غينيا بيساو.. تأجيل الانتخابات يهدد بإطالة الحكم العسكري ويختبر ضغوط "إيكواس"

الانتخابات المقررة في ديسمبر كانت تمثل المحطة الرئيسية المعلنة لاستعادة الحكم المدني بعد الانقلاب الذي قطع المسار الانتخابي السابق..  الأناضول
الانتخابات المقررة في ديسمبر كانت تمثل المحطة الرئيسية المعلنة لاستعادة الحكم المدني بعد الانقلاب الذي قطع المسار الانتخابي السابق.. الأناضول
شارك الخبر
تتجه غينيا بيساو إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كان مقررا إجراؤها في السادس من كانون الأول/ديسمبر المقبل، في تطور يهدد بإطالة أمد المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانقلاب العسكري في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ويثير تساؤلات بشأن موعد عودة الحكم المدني وضمانات إجراء انتخابات تعددية وشفافة.

وجاءت المؤشرات الجديدة عقب اجتماع اللجنة الوطنية للانتخابات ورئيس الوزراء الانتقالي إيليديو فييرا تي، الخميس، مع الرئيس الانتقالي الجنرال هورتا نتام، إذ أفادت اللجنة بأن الظروف الفنية والتنظيمية اللازمة لإجراء الاقتراع في موعده لم تتوافر. وقال رئيس الوزراء إن الأحزاب السياسية ليست في وضع يسمح لها بخوض الانتخابات بصورة مناسبة، مشيرا إلى أن الهيئات القيادية لعدد كبير منها انتهت ولاياتها من دون تجديدها.

وفيما رجّحت هذه التصريحات تأجيل الاستحقاق، لم يُعلن حتى الآن موعد بديل لإجراء الانتخابات. وقالت نائبة رئيس اللجنة الانتخابية، فيليسبرتا مورا فاز، إن تحديد مسألة التأجيل يدخل ضمن صلاحيات رئيس المرحلة الانتقالية.

ويضع هذا التطور السلطات العسكرية أمام اختبار جديد، إذ إن الانتخابات المقررة في ديسمبر كانت تمثل المحطة الرئيسية المعلنة لاستعادة الحكم المدني بعد الانقلاب الذي قطع المسار الانتخابي السابق، فيما قد يؤدي تمديد الفترة الانتقالية إلى تعميق الخلافات بشأن شرعية المؤسسات القائمة وشروط تنظيم الاقتراع.

من انقلاب نوفمبر إلى تعثر المسار الانتخابي


استولى الجيش على السلطة في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بعد أيام من الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد، وقبل إعلان النتائج الرسمية. وأطاح الرئيس السابق عمرو سيسوكو إمبالو، وعلّق المسار الانتخابي، في وقت كان فيه إمبالو ومنافسه المعارض فرناندو دياس يدّعيان الفوز.

ولم تتمكن العملية الانتخابية من الوصول إلى نهايتها، وسط تقارير عن الاستيلاء على أوراق اقتراع وإتلاف خوادم تحتوي على بيانات انتخابية. وفي كانون الثاني/يناير 2026، حددت السلطات الانتقالية السادس من ديسمبر موعدا جديدا للانتخابات الرئاسية والتشريعية، باعتباره جزءا من مسار معلن لاستعادة الحكم المدني.

لكن الاستعدادات للاستحقاق الجديد جرت في ظل استمرار السلطة العسكرية، وغياب تسوية سياسية شاملة بشأن قواعد المرحلة الانتقالية، فضلا عن خلافات تتعلق بمشاركة القوى السياسية وعودة شخصيات معارضة إلى البلاد.

وبذلك، لا يقتصر أثر التأجيل المحتمل على تغيير موعد التصويت؛ بل يمتد إلى مستقبل الترتيبات التي وُضعت عقب الانقلاب، ومدى التزام السلطات بالجدول الزمني الذي أعلنت عنه لإعادة المؤسسات المنتخبة.

