التقى رئيس النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي،
في أقل من أسبوعين 6 من قادة وزعماء دول العالم، ما يشير إلى مكانة مصر الدولية، التي
أكدها قول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمام الصحفيين، وخلال لقائه بالسيسي، بالعاصمة
الهندية نيودلهي، السبت، إن "
روسيا تضع الموقف المصري في الحسبان دائما".
ولأن اللقاءات الستة جاءت في توقيت يشهد فيه
إقليم الشرق الأوسط صراعات شديدة الخطورة منذ حرب الإبادة على قطاع غزة
(2023-2025)، والحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران منذ 28 شباط/فبراير
الماضي، وتعرض البلد العربي الأفريقي لأشد أزماته الإقليمية والاقتصادية والسياسية،
يثار التساؤل حول إمكانية تغيير تلك اللقاءات من "المشهد المصري شديد السوء"،
وفق وصف معارضين.
وفي الزيارة الثانية له إلى القاهرة بعد زيارة
العام 2016، استضاف السيسي، وسط اهتمام عالمي، الرئيس
الصيني شي جين بينغ، في القاهرة
1 و2 أيلول/سبتمبر الجاري، لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وتوسيع التعاون الرقمي
ومجالات الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، وتعزيز مشروعات مبادرة "الحزام والطريق"،
ونقل التكنولوجيا بمجالات الصناعة، والطاقة المتجددة، والسيارات، والقطارات الكهربائية.
اظهار أخبار متعلقة
وجميعها بحسب محللين، عناوين كبيرة، نتج عنها
توقيع 25 اتفاقية ووثيقة تعاون ومذكرة تفاهم، وتضع مصر على أولويات ثاني أكبر اقتصاد
عالمي، وتؤكد اهتمام بكين بزيادة قدرات المنطقة الصناعية الصينية بمحور قناة السويس
(تيدا)، ما يرفع أهمية الشريان المائي المصري بمبادرة "الحزام والطريق"،
في ظل تأثره بالصراعات الإقليمية.
وهي الزيارة التي مازالت أصداؤها قائمة، وتبعها
استقبال مدينة العلمين الجديدة على الساحل الشمالي الغربي، قمة ثلاثية 8 أيلول/سبتمبر
الجاري، بين السيسي، ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، ورئيس قبرص نيكوس كريستودوليدس،
لمناقشة مشروعات الربط الكهربائي، واستغلال موارد الغاز الطبيعي بشرق المتوسط، وبنية
محطتي الإسالة المصرية في إدكو ودمياط، مع ترتيب الاجتماع الثلاثي لوزراء الدفاع بالقاهرة.
لقاءات بريكس
وفي 3 لقاءات لافتة شهدتها نيودلهي خلال قمة
مجموعة "بريكس الـ18"، التجمع الاقتصادي الذي انضمت له القاهرة بداية
2024، التقى السيسي، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مباحثات مباشرة انتقلت إلى
حوار استمر لنحو 15 دقيقة بإحدى ممرات القمة.
أشار السيسي، إلى أن حجم التبادل التجاري وصل
10 مليارات دولار، فيما أكد بوتين متابعته المشروعات الروسية بمصر ومنها محطة الضبعة
النووية والمنطقة الصناعية الروسية بمحور قناة السويس، ليظل لافتا وصف بوتين مصر بأنها
"شريك موثوق وصديق مقرب جدا"، مؤكدا أن موسكو تراعي وتضع في الحسبان دائما
موقف القاهرة بقضايا المنطقة، مشيرا لضرورة التنسيق لتأمين الممرات المائية وحركة التجارة
الدولية، خاصة مع تحديات قناة السويس.
كما التقى السيسي، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا
مودي، حيث بحثا أمورا اقتصادية، منها تعزيز الشراكة الاستراتيجية ورفع التبادل التجاري
إلى 12 مليار دولار، وزيادة الاستثمارات الهندية بمصر في مجالات صناعة السيارات، والطاقة
الجديدة والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات.
