من أجل الذهب.. هل تضحي مصر بأمنها القومي وتستعدي السودانيين؟

معدنون سودانيون خلال البحث عن الذهب في المناطق الحدودية مع مصر- جيتي
معدنون سودانيون خلال البحث عن الذهب في المناطق الحدودية مع مصر- جيتي
شارك الخبر
أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، مساء الاثنين، تنفيذ المرحلة الثالثة من حملة "مجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية"، بعد توجيه جهات سودانية بينها منظمة "محامو الطوارئ" الحقوقية، اتهامات للجيش المصري بقصف مئات السودانيين المنقبين عن المعدن بالطيران الحربي على الحدود الجنوبية لمصر.

وكشفت مقاطع مصورة عشرات الجثامين والمصابين من "الدهّابة" -وفق التعبير المصري- بالمنطقة الحدودية بين البلدين إثر قصف جوي استهدفهم، سبقه إلقاء طائرات تابعة للجيش المصري منشورات تطالب "المعدنين" وفق التعبير السوداني بالخروج من الحدود المصرية المنطقة التي يعمل بها آلاف السودانيين والأفارقة للحصول على الحجر الخام الذي ينتج 50 كيلوغراماً منه بعد طحنه ومعالجته، بين 20 و30 جراما من الذهب، بحسب موقع "سودان تربيون".

وتشير الأنباء المتداولة من وكالات أنباء "رويترز"، و"فرانس برس"، و"أسوشيتد برس"، و"الألمانية"، وأحاديث ناجين سودانيين من القصف إلى تعرض "منجم العقيدات" للتعدين الأهلي عن الذهب بولاية نهر النيل شمال السودان وقرب الحدود المصرية، لـ5 غارات جوية السبت، الماضي، ما أسفر عن مقتل 72 شخصا وإصابة عشرات آخرين، فيما أكد فارين من القصف لموقع "سودان تربيون" أن القتلى يتعدون 200 شخصا والفارون حوالي 15 ألفا.

اظهار أخبار متعلقة



وفي 16 و17 حزيران/يونيو الماضي، نفذ الجيش المصري ضربات جوية لمواجهة ظاهرة التنقيب العشوائي وغير المشروع عن خام الذهب بمنطقة جبل العقيدات، بالصحراء الشرقية ما نتج عنه مقتل 23 معدنيا واعتقال مئات بينهم أفارقة غير سودانيين، الحملة التي جرى تكرارها مطلع آب/أغسطس الماضي.

ويأتي تتابع حملات الجيش المصري على المعدنين السودانيين إثر تعاقد السلطات المصرية في أيار/مايو الماضي مع شركة "إكس كاليبور" الإسبانية، لعمل مسح جوي شامل للثروات المعدنية بالبلاد بتكلفة 60 مليون دولار، ووسط شكاوى شركات مصرية من المنقبين السودانيين، وبينهم رجل الأعمال نجيب ساويرس.

ردود فعل سودانية غاضبة


وبينما جاء رد فعل رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان، على حملة الجيش المصري الصيف الماضي، مطالبا المعدنين السودانيين بعدم تعدي الحدود السودانية، إلا أنه لم تتضح حتى الآن، ردود فعل الخرطوم على الغارات الجديدة.

لكن "قوات الدعم السريع" طالبت عبر تحالف "تأسيس"، الذراع السياسي للقوات العسكرية التي يقودها محمد حمدان دقلو، بتحقيق دولي في شن الطيران المصري غارات جوية على مناطق التعدين الأهلي بأراضي السودان.

كما تخوف البعض من رد فعل شعبي سوداني انتقامي، ودعا المحلل السياسي السوداني وائل نصر الدين، السودانيين لتنظيم يوم غضب أمام السفارات المصرية ضد ما أسماه "جريمة نظام السيسي بقتل المدنيين بالطيران الحربي"، مؤكدا عبر "فيسبوك"، أنها "مجزرة لا تقل بشاعة عن مجازر الصهاينة"، مبينا أنه "كانت هناك وسائل كثيرة يمكن استخدامها".

وذهب للقول: بعد هذه المجزرة، أصبحت أكثر قناعة أنه لا مصلحة لنا بالعداء مع إثيوبيا من أجل دولة لا تحترمنا، بل يجب أن نجلس معهم بشكل (ثنائي) ونغلق هذا الملف"، داعيا السودانيين للعودة من مصر، قائلا: "كفى إهانة".

