كشف خطاب الرئيس
الأمريكي دونالد
ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن نهج يقوم على توظيف
القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية لتحقيق مصالح واشنطن، بعدما هدد
إيران
بـ"إبادة الجمهورية الإسلامية"،
وأشارت صحيفة
"نيويورك تايمز" إلى أن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية
العامة للأمم المتحدة عكس رؤية مختلفة لدور الولايات المتحدة في العالم، تقوم على استخدام
قوتها العسكرية والاقتصادية لتحقيق مصالحها، في وقت بدا فيه الرئيس الأمريكي أكثر ابتعادًا
عن المبادئ التي قامت عليها المنظمة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
وأكد الصحفيان زولان
كانو-يونغز وديفيد إي. سانغر، في مقال تقرير نشرته الصحيفة من مقر
الأمم المتحدة، أن
المنصة التي اعتاد قادة العالم استخدامها للدعوة إلى السلام شهدت تهديدات مباشرة من
ترامب بـ"إبادة الجمهورية الإسلامية"، إلى جانب حديثه عن أن "الغنائم
من نصيب المنتصر".
وتابع المقال أن ترامب
أطلق تهديداته تجاه إيران في الوقت الذي تستمر فيه الحرب لفترة أطول بكثير مما توقعه،
كما استخدم الخطاب للدفاع عن مطالبه المتعلقة باحتياطيات النفط الفنزويلية، بعدما أطاحت
القوات الأمريكية بزعيم البلاد.
وأشارت
"نيويورك
تايمز" إلى أن ترامب لم يخفِ منذ فترة طويلة نظرته السلبية إلى الأمم المتحدة،
التي يصفها بأنها مؤسسة عفا عليها الزمن وغير فعالة، لكن خطابه الأخير ذهب، بحسب الصحيفة،
إلى أبعد من مجرد انتقاد المنظمة، إذ عكس رفضًا للمبدأ الذي قامت عليه عام 1945، والمتمثل
في "إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب".
ولفت المقال إلى أن
ميثاق الأمم المتحدة، الذي ساهمت الولايات المتحدة بدرجة كبيرة في صياغته، يحظر على
الدول الأعضاء التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية لأي دولة،
باستثناء حالات الدفاع عن النفس أو عندما يكون استخدام القوة بتفويض من الأمم المتحدة.
وفي حديثه عن إيران،
أوضح ترامب أنه يعتبر القرار بشأن مستقبل المواجهة مع طهران بيده، متحدثًا عن خيار
التوصل إلى اتفاق مع قادتها أو "إبادة الجمهورية الإسلامية".
وأكدت الصحيفة أن هذا
الطرح ربما كان جزءًا من أسلوب تفاوضي يتبناه ترامب، مشيرة إلى أن مسؤولين أمريكيين
عقدوا في وقت لاحق من صباح اليوم نفسه اجتماعًا هادئًا مع مسؤولين إيرانيين كانوا موجودين
في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، إلا أنه لم يكن واضحًا ما إذا كان
الاجتماع قد حقق تقدمًا، أو ما إذا كان ترامب نفسه سيجتمع مع كبار المسؤولين الإيرانيين.
ولم تتوقف تهديدات
ترامب، بحسب التقرير، عند إيران، إذ تعهد أيضًا بأن الحكومة الكوبية ستسقط بطريقة أو
بأخرى. ولفتت "
نيويورك تايمز" إلى أن حديثه عن أن "للظافر الغنائم"
بدا وكأنه يستعيد لغة تعود إلى مرحلة "دبلوماسية الزوارق الحربية" الأمريكية
التي سادت قبل أكثر من قرن.
وأضافت الصحيفة أن
ترامب أظهر استعدادًا لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية ليس فقط من أجل تأمين موارد
حيوية، مثل احتياطيات النفط الضخمة في
فنزويلا، وإنما أيضًا لتحقيق أرباح.
وجاء ذلك، وفق التقرير،
في وقت بدا فيه ترامب أكثر عزلة عن حلفائه التقليديين، بالتزامن مع إظهار استطلاعات
الرأي أن غالبية ساحقة من الأمريكيين لا تؤيد سياسته الخارجية، إلا أن هذه المعطيات
لم تدفعه إلى التراجع عن تهديداته المرتبطة باستخدام القوة العسكرية خلال ولايته الثانية.
وأشارت "نيويورك
تايمز" إلى أن خطاب ترامب بدا، حتى وفق مقاييسه الخاصة، متجاهلًا للهدف التأسيسي
للأمم المتحدة، وهي المؤسسة التي طالما هاجمها ووصفها بأنها غير فعالة وغير مؤهلة للتعامل
مع قضايا العالم المعاصر.
وأعاد الخطاب إلى الأذهان
منشورًا سابقًا لترامب على مواقع التواصل الاجتماعي هدد فيه بمحو الحضارة الإيرانية،
غير أن سماع مثل هذه التهديدات بصورة مباشرة من منصة الأمم المتحدة كان، بحسب الصحيفة،
أمرًا صادمًا.
وتابعت الصحيفة أن
ترامب بدا وكأنه يتعمد إظهار استعداده لاتخاذ إجراءات أحجم عنها رؤساء أمريكيون سابقون،
وكذلك الأمم المتحدة.
وتساءل ترامب أمام
قادة العالم عما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق يسمح لإيران بإعادة البناء وتكوين دولة
أعظم مما كانت عليه، وربما تصبح واحدة من أعظم دول الشرق الأوسط أو حتى العالم، قبل
أن يطرح خيارًا آخر قال فيه: "أم أقوم بإبادة الجمهورية الإسلامية والقضاء عليها
بسرعة، ودون منحها أي فرصة لقتل وتدمير الشعوب والدول مرة أخرى؟".
اظهار أخبار متعلقة
كما قال ترامب من على
منصة الجمعية العامة، حيث يحرص قادة العالم عادة على تقديم أنفسهم باعتبارهم دعاة للسلام:
"هل أدفع بهم إلى الجحيم دون أي فرصة للنجاة ودون أي أمل في عظمة مستقبلية أو
أجيال قادمة؟".
ولم يتطرق ترامب في
خطابه، بحسب التقرير، إلى إحباطه من استمرار الحرب التي كان قد توقع في وقت سابق أن
تستمر أيامًا أو أسابيع، بينما امتدت الآن لما يقارب سبعة أشهر.
وأكدت "نيويورك
تايمز" أن الخطاب بدا في مجمله متبنيًا لمبدأ أساسي في ولاية ترامب الثانية، يتمثل
في توظيف مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية الهائلة لتحقيق الأهداف الأمريكية
وتعزيز الاقتصاد الوطني، بدلًا من الاعتماد على الدبلوماسية التي وصفتها الصحيفة بأنها
شاقة وبطيئة غالبًا، وتعتمد على عقد الصفقات وممارسة الضغوط الاقتصادية.
ولفتت إلى أن ترامب
لم يعترف بدور واضح للهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، بل بدا وكأنه يلمح إلى ضرورة
أن تصطف هذه المؤسسات خلف الولايات المتحدة.
وفي مرحلة لاحقة من
كلمته، انتقل ترامب إلى استعراض قائمة من النزاعات التي قال إنه نجح في تسويتها، متفاخرًا
بأنه أنقذ ملايين الأرواح بعدما تدخل لمنع اندلاع حرب بين باكستان والهند.
وبعد فترة قصيرة من
تهديده إيران بالإبادة، عقد مساعدوه اجتماعًا استمر ثلاث ساعات مع مسؤولين إيرانيين،
دون أن يتضح ما إذا كان الاجتماع أسفر عن أي نتيجة.
وأشارت الصحيفة إلى
أن هذا التركيز على القوة وتفضيلها على المبادئ يرتبط بقناعة سبق أن عبّر عنها ترامب
في مقابلة مع "نيويورك تايمز" في وقت سابق من العام، عندما قلل من أهمية
القانون الدولي واعتبره قيدًا على تحركاته.
وقال ترامب في تلك
المقابلة إن الحد الوحيد لسلطته هو "أخلاقياتي وعقلي؛ فهما الشيء الوحيد الذي
يمكنه إيقافي".
وكانت فنزويلا، بحسب
التقرير، المثال الأبرز على هذا النهج، إذ أشاد ترامب بسرعة توغل قوات العمليات الخاصة
الأمريكية داخل كاراكاس، حيث ألقت القبض على نيكولاس مادورو وزوجته وهما في فراشهما،
قبل نقلهما إلى مركز احتجاز في بروكلين، على مسافة أميال قليلة من المكان الذي ألقى
فيه ترامب خطابه.
وانتقد السناتور آندي
كيم، الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي، ترامب، قائلًا إنه يقدم نفسه في الوقت ذاته باعتباره
رئيسًا يدعو إلى السلام ورئيسًا قادرًا على محو أمة بأكملها.
وكتب كيم على مواقع
التواصل الاجتماعي: "لا يفوّت ترامب فرصة لإهانة نفسه أمام العالم. إن حربه في
إيران تمثل فشلًا ذريعا، والشعب الأمريكي هو من يدفع الثمن".
كما انتقد قادة دول
آخرون ترامب دون الإشارة إليه بالاسم خلال كلماتهم أمام الجمعية العامة.
وندد الرئيس الفرنسي
إيمانويل ماكرون، الذي تمثل بلاده حليفًا للولايات المتحدة منذ الثورة الأمريكية، بما
وصفه بالتراجع العالمي نحو "شريعة الغاب".
ومن جانبه، قال الرئيس
البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، أول زعيم عالمي يتحدث الثلاثاء، إن الديمقراطية
"تواجه التهديد مجددًا"، كما شدد، دون التطرق إلى العملية الأمريكية ضد مادورو،
على حق الشعب الفنزويلي في تقرير مصيره.
وفي المقابل، أصر ترامب
على أن الظروف الحالية ليست مناسبة لإجراء انتخابات مفتوحة في فنزويلا.
وأظهرت استطلاعات الرأي
الأخيرة، بحسب "نيويورك تايمز"، ضعف التأييد الشعبي لنهج ترامب في السياسة
الخارجية. وأشار التقرير إلى استطلاع أجرته شبكة "سي إن إن" في الأسبوع السابق
أظهر أن 29% فقط من البالغين الأمريكيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع الشؤون الخارجية،
مقابل 71% أعربوا عن عدم رضاهم.
وقالت الصحيفة إن هذه
النسبة من عدم الرضا تضاهي أو تتجاوز المستويات التي واجهها الرئيس جورج بوش الابن
عام 2006، عندما كانت أوضاع حرب العراق تتدهور بسرعة.
لكن ترامب، وفق التقرير،
يرى أن إجراءات مثل احتجاز الزعيم الفنزويلي والمطالبة بنفط بلاده تمثل انتصارات واضحة.
وقال ترامب:
"لقد كانت حربًا، لكنها ربما تكون أكبر صفقة أُبرمت على الإطلاق"، مضيفًا:
"إذا لزم الأمر، سنستخدم قوتنا العسكرية التي لا تضاهى لحماية المصالح الوطنية
الحيوية للولايات المتحدة".
كما وصف ترامب كوبا
بأنها "دولة فاشلة" ستنهار قريبًا، وقال: "لن نسمح بوجود ملاذ للخصوم
الأجانب يهددون أمريكا على أعتابنا مباشرة".
ودفعت تصريحاته المسؤولين
الكوبيين إلى الانسحاب من قاعة الجمعية العامة.
وقال وزير الخارجية
الكوبي برونو رودريغيز باريلا، في وقت لاحق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إن الحكومة
الأمريكية لا تستطيع تقبل حقيقة أن كوبا دولة مستقلة وذات سيادة كاملة، ولها الحق في
أن تكون كذلك، مؤكدًا أن بلاده لا تشكل تهديدًا للولايات المتحدة أو لأي دولة أخرى.
كما أشاد ترامب بالاتفاق
الذي أبرمته إدارته مؤخرًا بشأن جزيرة غرينلاند، بعدما كان قد هدد في وقت سابق من العام
بالاستحواذ الكامل على الجزيرة الكبيرة التي يُعتقد أنها تحتوي على احتياطيات ضخمة
تحت الأرض من المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في البطاريات والمركبات الكهربائية
وغيرها من المنتجات عالية التقنية.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت الصحيفة إلى
أن احتمال استيلاء الولايات المتحدة على إقليم يتمتع بحكم شبه ذاتي أثار ردود فعل غاضبة
وحادة من قادة أوروبيين، وكاد أن يزعزع أركان التحالف الغربي.
وبعد التوصل إلى اتفاق
مع الدنمارك وغرينلاند بشأن الإقليم، أبلغ ترامب الحاضرين بأنه يعتزم إنشاء قاعدتين
عسكريتين جديدتين في غرينلاند، وهي خطوة كان بإمكان الولايات المتحدة تنفيذها خلال
العقود السابقة بموجب معاهدة قائمة بالفعل.
وأكدت "نيويورك
تايمز" أن خطاب ترامب مثل أيضًا تحولًا عن تصريحاته السابقة أمام الأمم المتحدة،
والتي اتسمت بإهانة قادة العالم وتوبيخهم بشأن سياساتهم.
وكان ترامب قد قال
من المنصة نفسها في العام الماضي: "إن بلدانكم تتجه نحو الجحيم".
لكن ترامب، في ظل استمرار
الصراع مع إيران دون ظهور مؤشرات واضحة على انتهائه قريبًا، وفي وقت أثارت فيه الحرب
استياء بين مؤيديه داخل الولايات المتحدة، انتقل من توجيه الانتقادات إلى المنظمة الدولية
إلى محاولة إقناع قادة العالم بجدوى أفعاله، رغم المعارضة التي واجهتها سياساته من
جانب عدد كبير من الأمريكيين والحلفاء في الخارج.
وقال ترامب، فيما بدا
أنه رد على قادة دول انتقدوا الحرب مع إيران: "آمل أن يدرك الأوروبيون أن هدف
إيران كان استكمال سباقها المحموم نحو امتلاك قنبلة نووية. ولو نجحوا في ذلك، لكان
ذلك النظام الشرير طليق اليدين لنشر الرعب والموت إلى الأبد".
لكن الصحيفة أشارت
إلى أن حديث ترامب عن تطوير إيران صواريخ قادرة على الوصول إلى أوروبا لم ينسجم مع
تباهيه السابق بالقضاء بشكل كامل على البرنامج النووي الإيراني.
كما نسب ترامب إلى
نفسه الفضل في إنهاء الحرب في غزة، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية هناك متدهورة،
بينما ظلت خطة نزع سلاح حركة حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية متعثرة لأشهر.
وهاجم ترامب كذلك المحكمة
الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
على خلفية الحرب في غزة، ووصفها بأنها "مؤسسة مارقة".
وفي ملف المناخ والذكاء
الاصطناعي، تبنى ترامب موقفًا مختلفًا عن أولويات الأمم المتحدة.
ففي الوقت الذي تعتبر
فيه الأمم المتحدة التغير المناخي تهديدًا وجوديًا، وتضع قضية الذكاء الاصطناعي ضمن
أولوياتها، وصف ترامب التغير المناخي بأنه ليس أكثر من "خدعة".
كما رفضت الولايات
المتحدة، وفق التقرير، "أي محاولة لوضع مخطط عالمي للسيطرة" على الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، طرح ترامب
اقتراحًا لتغيير الطريقة التي يتعامل بها العالم مع هذه التكنولوجيا، وهو اقتراح قالت
الصحيفة إنه يعكس ميله إلى ابتكار المسميات والعلامات المميزة.
وقال ترامب:
"من الآن فصاعدًا، سيتم تعديل جميع وثائق الولايات المتحدة -ونأمل أن يحدث الأمر
نفسه عالميًا- لاستخدام مصطلح 'فائق' بدلًا من 'اصطناعي'؛ ليصبح المصطلح 'الذكاء الفائق'".
ثم دعا القادة إلى
استخدام اختصار "S.I." للإشارة إلى "Super Intelligence"،
معتبرًا أن استجابتهم لهذا الطلب ستكون اختبارًا لنفوذه على الساحة الدولية.
وقال ترامب في ختام
هذا الجزء من حديثه: "لنرَ ما إذا كنت أتمتع بأي سلطة، ربما أملكها وربما لا وسنعرف
ذلك قريبًا جدًا".