه أظهر
لنا زاوية مهمة من زوايا السلطة: الحاكم يريد أن يكون بطل الفيلم الذي يحكي
حكايته. يريد أفضل زاوية، وأجمل إضاءة، وأقوى موسيقى، وأشد الجُمل وقعاً، وأطول
ممثل.. لكن هناك مشكلة واحدة لا يستطيع المخرج حلها!
بعد انتهاء الحلقة.. يعود المشاهد إلى
الواقع، يطفئ التلفزيون، يفتح الثلاجة، ينظر -بهلع- إلى الفاتورة، يحسب الراتب،
يرى بلده بعينيه.. وعندها لا تنفع المقعرة، ولا المحدبة، ولا الموسيقى، ولا
المونتاج، ولا حتى.. ياسر جلال.
أن تكون ياسر جلال
أن تصنع لنفسك صورة أطول منك ثم تصدقها..
أن تنظر إلى نفسك وإلى خصومك بالمقعرة وإلى مصر بالمحدبة، ثم تتساءل لماذا لا يرى
المصريون العالم كما تراه؟
الإجابة بسيطة يا جلجل: المصري يمتلك في
بيته شيئاً بالغ الخطورة لا يحتاج إلى ترخيص، ولا إلى تمويل أجنبي، ولا تستطيع
مصادرته بتهمة نشر أخبار كاذبة.. شيئاً اسمه "المرآة المستوية".
في يوم ما، سيقف الجنرال أمام هذه المرآة
"المستوية" التي لا يخلو منها بيت -إذا لم يسْقه القدر كأسه المحتوم- لن
يجد الطبيب، ولا الفيلسوف، ولا "كليم الله"، ولا المنقذ، ولا بطل
المسلسل، ولا الرجل الذي ينبغي ألا يسمع المصريون كلام أحد غيره. سيجد مسؤولاً حكم
مصر سنين عجاف كبيسة. وحينها لن تسأله المرآة المستوية: هل كنتَ عظيماً؟ بل سيكون
سؤالها: كيف كانت مصر يوم استوليت عليها بالقوة؟ وكيف أصبحت حين أُجبِرت على
تركها؟ فإذا حاول أن يقول: "أنا ملقتش بلد.. قالولي خد دي"، ستجيبه
"المستوية" بلا تردد ومن غير تصفيق: معلش يا جلجل.. السؤال لم يكن: مين
قال لك خد دي؟ السؤال الذي يجب أن يُسأل هو: بعد كل السنين دي.. عملت إيه في
"دي"؟
x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.