ويمثل الذهب، الذي تنتج منه السودان نحو60 طنا سنويا، ويعمل في التنقيب الأهلي عنه نحو مليوني شخص وفق بعض التقارير يقدمون نحو 80 بالمئة من ذهب السودان؛ لاعبا رئيسيا في حرب السودان منذ نيسان/أبريل 2023، حيث تشير التقارير إلى تهريب قوات "الدعم السريع"، المناوئة للخرطوم، أطنانا من الذهب من منطقتي دارفور وكردفان إلى دولة الإمارات، مقابل التمويل والحصول على السلاح.

لكن وفي مقابل الهدف المعلن من الحكومة المصرية بمنع التنقيب غير الشرعي عن الذهب، إلا أن القصف الجماعي لآلاف السودانيين يمثل صدمة كبيرة، ويرى في محللون أزمة كبيرة تمس الأمن القومي المصري، وجريمة قتل عمد تورث الكراهية بين شعبي وادي النيل، وفق ما كتب الباحث في الشؤون الأمنية المصري أحمد مولانا.

وفي قراءته الاقتصادية لهذا الملف، والأسباب التي تجعل السلطات المصرية تضحي بالأمن القومي المصري وعلاقات دولتي مصب وادي النيل، وفي توقيت صعب تمر به السودان ويواجهه السودانيون، وطرق حل مشكلة المعدنين السودانيين بغير الطرق الأمنية والقتل الجماعي، ومدى علاقة الإمارات بهذا الأمر، تحدث الخبير الاقتصادي، والبرلماني المصري الأسبق، أيمن صادق، لـ"عربي21".

عائد لا يبرر إهدار الأرواح


السياسي المصري، قال إن "المصلحة الوطنية المصرية تقتضي حماية الحدود والثروات المعدنية، وحماية العلاقة بالشعب السوداني؛ وإذا ثبت استهداف منقبين مدنيين بالقصف، فإن ذلك يمثل إخفاقًا خطيرًا في إدارة الملف؛ لأن العائد من الذهب لا يمكن أن يبرر إهدار الأرواح وتعريض علاقة استراتيجية بهذا الحجم لأضرار طويلة الأمد".

واقتصاديًا، أكد عضو لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري سابقا، أننا "أمام قطاع تتطلع الدولة إلى توسيعه؛ فقد أعلنت وزارة البترول أمام لجنة برلمانية، تموز/يوليو 2024، أن إنتاج الذهب بلغ 559 ألف أوقية في (2023/2024)، مع استهداف الوصول إلى 800 ألف أوقية عام 2030؛ أي زيادة تقارب 43 بالمئة، وهذه الأهداف تفسر أهمية ضبط الاستخراج والتداول وتحصيل حقوق الدولة، لكنها لا تثبت بذاتها دوافع أي عملية عسكرية".

ولفت إلى أن "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أحد أذرع الجيش الاقتصادية يمتلك 34 بالمئة من شركة شلاتين المنقبة عن الذهب، مقابل 35 بالمئة للهيئة، و24 بالمئة لبنك الاستثمار القومي، و7 بالمئة للشركة المصرية للثروات التعدينية"، مبينا أن "هذا التداخل بين المؤسسات العامة والمصالح الاقتصادية يفرض ضرورة الفصل الواضح بين حماية الثروات وإنفاذ القانون، وبين أي مصالح تجارية محتملة؛ لكنه لا يصلح، وحده، دليلًا على أن حماية تلك المصالح كانت سبب القصف المبلغ عنه".

وفي تقديره، أوضح أن "المشكلة السياسية تكمن في اختزال الأمن القومي بالسيطرة الميدانية، دون احتساب آثار الوسيلة المستخدمة؛ فالسودان عمق استراتيجي لمصر، واستقراره والتعاون معه يمسان أمن الحدود والبحر الأحمر والمصالح المائية المشتركة، وأي شعور سوداني بأن مصر تستبيح أرواح مواطنيه قد يضعف الثقة الشعبية، ويمنح الأطراف الساعية إلى تفكيك العلاقة بين البلدين فرصة للاستثمار في الغضب".

ومن منظور اقتصادي، يرى أن "هذه هي تكلفة الفرصة البديلة"، مبينا أنه "ينبغي حساب ما قد تخسره مصر من تعاون وتجارة واستقرار ونفوذ، إلى جانب ما تسعى إلى تحصيله من إيرادات معدنية"، مؤكدا أن "تحويل قضية تعدين إلى خصومة شعبية، إذا وقع، سيكون خسارة استراتيجية تتجاوز حدود هذا القطاع".