وفي ظل الصراع المحتدم في الشرق الأوسط إثر الحرب
"الأمريكية- الإسرائيلية" على إيران، والتي طالت دول الخليج العربي، وبعد
يوم من سيطرة قوات "أنصار الله الحوثي" اليمنية المدعومة من طهران على مضيق
باب المندب بما يهدد حركة الملاحة في قناة السويس، التقى السيسي، الرئيس الإيراني مسعود
بزشكيان، في نيودلهي خلال قمة بريكس، حيث شدد السيسي، على موقف مصر الداعي لاستعادة
الاستقرار والأمن بالمنطقة، ووقف التصعيد العسكري والتسوية السلمية، ووقف الاعتداءات
على الدول العربية.
برغم إطراء بوتين، وحجم حفاوة مودي، وأهمية لقاء
بزشكيان، إلا أن غياب السيسي عن الصورة البروتوكولية النهائية لقمة بريكس أثار استغراب
كثيرين، فيما وجه البعض له انتقادات لخفض رأسه ونظره إلى الأرض واحمرار وجهه والتعرق
والتوتر والقلق، خلال لقاء الرئيس الروسي.
وأثار مصريون السؤال حول أهمية ذلك الحضور، والاهتمام
الدولي، ولقاءات السيسي المتكررة بقادة العالم، وإمكانية تغييرها من المشهد الإقليمي،
والاقتصادي، والسياسي، من عدمه، متخوفين أن تكون لقاءات بروتوكولية ودعائية مردودها
غير كاف لتغيير الواقع المصري.
هذه مقاييس النجاح
وفي رؤيته، قال الخبير المصري في الاستراتيجية
وإدارة الأزمات، الدكتور مراد علي: "بدايةً، لا ينبغي التقليل من أهمية لقاء عدد
كبير من قادة الدول المؤثرة في العالم؛ فمصر، بحكم موقعها وتاريخها ووزنها السكاني
والعسكري والجغرافي، دولة محورية، ومن الطبيعي أن يسعى الجميع إلى التواصل معها، كما
أن اللقاءات مع الصين وروسيا والهند وإيران، والمشاركة بقمة بريكس، يمكن أن تفتح أبوابًا
حقيقية للتجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا وتنويع العلاقات الاقتصادية بعيدًا عن
الارتهان لمركز دولي واحد".
علي، وفي حديثه لـ"عربي21"، استدرك:
"لكن في السياسة لا نقيس النجاح بعدد اللقاءات ولا بعدد الصور والمصافحات، وإنما
بما يتغير بعدها على الأرض"، ويلفت إلى أنه "من هذه الزاوية، لا أرى حتى
الآن دلائل كافية على حدوث تحول استراتيجي حقيقي في السياسة المصرية".
في تقديره: "المشكلة الأساسية، أن السياسة
الخارجية المصرية منذ سنوات طويلة تحاول إمساك العصا من المنتصف في ملفات تحتاج أحيانًا
إلى وضوح أكبر وحسم أكبر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي المباشر لمصر".
وأضاف: "خذ مثلا السودان؛ فمصر تؤكد بحق
أن وحدة السودان وسيادته وأمنه تمثل قضية أمن قومي مصري، وقد كرر الرئيس السيسي هذا
المعنى بوضوح؛ لكن في الوقت نفسه تستمر الإدارة المصرية في علاقات وتحالفات وثيقة مع
الدولة العربية التي تقوم بدعم وإمداد قوات الدعم السريع وحمدان دقلو (حميدتي).
وتابع: "هنا تظهر المفارقة: فلا يكفي إعلان أن السودان خط أحمر؛ المطلوب
أن تنعكس هذه الأولوية في شبكة التحالفات والضغوط والتحركات الدبلوماسية المصرية، بحسب
توضيح الخبير المصري.
