حماس وحزب الله.. مأزق متشابه وخيارات متباينة

أواب المصري
"بعيداً عن القدرات العسكرية والتنظيمية، فإن حزب الله يبدو في وضع أكثر مرونة وراحة من حركة حماس من الناحية السياسية"- جيتي
"بعيداً عن القدرات العسكرية والتنظيمية، فإن حزب الله يبدو في وضع أكثر مرونة وراحة من حركة حماس من الناحية السياسية"- جيتي
شارك الخبر
الهدف المُعلن من الحرب الإسرائيلية على حزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة هو نزع سلاحهما. في غزة، تشترط إسرائيل نزع سلاح الحركة حتى تنسحب من القطاع وتفك الحصار عنه، وفي لبنان تشترط إسرائيل نزع سلاح الحزب حتى تسنحب من القرى والبلدات التي احتلتها جنوب لبنان بعد عدوانها عليه.

من حيث الشكل، ربما تكون معركة إسرائيل مع حماس أسهل. فبعد ثلاث سنوات من القصف والتدمير والقتل والتشريد للشعب الفلسطيني، واحتلال قرابة ثلثي مساحة القطاع، واستمرار اغتيال قادة وكوادر الحركة، قد يبدو لإسرائيل أن حماس منهكة، وأن ترسانتها العسكرية تراجعت إلى حد كبير، وأن القضاء على قدراتها بات قريباً. لكن ميزة حماس، التي تعرفها إسرائيل جيداً، أن ما تتعرض له الحركة -وما زالت- ليس سابقة في تاريخها.

ففي محطات مضت، تعرضت حماس لحملات تنكيل واعتقال وملاحقة واغتيال، وكانت تنكفئ في كل مرة ثم تعود من جديد. فعام 1992 أبعدت إسرائيل قرابة 400 من قادتها وكوادرها إلى لبنان، ثم عام 1996 تعرضت حماس لحملة أمنية إسرائيلية شديدة عقب العمليات التي نفذتها الحركة عقب اغتيال يحيى عياش. ثم في عام 2004 تعرضت حماس لأقسى الضربات القيادية في تاريخها حين اغتيل مؤسسها وقائدها الشيخ أحمد ياسين في آذار/مارس، ثم اغتيل خلفه عبد العزيز الرنتيسي في نيسان/أبريل. بعد كل هذه الضربات، أعادت حماس تنظيم صفوفها، وتضميد جراحها، وبناء وتطوير بنيتها العسكرية وقدراتها التسليحية. هذا لا يعني أن ما شهدته الحركة خلال العقود الماضية يرقى لما واجهته منذ 7 أكتوبر 2023، لكنه يؤكد قدرة حماس على التكيّف مع الظروف، والتأقلم مع المستجدات.

قد لا يكون الأمر شبيهاً بالنسبة لحزب الله؛ فما تعرض له الحزب منذ عملية تفجير أجهزة البيجر (17 أيلول/سبتمبر 2004) الذي استهدف آلاف كوادر الحزب، وفي اليوم التالي تفجير أجهزة اللاسلكي بمئات العناصر من قوة الرضوان، وبعدها بأيام اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وبعدها خلفه هاشم صفي الدين، وخلال فترة وجيزة نجحت إسرائيل في اغتيال العشرات من قادته العسكريين، واستهداف مراكز الحزب ومستودعاته في الجنوب والبقاع. كل ذلك شكل ضربة قاسية غير مسبوقة في تاريخ الحزب منذ تأسيسه بداية الثمانينات، وجعل الحزب أمام واقع لم يعتد التعامل معه، خاصة أنه تزامن مع انهيار نظام بشار الأسد في سوريا الذي يشكل حديقة خلفية وخطوط إمداد للحزب.

هذا الواقع الصعب لحماس في غزة، يختلف بالنسبة لحزب الله في لبنان، فللحزب هامش أوسع من المناورة، أقلّه الانكفاء "عسكرياً" إلى ماوراء نهر الليطاني شمالاً، وإخفاء ترسانته الصاروخية في مناطق بعيدة عن الجبهة مع إسرائيل، وإعادة ترتيب بنيته العسكرية التي دمّرت إسرائيل جزءاً مقدراً منها، بانتظار تغيّر الظروف

من المعروف أن الرعاية والمساندة والدعم الرئيسي للحزب يأتي من إيران، لذلك، فإن قدرة الحزب على إعادة الوقوف من جديد، سيكون منوطاً كذلك بنتائج العدوان الأمريكي على إيران، وما إذا كانت طهران ستصمد أمام ما تتعرض له، وستبقى راعية ومساندة لما يُعرف بـ"محور المقاومة"، الأمر الذي سينعكس إلى حد كبير على قدرة الحزب على إعادة بناء ما دمرته إسرائيل.

بعيداً عن القدرات العسكرية والتنظيمية، فإن حزب الله يبدو في وضع أكثر مرونة وراحة من حركة حماس من الناحية السياسية. فرغم كل ما أصاب الحزب من ضربات إسرائيلية، إلا أن فاعليته في الحياة السياسية الداخلية اللبنانية ما زالت على حالها. ورغم خفوت وهج الحزب "الذي لا يُقهر" والذي استطاع مواجهة أقوى قوة عسكرية في المنطقة، لكن هذا لا ينفي أن للحزب شعبية واسعة لا سيما بين اللبنانيين الشيعة، ويملك كتلة نيابية وازنة، وليس من المتوقع أن يتراجع حضور الحزب في أي انتخابات قادمة، وهو ما زال مشاركاً في الحكومة بعدد من الوزراء.

هذه الراحة والمرونة في الحضور السياسي تفتقده حماس، التي تلاحق إسرائيل مناصريها في قطاع غزة، وتحظر وجودها في الضفة الغربية وأراضي 48، حتى القيادة السياسية التي يتواجد معظمها في الخارج، فإن حركتها باتت محدودة، في ظل الاستهدافات والتهديدات الإسرائيلية. وما يزيد في تعقيد الوضع السياسي بالنسبة لحماس، هو التشرذم الداخلي الفلسطيني، والعداء الذي تظهره السلطة الفلسطينية لحماس وقوى المقاومة الأخرى.

أمام حماس خيارات ضيقة للمناورة مع إسرائيل في قطاع غزة. فاحتفاظ الحركة بسلاحها يبدو صعباً في ظل احتلال إسرائيل مساحة واسعة من القطاع، وهيمنتها العسكرية على المساحة المتبقية، إضافة لمواصلة الاحتلال استهدافاته اليومية وغاراته على مختلف أنحاء القطاع. هذا الواقع الصعب لحماس في غزة، يختلف بالنسبة لحزب الله في لبنان، فللحزب هامش أوسع من المناورة، أقلّه الانكفاء "عسكرياً" إلى ماوراء نهر الليطاني شمالاً، وإخفاء ترسانته الصاروخية في مناطق بعيدة عن الجبهة مع إسرائيل، وإعادة ترتيب بنيته العسكرية التي دمّرت إسرائيل جزءاً مقدراً منها، بانتظار تغيّر الظروف.

قد يكون المأزق الذي تعاني منه حركة حماس وحزب الله متشابه، لكن الخروج منه قد لا يكون كذلك.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل