إيكونوميست: الحرب مع إيران تقوض الثقة الخليجية بالضمانات الأمريكية

الحرب ألحقت أضرارًا اقتصادية بحلفاء الولايات المتحدة العرب في الخليج- الأناضول
الحرب ألحقت أضرارًا اقتصادية بحلفاء الولايات المتحدة العرب في الخليج- الأناضول
شارك الخبر
قالت مجلة "إيكونوميست" إن عقودًا من التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط أضعفت ثقة حلفاء واشنطن بقدرتها على حماية المنطقة، معتبرة أن الحرب الحالية مع إيران عمّقت هذا التحول، بعدما تكبدت دول الخليج أضرارًا اقتصادية وأصبحت تتساءل عن مستقبل الالتزام الأمريكي بأمنها.

وأوضحت المجلة، في تحقيق لها، أن فشل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال 35 عامًا عزز لدى حلفائها شعورًا بأنها أصبحت جزءًا من المشكلة بدلًا من الحل، في تناقض مع التفاؤل الذي ساد واشنطن مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعد إخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991، وانعقاد مؤتمر مدريد، وانهيار الاتحاد السوفييتي.

لكن العقود التي هيمنت فيها واشنطن على المنطقة خلفت، بحسب المجلة، "فوضى واضطرابات"، كان أحدثها الحرب التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، والتي توقع انتهاءها خلال أيام، لكنها دخلت شهرها الثامن دون أفق واضح للتسوية.

وأضافت أن الحرب ألحقت أضرارًا اقتصادية بحلفاء الولايات المتحدة العرب في الخليج، إلى جانب تداعياتها على الاقتصاد العالمي، معتبرة أن فقدان ثقة الحلفاء وإرهاق الرأي العام الأمريكي سيكونان من أبرز آثارها طويلة الأمد.

محادثات بلا انفراجة

ورأت "إيكونوميست" أن الأولوية حاليًا تتمثل في وقف الحرب، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا محادثات غير مباشرة استمرت ثلاث ساعات في الأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر، ونقل مبعوثون قطريون خلالها الرسائل بين الجانبين.

اظهار أخبار متعلقة


وقالت إن هذه كانت أول محادثات من نوعها منذ حزيران/يونيو، ووصفها ترامب بأنها "مثمرة جدًا"، رغم تكراره تهديده بـ"إبادة" إيران خلال خطابه أمام الجمعية العامة.

لكن المجلة نقلت عن دبلوماسيين تقييمًا أقل تفاؤلًا، معتبرة أن المحادثات أتاحت للجانبين إعادة تأكيد مواقفهما دون توفير صيغة لتحقيق انفراجة. وبحسبها، تريد إيران العودة إلى "مذكرة التفاهم" المبرمة في حزيران/يونيو، بينما يفضل ترامب التفاوض على اتفاق جديد.

وفي الوقت نفسه، أشارت إلى تصاعد المواجهات في اليمن، قائلة إن الحوثيين نقضوا خلال أيلول/سبتمبر اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 2022 مع خصومهم المدعومين من السعودية، وسيطروا على أجزاء من الساحل الجنوبي الغربي لليمن، كما استأنفوا هجماتهم على السعودية.

وأضافت أن ترامب يراهن على الضغط الاقتصادي لدفع إيران إلى الاستسلام، مشيرة إلى أن الحصار المفروض على الملاحة الإيرانية تسبب في اضطرابات واسعة، مع توقف الموانئ واضطرار طهران إلى إعادة توجيه تجارتها عبر الطرق البرية.

ووفق المجلة، تكدست مئات الشاحنات لأيام عند الحدود، وسجل الريال الإيراني انخفاضات قياسية، واقترب التضخم من 100 بالمئة، كما أدى منع شركات الطيران الإيرانية من التحليق إلى تهديد سلاسل إمداد الأدوية.

واعتبرت أن أيًا من الطرفين لا يستطيع حسم الحرب بصورة قاطعة، مشيرة إلى اعتقاد سائد في واشنطن وطهران ودول الخليج بأن المواجهة قد تستمر حتى نهاية العام.

الضمانات الأمريكية

وقالت المجلة إن الولايات المتحدة جربت خلال العقود الماضية أشكالًا مختلفة من التدخل العسكري في الشرق الأوسط، فأرسلت قوات برية إلى العراق، واستخدمت القوة الجوية في ليبيا، وسلحت مقاتلين سوريين، ودعمت التحالف الذي قادته السعودية في حرب اليمن منذ 2015.

وأضافت أن بعض هذه التدخلات نجح في تغيير أنظمة الحكم لكنه خلف فوضى، بينما فشلت أخرى، إلا أنها جميعًا، بحسب المجلة، لم تحقق فوائد واضحة للمصالح الأمريكية.

وأشارت إلى أن التداعيات على حلفاء واشنطن كانت أكبر، ولا سيما خلال الحرب الحالية مع إيران، التي قالت إنها ألحقت أضرارًا كبيرة باقتصادات دول الخليج، وأدت إلى خسائر بمئات المليارات من الدولارات نتيجة تراجع مبيعات النفط والغاز، وانخفاض السياحة، وتضرر البنية التحتية.

اظهار أخبار متعلقة


ورأت "إيكونوميست" أن هذه التطورات ستفرض قيودًا على الدور الأمريكي المستقبلي في المنطقة. فدول الخليج، التي اختلفت مع واشنطن سابقًا بشأن العراق ومصر وسوريا، بدأت، بحسب المجلة، تتساءل عن التزام الولايات المتحدة بأمنها بعد امتناع إدارة باراك أوباما عن تنفيذ تهديدها بالتدخل عقب استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا عام 2013، ثم الهجمات الإيرانية وحلفائها على السعودية عام 2019 والإمارات عام 2022.

