قال عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب
العدالة والتنمية
المغربي، إن
الانتخابات البرلمانية الأخيرة حملت رسالة واضحة إلى
الداخل المغربي والمحيط العربي والإسلامي، مفادها أن التعايش السلمي بين الفرقاء
السياسيين، والتدافع الديمقراطي بينهم، يمثلان مدخلا أساسيا لخدمة مصالح الشعب
المغربي وتعزيز الاستقرار السياسي.
وأضاف بنكيران، في حديث خاص مع
"عربي21"
أن ما حققه حزبه بانتقاله من 13 مقعدا في انتخابات عام 2021 إلى 54 مقعدا في
الانتخابات الحالية، يمثل إنجازا سياسيا كبيرا، تتجاوز دلالاته، بحسب تقديره، ما
حققه الحزب في انتخابات عام 2016، بالنظر إلى السياق السياسي الذي جاءت فيه هذه
النتائج وما تعكسه من تحولات في المشهد الحزبي المغربي.
واعتبر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية
أن عودة حزبه إلى واجهة المشهد البرلماني، بعد التراجع الكبير الذي عرفه في
انتخابات 2021، تحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد الزيادة في عدد المقاعد، وتعكس
استعادة الحزب حضوره في التنافس الانتخابي، في ظل مشهد سياسي يتسم بتعدد المرجعيات
والاتجاهات.
وفي رسالة مباشرة إلى منتقدي التجربة
الديمقراطية المغربية، دعا بنكيران من يهاجمونها، وخصوصا من المشرق العربي، إلى "التواضع
قليلا"، والتأمل في الواقع العربي بحثا عن تجربة مماثلة يتنافس فيها الفرقاء
السياسيون، على اختلاف توجهاتهم الفكرية والأيديولوجية، بحرية كاملة.
وشدد على أن المغرب، بما يتيحه من تعددية
سياسية وفكرية، وما يكرسه من قيم التعايش السلمي بين مكوناته، يقدم نموذجا عربيا
يستحق التقدير، معتبرا أن الاختلاف بين القوى السياسية لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر
للصراع، بل يمكن أن يشكل مدخلا للتنافس الديمقراطي والتدافع من أجل خدمة المجتمع
وتحقيق مصالح المواطنين.
المواطنة والعدالة ومقاومة الفساد
وفي حديثه عن مشروع حزب العدالة والتنمية،
أكد بنكيران أن الحزب جاء لترسيخ قيم المواطنة والعدالة ومقاومة الفساد، إلى جانب
الدفاع عن الهوية المغربية والإسلامية، معتبرا أن هذه المبادئ تشكل مرتكزات أساسية
في رؤيته للعمل السياسي، وتهدف في جوهرها إلى خدمة الشعب المغربي وصيانة مقوماته
الوطنية والحضارية.
وأوضح أن الجمع بين قيم المواطنة والعدالة
والهوية يمثل جزءا من المرجعية التي يستند إليها الحزب في ممارسته السياسية، مشددا
على أن العمل الحزبي ينبغي أن يظل مرتبطا بمصالح المواطنين وتطلعاتهم، بعيدا عن
اختزال
السياسة في التنافس على المواقع والمقاعد البرلمانية.
وفي ما يتعلق بالقضايا الإقليمية، جدد
بنكيران تأكيد موقف حزبه الرافض للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، مشددا على مواصلة
الدفاع عن قيم العدالة والانتصار للشعب الفلسطيني الذي يواجه، بحسب تعبيره،
احتلالا إجراميا.
وربط الأمين العام للحزب بين مواقفه من
القضية الفلسطينية ومرجعيته السياسية والفكرية، معتبرا أن الدفاع عن حقوق الشعب
الفلسطيني ومقاومة التطبيع يندرجان ضمن التزام الحزب بقيم العدالة والانتصار لحقوق
الشعوب.
التعددية السياسية ورسالة إلى المحيط العربي
وفي قراءته للأبعاد الإقليمية للانتخابات
المغربية، رأى بنكيران أن الرسالة التي يبعث بها المغرب لا تقتصر على الداخل،
وإنما تتجاوز حدوده إلى محيطه العربي والإسلامي، من خلال إبراز إمكانية التعايش
بين تيارات سياسية متباينة، وإدارة الاختلاف عبر التنافس الانتخابي والتدافع
السلمي.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها، وفق التصور
الذي طرحه بنكيران، من كونها تؤكد أن التعددية السياسية لا تتعارض بالضرورة مع
الاستقرار، وأن التنافس بين القوى ذات المرجعيات المختلفة يمكن أن يشكل وسيلة
لخدمة المصالح العامة، متى جرى في إطار من التعايش واحترام الاختلاف.
وتعكس
تصريحات بنكيران تمسك حزب العدالة
والتنمية بالعودة إلى صدارة النقاش السياسي المغربي، مستندا إلى النتائج التي
حققها في الانتخابات الأخيرة، وإلى ما يراه من أهمية استمرار التعددية والتنافس
الديمقراطي، في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى داخل البرلمان المغربي.
الخط الإصلاحي ومواجهة التغريب والتطبيع
وشدد بنكيران على خصوصية التجربة التي
يقدمها حزب العدالة والتنمية، باعتبارها تجربة تقوم على تبني خط إصلاحي يجمع بين
المشاركة السياسية والعمل من داخل المؤسسات والتمسك بالمرجعية الإسلامية، معتبرا
أن هذا النهج هو الأقدر على حماية الثوابت الوطنية والحضارية، ومواجهة ما وصفه
بموجات التغريب والإفساد، فضلا عن التصدي للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
ورأى بنكيران أن الرهان على الإصلاح لا
يقتصر على تدبير الشأن العام أو تحقيق المكاسب الانتخابية، بل يتجاوز ذلك إلى
صيانة هوية المجتمع المغربي وحماية منظومته القيمية، مؤكدا أن التمسك بالمرجعية
الإسلامية والانخراط في العمل السياسي الديمقراطي ليسا مسارين متعارضين، وإنما
يمكن أن يشكلا معا مدخلا للإصلاح ومواجهة التحديات الفكرية والسياسية التي تواجه
المجتمع.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية في سياق سعي
العدالة والتنمية إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه حزبا إصلاحيا يجمع بين المرجعية
الإسلامية والمشاركة الديمقراطية، ويطرح من خلال تجربته تصورا لدور التيارات ذات
المرجعية الإسلامية في إدارة التعددية السياسية، والدفاع عن الهوية الوطنية،
والتفاعل مع القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وأكد بنكيران أن النتائج التي حققها حزب
العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية تحظى بارتياح كبير لدى قيادة الحزب
وقواعده، معتبرا أن هذا الارتياح لا يرتبط فقط بارتفاع عدد المقاعد البرلمانية،
وإنما بما وصفه بعودة الحزب إلى حاضنته الشعبية بشكل كامل.
وأشار إلى أن النتائج تعكس، من وجهة نظره،
استعادة الثقة بين الحزب وقواعده الاجتماعية، وتؤكد أن العدالة والتنمية لا يزال
يمتلك حضورا شعبيا قادرا على ترجمة توجهاته السياسية إلى نتائج انتخابية، بعد
التراجع الكبير الذي سجله في استحقاق 2021.
واعتبر بنكيران أن هذه العودة تمنح الحزب
دفعة جديدة لمواصلة مشروعه السياسي والإصلاحي، وتضع أمام قيادته وقواعده مسؤولية
الحفاظ على هذا الحضور، وتحويله إلى عمل سياسي ومؤسساتي يستجيب لانتظارات
المواطنين.