خلافات حول الأحزاب والعودة إلى الحكم المدني


برّر رئيس الوزراء الانتقالي صعوبة إجراء الانتخابات بعدم جاهزية الأحزاب السياسية، مشيرا إلى انتهاء مدد الهيئات القيادية لعدد كبير منها من دون تجديدها. ويطرح هذا التبرير سؤالا حول الإجراءات التي اتخذتها السلطات خلال الفترة الانتقالية لتهيئة الظروف السياسية والتنظيمية اللازمة للمنافسة الانتخابية.

فإجراء انتخابات موثوقة لا يتوقف على الجاهزية الفنية للجنة الانتخابية وحدها، بل يتطلب أيضا بيئة تسمح للأحزاب بتجديد هياكلها، وتنظيم أنشطتها، والوصول إلى الناخبين، وممارسة العمل السياسي في ظل ضمانات واضحة للحريات العامة.

ويأتي هذا الجدل بينما يظل الرئيس السابق إمبالو خارج البلاد. وكان قد أعلن عزمه العودة إلى غينيا بيساو والترشح في الانتخابات المقبلة، لكن السلطات العسكرية قالت إن الظروف الأمنية لا تسمح بعودته. ويضيف هذا الخلاف بعدا سياسيا إلى مسألة التأجيل، خصوصا أن إمبالو كان قد غادر البلاد بعد الإطاحة به في انقلاب العام الماضي.

ولا يعني ذلك أن تأجيل الانتخابات سيحسم تلقائيا مسألة مشاركة الرئيس السابق أو بقية القوى السياسية، لكنه يجعل تحديد موعد جديد وشروط الترشح والعودة إلى البلاد من القضايا التي ستؤثر في مصداقية المرحلة الانتقالية.

تعديلات دستورية تزيد حساسية المرحلة


تأتي التطورات الانتخابية بعد استفتاء دستوري أُجري في 30 آب/أغسطس الماضي، وأفضى إلى إقرار تعديلات تعزز صلاحيات الرئيس وتقلّص عدد مقاعد البرلمان من 102 إلى 65، في تغيير واسع لبنية النظام السياسي.

وقالت السلطات المؤيدة للتعديلات إن إعادة تنظيم الصلاحيات يمكن أن تساعد على الحد من الخلافات المتكررة بين مؤسسات الحكم. في المقابل، انتقدت قوى معارضة ظروف إعداد التعديلات وإقرارها في ظل سلطة انتقالية غير منتخبة، وحذرت من أن تركيز السلطة التنفيذية قد يضعف التعددية والرقابة البرلمانية.

وتكتسب هذه التعديلات أهمية إضافية في ظل احتمال تأجيل الانتخابات؛ إذ إن إطالة المرحلة الانتقالية تعني استمرار إدارة مؤسسات الدولة في ظل ترتيبات سياسية أُعيد تشكيلها بعد الانقلاب، بينما لم تُحسم بعد مسألة نقل السلطة إلى مؤسسات تستمد شرعيتها من انتخابات تنافسية.

ومن هنا، يتمثل أحد أبرز التحديات في ضمان ألا تتحول الصعوبات الفنية والتنظيمية إلى مبرر مفتوح لتمديد المرحلة الانتقالية، وأن يكون أي تعديل للجدول الزمني مرتبطا بخطوات قابلة للتحقق، ومشاورات تشمل القوى السياسية المعنية.

السنغال و"إيكواس" تحذّران من إطالة الانتقال


إقليميا، شددت السنغال على ضرورة العودة السريعة إلى النظام الدستوري في غينيا بيساو، وفقا للالتزامات المعلنة ضمن المسار الانتقالي ومبادئ المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس".

وأكدت داكار أن أي تعديل للجدول الزمني الانتخابي ينبغي أن يتم ضمن مسار توافقي وشامل وشفاف، مع ضمانات واضحة لاستكمال المرحلة الانتقالية في أقرب وقت. ويعكس هذا الموقف خشية من أن يؤدي تمديد موعد الانتخابات إلى زيادة الغموض السياسي وإضعاف الثقة في تعهدات السلطات العسكرية.