واعتبرت أن ترامب أضعف ما تبقى من الثقة الخليجية بواشنطن عندما شن حربًا على إيران، وهي حرب حاول رؤساء أمريكيون سابقون تجنبها.

ونقلت المجلة عن دبلوماسي خليجي قوله إن أحدًا في المنطقة ليس مستعدًا حاليًا للحديث علنًا عن مستقبل القواعد الأمريكية، مضيفًا: "ليس هذا هو الوقت المناسب لمثل هذا الحديث على الإطلاق".

ورأت أن الحرب قد تدفع واشنطن إلى التخلي عن الاحتفاظ بمنشآت كبيرة ودائمة، فيما يأمل مسؤولون في المنطقة بالتفاوض على قواعد جديدة لاستخدام هذه المنشآت. وأشارت إلى أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تقليص وجودها العسكري، بعدما أنهت انسحابها من قواعدها في سوريا، مع استعدادها لإخلاء قواعدها في العراق بحلول نهاية أيلول/سبتمبر.

لا بديل واضح عن واشنطن

وأكدت المجلة أن إيران لن تكون التهديد الوحيد للولايات المتحدة مهما كانت نتيجة الحرب، مشيرة إلى أن السياسة الداخلية الأمريكية ستشكل قيدًا على أي تدخلات مستقبلية، في ظل تزايد التشكيك في حروب الشرق الأوسط بين شخصيات من الحزبين.

وأضافت أن النظرة المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة تتراجع، ما سيؤثر بدوره في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.

ورأت "إيكونوميست" أن تقليص النفوذ الأمريكي لا يعني بالضرورة تراجع المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، لكن ما قد يتغير هو مفهوم واشنطن بوصفها ضامنًا للأمن الإقليمي.

واستشهدت بالتطورات في اليمن، مشيرة إلى أن ترامب لم يرفض طلبات متكررة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لشن غارات على اليمن، كما أجرى ممثلون عنه محادثات في عُمان مع مبعوثين حوثيين، توصلوا خلالها إلى تفاهمات بشأن وقف إطلاق النار وعدم مهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر.

وتعتقد المجلة أنه لا توجد قوة خارج المنطقة قادرة على سد الفراغ الذي قد تتركه الولايات المتحدة؛ فأوروبا تفتقر إلى القدرات اللازمة، وروسيا مقيدة بحربها في أوكرانيا، بينما لا تبدو الصين مستعدة للاضطلاع بدور مباشر في إنهاء الاضطرابات.

مسؤولية أكبر لدول المنطقة

ووفق المجلة، يترك ذلك دول المنطقة أمام مسؤولية أكبر، ولا سيما القوى غير العربية الثلاث الرئيسية، وهي إيران وإسرائيل وتركيا.

وقالت إن إيران تمتلك الصواريخ وشبكة من الحلفاء، بينما تمتلك إسرائيل جيشًا متطورًا، لكن قدرة كل منهما على زعزعة النظام الإقليمي تفوق قدرته على بناء نظام بديل، فيما تمثل تركيا قوة عسكرية ودبلوماسية ومصدرًا متزايدًا للأسلحة، رغم أن دولًا عدة تنظر إليها بريبة.

وتوقعت "إيكونوميست" أن تنقسم المنطقة على المدى القريب إلى تكتلات، مع تحالف الدول العربية مع قوى غير عربية، لكنها قالت إن تحقيق الاستقرار على المدى البعيد سيتطلب من الدول العربية الاضطلاع بدور أكبر، عبر تطوير جيوشها، وبناء تحالفات أقوى، وتعزيز التعاون.

وأشارت إلى أن الدول العربية ستحتاج كذلك إلى الاتفاق على طبيعة النظام الإقليمي الذي تريد بناءه، موضحة أن الحديث قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر عن "شرق أوسط جديد" ركز بدرجة أكبر على التنمية الاقتصادية، لكن الصراعات المستعصية وضعف بعض الحكومات جعلا تحقيق هذا التصور أكثر صعوبة.

اظهار أخبار متعلقة


ولفتت إلى أن السعودية والإمارات لا تتعاونان بصورة كاملة حتى في الملف اليمني، رغم أن الحوثيين يشكلون تهديدًا للبلدين، كما أن جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي لم يتحولا إلى مؤسسات إقليمية فاعلة بالقدر الكافي.

إرث الحقبة الأمريكية

وترى المجلة أن هذه الاختلالات كانت جزءًا من طبيعة الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط، إذ لم تتشارك واشنطن وحلفاؤها الإقليميون في مشروع سياسي أو اقتصادي واسع، بل ركزت الولايات المتحدة بصورة أساسية على ضمان تدفق النفط، وحماية إسرائيل، والحفاظ على قواعدها العسكرية.

وقالت إن تحقيق هذه الأهداف لم يكن يتطلب أن تكون الدول العربية قوية أو مزدهرة، وهو ما لم يتعارض مع مصالح حكومات المنطقة التي ركزت بدورها على الحفاظ على أنظمتها.

وخلصت "إيكونوميست" إلى أن الولايات المتحدة استطاعت الحفاظ على هذا الوضع لفترة طويلة، لكن قواعدها أصبحت عرضة للهجمات، وناقلات النفط تتعرض للاستهداف، فيما تخوض إسرائيل، الحليف الأقرب لواشنطن، حربًا مستمرة منذ ثلاث سنوات.

وأضافت أن ما بنته الولايات المتحدة خلال 35 عامًا لم يكن متينًا بما يكفي، معتبرة أن كثيرًا من دول المنطقة بقيت ضعيفة أو منقسمة أو فاشلة، وأن غياب الضامن الأمريكي التقليدي قد يدفعها إلى تحمل مسؤولية بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا بنفسها.
التعليقات (0)