الموسيقى في تونس.. هل تستطيع أيام قرطاج أن تذهب أبعد من العروض؟

تدخل أيام قرطاج الموسيقية المؤسسات السجنية للمرة الأولى، عبر مشروع "نفس: إيقاع الحرية"بالشراكة مع الإدارة العامة للسجون والإصلاح.
تدخل أيام قرطاج الموسيقية المؤسسات السجنية للمرة الأولى، عبر مشروع "نفس: إيقاع الحرية"بالشراكة مع الإدارة العامة للسجون والإصلاح.
شارك الخبر
الموسيقى أو الحقّ في الحياة في تونس قد تخرجنا من عوالم مغلقة، لننفتح على دواخلنا، وتدفعنا إلى مواجهة سؤال نتهرّب منه يأسا في الراهن التونسي: ماذا ينتظرنا في الغد؟ هل تمكّننا نوتة موسيقية من إطلاق أصواتنا، لكي يمضي صداها بعيدا؟ ولا تترك أرواحنا كما وجدتها: تنسج فيها صورة رمزية عن عالم آخر مرتقب، وتحاكي توقا قديما في الإنسان إلى الحرية، حتى حين يكون الجسد محاصرا بقيوده.

وأنا، أيضا، نسجت لنفسي أمكنة كثيرة وسرحت في جماليات لم أعرفها بعد وسمحت لها بأن تتعملق. لم يكن الأمر إراديا فقد كان بعض مفعول ما سمعته من أفكار ومشاريع وتخطيطات وأهداف وبرمجة للدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية. ولم أمنع نفسي من السّؤال: هل ستظل هذه الوعود مجرد برمجة، أم تجد طريقها إلى التنفيذ؟ هل سنحيا حقاً بالموسيقى، أم يظل حقنا في الحياة مسلوبا ومنقوصا حتى حين تصل إلينا الموسيقى؟

378 مشروعا  تبحث عن فرصة


تبعا  لتصريح المدير الفني للأيام السيد منذر فلاح،هذه الدورة ستكون مختلفة، بمعنى أنها لن تكون مجرد فضاء للعروض، بل مساحة للتفكير في الموسيقى من زوايا متعددة. وتكشف أرقام الدورة شيئاً من هذا التحوّل. فقد تلقت التظاهرة 378 طلب مشاركة، اختارت منها اللجنة 26 مشروعاً، 60 بالمئة منها تونسية و40 بالمئة دولية، من بين 15 دولة مشاركة.

ولا تبدو المسألة مجرد منافسة على خشبة المهرجان. فالاختيار يضع في الاعتبار المشاريع الناشئة وإمكان تطورها ووصولها إلى فضاءات دولية، إلى جانب إتاحة فرص للموسيقيين ذوي الإعاقة.هكذا تحاول أيام قرطاج الموسيقية أن تؤدي وظيفة أقرب إلى "الصالون المهني"، حيث يلتقي الموسيقي بالمنتج والمبرمج والمهرجان والمؤسسة، لا أن ينتهي كل شيء مع نهاية العرض.والسؤال الذي تطرحه هذه الصيغة عملياً هو: هل يستطيع المهرجان أن يصبح محطة في المسار المهني للفنان، بدلا من أن يكون مجرد محطة في روزنامة العروض؟

الموسيقى أمام الذكاء الاصطناعي


لا يبتعد البرنامج الفكري كثيرا عن هذا السؤال.فستة لقاءات تتناول مهنة تأليف موسيقى الأفلام والمسار الفني من الفكرة إلى الركح وبرمجة الفنان الناشئ في المهرجانات والإخراج الركحي للعروض الموسيقية والموسيقى التفاعلية.وسط هذه العناوين، يبرز لقاء الذكاء الاصطناعي والموسيقى بمشاركة سامي بن سعيد وزياد مدب الحمروني وإدارة أحمد أمين عزوزي.

ويمكن القول إنّ وجود الذكاء الاصطناعي في برنامج مهرجان موسيقي لم يعد تفصيلا. فالأداة باتت حاضرة في صناعة المحتوى والإنتاج والتوزيع واكتشاف الأعمال، بما يفتح أسئلة حول مستقبل المهنة وحدود دور الموسيقي. هل ستغيّر التكنولوجيا أدوات العمل فقط، أم ستعيد تعريف العلاقة نفسها بين الإنسان والإبداع؟

حين يصبح التكوين جزءا من العرض


تستضيف الدورة  من 5 إلى 9 أكتوبر ورشة للجاز تجمع بين التكوين النظري والتطبيق العملي، بمشاركة مهدي عزيز وماتيو فابر ويوهان غودفروي وجريميني مارتينيز، وبالاستناد إلى تجربة Marseille Jazz Collective.وتضم الورشة ثلاثين موسيقيا.قد تبدو هذه الفقرة هامشية أمام أسماء الحفلات لكنّها تكشف جانبا أساسيّا من التصور الجديد للمهرجان: الاستثمار في ما يحدث قبل العرض، في المعرفة والتجربة وتبادل الخبرات وليس فقط في لحظة صعود الفنان إلى الخشبة.

إلى خشبة السجن..


تدخل أيام قرطاج الموسيقية المؤسسات السجنية للمرة الأولى، عبر مشروع "نفس: إيقاع الحرية"بالشراكة مع الإدارة العامة للسجون والإصلاح. وينطلق البرنامج في 4 أكتوبر من قاعة عمر الخليفي بمدينة الثقافة بعرض يقدمه مركز إصلاح الفتيات الجانحات بالمغيرة، قبل أن ينتقل إلى السجن المدني ببرج الرومي مع "دندري" ثم السجن المدني بالمسعدين مع "جذب"، فالسجن المدني بصفاقس مع محمد سعيد، ويختتم في السجن المدني ببلي بعرض محمد علي شبيل.هنا يتغير السؤال: ليس فقط من يقدم الموسيقى، بل لمن تصل؟

يحيل إخراج العرض من قاعة المهرجان إلى السجن إلى أنّ الجمهور نفسه أصبح جزءا من النقاش حول وظيفة الثقافة. وفي هذه الحالة، نعتقد أنّ الموسيقى لن تكون مجرد منتج ثقافي ينتظر من يشتري تذكرته أو يدخل قاعة العرض، بل تجربة تحاول الوصول إلى جمهور خارج المسارات المعتادة.

هل يمكن للموسيقى أن تغادر العاصمة؟


تتمثّل المحطة الثانية في هذا الخروج في اختيار ثلاثة عروض تونسية لتقديمها خارج العاصمة، ضمن مهرجانات صيفية وبرمجة شتوية.وهنا لا تبدو اللامركزية مجرد توزيع جغرافي للعروض. بالنسبة إلى المشاريع الموسيقية الناشئة، قد يعني الانتقال إلى جهات أخرى فرصة لبناء جمهور جديد، واختبار العرض خارج الدائرة الثقافية المعتادة في تونس العاصمة.من السجن إلى الجهات، إذن، تتسع خريطة المهرجان، ويصبح المكان جزءاً من السؤال الموسيقي نفسه.

أسماء كثيرة.. وسؤال واحد


يفتتح "دندري" البرنامج، وتحضر "أوم" من المغرب و"لاباس" من الجزائر و"جدل" من الأردن، إلى جانب سيسيليا كرول وداني دي مورون وكارلوس ميرينو من إسبانيا، فيما تختتم الفنانة السورية فايا يونان الدورة.ولكن وراء هذه الحفلات هناك 378 مشروعا تقدم أصحابها للمشاركة، وموسيقيون يدخلون ورش التكوين، ولقاءات تبحث في مستقبل المهنة، ونقاش حول الذكاء الاصطناعي، وعروض تصل إلى السجون، ومشاريع تغادر العاصمة.

تبدو  هذه الوعود طموحة. لكن بين ما تقوله البرامج وما يحدث على الأرض مسافة لا تحسمها النّدوات الصحفية. لذلك لن نستبق التجربة بالحكم عليها، ولا بالتشاؤم منها. سنترك التنفيذ يقول كلمته ونعود لاحقاً، إذا استدعى الأمر، إلى قراءة نقدية لهذه الوعود. قد تجعلنا هذه الدّورة نعيد طرح السؤال القديم حول وظيفة المهرجان: هل هو المكان الذي تأتي إليه الموسيقى لتُعرض، أم المكان الذي تحصل فيه على فرصة لكي تذهب أبعد؟

 لننتظر ما ستبوح به الأيام..
التعليقات (0)