وكان قادة أفارقة سابقون ودبلوماسيون وأكاديميون وفاعلون من المجتمع المدني قد دعوا، في رسالة مفتوحة إلى "إيكواس"، إلى التحرك من أجل تسهيل العودة إلى النظام الدستوري، ووضع جدول زمني موثوق يضمن الحريات العامة والتعددية ومشاركة مختلف القوى السياسية واستقلال الإدارة الانتخابية.

وتواجه المنظمة الإقليمية، في هذا السياق، تحديا يتمثل في الموازنة بين الضغط من أجل استعادة الحكم المدني وتجنب تصعيد قد يزيد هشاشة الوضع الداخلي. كما أن فاعلية أي تحرك إقليمي ستتوقف على مدى استعداد السلطات الانتقالية للتعاون مع الوساطات وقبول ضمانات واضحة بشأن الانتخابات.

ما تداعيات التأجيل المحتمل؟


من شأن تأجيل الانتخابات، إذا تأكد رسميا من دون تحديد موعد بديل واضح، أن يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات مترابطة:

أولا ـ إطالة أمد السلطة الانتقالية. فكلما ابتعد موعد الاقتراع، طال بقاء المؤسسات التي تشكلت عقب الانقلاب خارج إطار التفويض الانتخابي، ما قد يزيد الخلاف حول شرعية القرارات السياسية والدستورية الصادرة عنها.

ثانيا ـ تعميق أزمة الثقة بين السلطة والمعارضة. إذ إن عدم وضوح الموعد الجديد، إلى جانب الخلافات حول مشاركة الأحزاب وعودة الرئيس السابق، قد يعزز الشكوك في مدى انفتاح العملية الانتقالية على منافسة سياسية حقيقية. وفي المقابل، فإن وجود مشكلات تنظيمية فعلية يستلزم معالجتها قبل التصويت، لا الاكتفاء بتجاوزها شكليا.

ثالثا ـ زيادة الضغوط الإقليمية والدولية. فاستمرار التأجيل من دون جدول زمني موثوق قد يدفع «إيكواس» وشركاء غينيا بيساو إلى تكثيف مطالبهم بضمانات سياسية وانتخابية، خصوصا أن استعادة الحكم المدني كانت من الأهداف الأساسية المعلنة للمرحلة الانتقالية.

لكن هذه التداعيات تظل مرتبطة بكيفية إدارة التأجيل، إن أُعلن رسميا. فوجود موعد بديل محدد، وخطة علنية لتجهيز اللجنة الانتخابية، وضمانات لمشاركة الأحزاب، يمكن أن يحد من المخاطر. أما التأجيل المفتوح، من دون آليات رقابة أو التزامات قابلة للقياس، فقد يفاقم أزمة الشرعية بدلا من معالجة المشكلات التي يجري الاستناد إليها لتبريره.

اختبار جديد للمرحلة الانتقالية


تجد غينيا بيساو نفسها أمام مفترق طرق: إما أن يُستخدم الوقت الإضافي لمعالجة أوجه القصور الفنية والتنظيمية وتهيئة بيئة سياسية أكثر شمولا، وإما أن يؤدي غياب موعد واضح إلى تمديد حالة عدم اليقين التي أعقبت الانقلاب.

ولا يتوقف الحكم على جدية المسار الانتقالي عند تحديد موعد جديد للاقتراع فحسب، بل يشمل أيضا ضمان استقلال الإدارة الانتخابية، وحرية نشاط الأحزاب، ومشاركة القوى السياسية من دون قيود تعسفية، واحترام نتائج التصويت عند إعلانها.

وفي بلد عانى دورات متكررة من الانقلابات والأزمات المؤسسية، ستكون المسألة الأساسية هي ما إذا كانت المرحلة الانتقالية ستفضي فعلا إلى حكم مدني يستند إلى انتخابات موثوقة، أم أن تأجيل الاستحقاق سيضيف حلقة جديدة إلى مسلسل عدم الاستقرار السياسي.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)

خبر عاجل