5 حلول بديلة عن القصف


وحول طرق معالجة مشكلة المنقبين السودانيين بغير القصف، قال صادق: كان يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا يجمع تنظيم التعدين وإنفاذ القانون وإدارة الحدود والحماية الإنسانية"، موضحا أن "هناك أساس مصري رسمي لهذا المسار؛ إذ تنص أهداف شركة شلاتين، المنشورة على موقع هيئة الثروة المعدنية، على تقنين أوضاع العاملين في التنقيب العشوائي وتحصيل حقوق الدولة، وبالتالي، فالتقنين خيار وارد في السياسة المعلنة نفسها".

واقترح مسارًا عمليًا يقوم على: "حماية الأرواح بوقف استهداف المدنيين، وإتاحة الوصول للمصابين، والتحقيق المستقل بالوفيات ومحاسبة المسؤولين متى ثبتت مسؤوليتهم"، و"التنسيق المصري السوداني لتحديد مواقع العمل وملابسات الوجود فيها، والاستعانة بالإدارات المحلية والأهلية لتنظيم خروج آمن من المناطق المحظورة".

إضافة إلى "تنظيم النشاط حيث يسمح القانون، بتسجيل العاملين والتحقق من أوضاع الإقامة والعمل، وإتاحة تراخيص أو تعاونيات في المناطق المسموح بها، مع اشتراطات السلامة والبيئة"، و"مواجهة شبكات التهريب، بتتبع الوسطاء والممولين والمشترين ومسارات الأموال، بدل افتراض أن كل عامل في المنجم عضو في شبكة إجرامية".

وخامسا، أشار الخبير المصري إلى ضرورة" إزالة حوافز السوق غير الرسمية بتوفير شراء قانوني شفاف بأسعار منافسة، ورسوم معقولة، وتوثيق مصدر الذهب؛ بما يشجع المنتجين على دخول المنظومة الرسمية".

في المقابل، أوضح أنه "من لا يحق له العمل أو الوجود في المنطقة، فتُعالج حالته بإجراءات قانونية فردية تراعي الضمانات الواجبة؛ ومبادئ إنفاذ القانون تقتضي أن يكون استخدام القوة مشروعًا وضروريًا ومتناسبًا، فلا تكفي مخالفة التعدين أو الحدود، في ذاتها، لتبرير قوة قاتلة".

ويرى أنه "كان من الضروري أن تتعامل الجهات المعنية مع الواقعة بأقصى درجات المسؤولية، وأن تتيح للجهات المختصة الوصول إلى الأدلة والشهود، خصوصًا مع إعلان (سودان تربيون) الاثنين، تشكيل لجنة سودانية لتقصي الحقائق، فمثل هذه الوقائع لا يجوز أن تُدار بالصمت أو بالتكهنات، بل بإجراءات قانونية واضحة تكشف ملابساتها وتحدد المسؤوليات على أساس الأدلة".

هل للإمارات علاقة بهذا الأمر؟


يرى صادق، أنه "للإمارات دور اقتصادي واسع في تجارة الذهب السوداني، ولا يمكن النظر إلى هذا الدور باعتباره نشاطًا تجاريًا محايدًا منفصلًا عن سياق الحرب واستنزاف موارد السودان؛ ومع ذلك، فإن المصادر المتاحة لا تقدم دليلًا يثبت مشاركتها المباشرة في هذه الضربة أو توجيهها لها، لكن غياب الدليل المباشر على هذه الواقعة لا يلغي ضرورة مساءلة الدور الإماراتي الأوسع في السودان، ولا سيما في ما يتعلق بالذهب وتمويل الأطراف المتحاربة".

ولفت إلى أنه "بحسب (رويترز)، واستنادًا إلى بيانات البنك المركزي السوداني، استوردت الإمارات قرابة 90 بالمئة من صادرات السودان القانونية من الذهب في النصف الأول من 2025، بنحو 8.8 أطنان بقيمة تقارب 840 مليون دولار، ونقل التقرير عن باحثين وتجار أن جزءًا من الذهب المهرب عبر مصر ينتهي أيضًا في الإمارات، وهذه الأرقام تكشف اعتمادًا إماراتيًا كبيرًا على الذهب السوداني، في وقت يعيش فيه السودان حربًا مدمرة ويعاني شعبه من النزوح والفقر وانهيار مؤسسات الدولة".

وألمح كذلك إلى إفادة "سويس إيد"، في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 استنادا إلى بيانات تجارة دولية، بأن الإمارات استوردت خلال 2024 نحو 29 طنًا من الذهب مباشرة من السودان، و27 طنًا من مصر؛ ولا يجوز اعتبار كامل الكمية الواردة من مصر ذهبًا سودانيًا مهربًا، لكن هذه الأرقام تثير تساؤلات جدية حول مسارات الذهب، وطرق التحقق من منشئه، والجهات المستفيدة من إعادة تصديره وتداوله".

ويعتقد أن "المشكلة أن الإمارات تبدو، وفق هذه المعطيات، مستفيدًا رئيسيًا من اقتصاد الذهب السوداني في وقت تتحول فيه الثروة إلى مصدر تمويل للحرب بدل أن تكون موردًا للتنمية؛ فبدل أن تذهب عوائد الذهب إلى الشعب السوداني وخزينة الدولة، تنتهي نسبة كبيرة منها في مراكز تجارية خارجية، بينما يدفع السودانيون ثمن ذلك من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم، وهذا يضع على عاتق الإمارات مسؤولية سياسية وأخلاقية، حتى في الحالات التي يصعب فيها إثبات المسؤولية الجنائية المباشرة".

وخلص للقول إن "حماية ثروة مصر يجب أن تعزز أمنها وعلاقتها بالسودان، وأن صون الدم السوداني جزء من صون هذه العلاقة ومن المصلحة الوطنية المصرية".

نهم السيسي وسيطرة الجيش


وخلال عهد رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، سيطر الجيش على قطاع كبير من أماكن استخراج الذهب، من خلال شركة "شلاتين" والتي حصلت على دعم قانوني حكومي ودعم الجيش وحمايته للتنقيب في المناطق الشاسعة، ومنح التراخيص للمنقبين، في محاولة لتقنين عمليات الاستخراج غير الشرعية مقابل الحصول على 80 بالمئة من المستخرج والباقي للمنقبين.

"شلاتين للثروة المعدنية"، التي يمتلك الجيش 34 بالمئة من حصصها منذ تأسيسها عام 2012، بجانب الهيئة العامة للثروة المعدنية 35 بالمئة، وبنك الاستثمار القومي 24 بالمئة، والشركة المصرية للثروات التجريفية (7 بالمئة)، تعمل بمنطقة تصل مساحتها 13.67 ألف كيلومتر بالصحراء الشرقية التي تمثل امتدادا لـ"الدرع النوبي- العربي" الغني بالمعادن.

اظهار أخبار متعلقة



وتملك الشركة 7 امتيازات هي (الفاطري، والبرامية، وعتود، وأم العود، وحماطة، ووادي العلاقي، ومناطق (جبل ايقات، ووادي ميسح، وجبل الجرف، وجبل علبة، وأسوان)، بحسب موقعها عبر الإنترنت.

ويعد جبل السكري، ومنطقة حمش، ووادي العلاقي، الكائنة في الصحراء الشرقية أهم أماكن إنتاج الذهب في مصر، وأهمها ‏ منجم السكري الذي تم اكتشافه عام 1995، وبدأ العمل به عام 2009، فيما تقدر احتياطياته بـ14.5 مليون أوقية.

وذلك إلى جانب مناجم "عتود"، و"البرامية"، و"فاطيرى"، و"أبومروات"، و"سمنة"، و"العرضية"، و"حمامة"، و"أم عود"، و"أم سمرة"، و"ساموت"، و"دنجاش"، و"حلايب وشلاتين"، و"المثلث الذهبي".

ووفق صفحة وزارة البترول، فإن شركات التعدين العاملة في مصر هي: "شلاتين للثروة المعدنية"، و"المصرية للثروات التعدينية"، و"السكري لمناجم الذهب"، و"حمش مصر لمناجم الذهب"، و"آتون ريسورسز للذهب"، و"إيقات لمناجم الذهب"، و"آخ جولد"، و"مناجم البحر الأحمر"، و"سنتامين"، و"باريك"، و"لوتس جولد كوربوريشن"، و"شمال أفريقيا للصناعة والتعدين"، و"ميداف"، و"العبادي للتعدين"، و"مناجم النوبة"، و"إبداع جولد".
التعليقات (0)

خبر عاجل