وأكد أن "الأمر نفسه ينطبق، بصورة أوضح،
على ملف مياه النيل؛ فمنذ أكثر من 10 سنوات نسمع التأكيدات المصرية المتكررة عن خطورة
المساس بالأمن المائي وضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، وحتى في
كانون الثاني/يناير الماضي، عادت الرئاسة المصرية لتؤكد أن النيل يمثل شريان الحياة
للمصريين".
امتلاك الاستراتيجية
"لكن السؤال الذي يهم المواطن في النهاية هو:
ماذا حققت سنوات المفاوضات والتصريحات على الأرض؟، إثيوبيا مضت في مشروعها، بينما ظلت
الأدوات المصرية المستخدمة في مواجهته في معظمها دبلوماسية وتفاوضية"، وهذا يطرح
سؤالًا اعتبره علي، "مشروعًا" حول "الفارق بين إعلان الخطوط الحمراء
وبين امتلاك استراتيجية قادرة على حماية هذه الخطوط".
وواصل: "يبدو التخبط جلياً في ملف تحالفات
شرق المتوسط، فاليونان وقبرص ترتبطان بشراكة استراتيجية وأمنية وعسكرية مع إسرائيل،
وقد وقعت الدول الثلاث برامج للتعاون العسكري لعام 2026، فضلًا عن التعاون في الطاقة
والأمن في شرق المتوسط، وبالتالي فإن الإصرار المصري على إعطاء التحالف معهما على حساب
تركيا يستحق المراجعة، لا سيما بعد التحولات الإقليمية الأخيرة".
ولفت إلى أنه "في المقابل نشهد نشوء إطار
استراتيجي جديد بين السعودية وتركيا وباكستان عبر اتفاق مكة للدفاع المشترك، وهنا يصبح
السؤال الاستراتيجي لمصر: هل تكتفي بمراقبة تشكل هذه البنية الإقليمية الجديدة، أم
تسعى إلى الاقتراب منها والمشاركة في بناء منظومة أمن إقليمي تضم القوى العربية والإسلامية
الكبرى؟".
تثمر في تلك الحالة
واقتصاديًا، يرى علي، أن "اللقاءات الكبرى
لا تستطيع وحدها حل الأزمة المصرية؛ وصندوق النقد نفسه لا يزال يشير إلى أن تقليص دور
الدولة وإفساح المجال أمام القطاع الخاص وبرنامج التخارج يسير بوتيرة أبطأ من المطلوب،
ولذلك فإن لقاء رئيس الصين أو روسيا أو الهند لن يغير حياة المواطن ما لم يتحول إلى
استثمارات إنتاجية، وصادرات ومصانع وفرص عمل وتكنولوجيا، وما لم يصاحبه إصلاح اقتصادي
داخلي يعالج أصل الاختلالات، لا مجرد توفير تدفقات مالية مؤقتة".
و خلص للقول: "هذه اللقاءات مهمة، لكنها
ليست في حد ذاتها سياسة؛ فالسياسة هي أن تعرف الدولة ماذا تريد، ومن هم شركاؤها الاستراتيجيون،
وما خطوطها الحمراء، ثم تستخدم أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية لحماية هذه
المصالح؛ ومصر اليوم، في تقديري، لا تحتاج إلى مزيد من سياسة إمساك العصا من المنتصف
بقدر ما تحتاج إلى بوصلة استراتيجية واضحة".
وبين أننا "أمام إعادة تشكيل حقيقية للشرق
الأوسط، والتحالفات القديمة تتغير، ومحاور جديدة تتشكل، وموازين القوى يعاد بناؤها؛
وفي مثل هذه اللحظات، أخطر شيء على دولة بحجم مصر ليس أن تختلف مع هذا الطرف أو ذاك،
وإنما أن تتأخر في تحديد موقعها بينما الآخرون يحددون مواقعهم".
ودعا الإدارة المصرية إلى أن "تدرك أن وزن
مصر الحقيقي لا يصنعه عدد الزعماء الذين يلتقون رئيسها، وإنما قدرتها على تحويل هذا
الوزن التاريخي والجغرافي إلى قرار مستقل، وتحالفات واضحة، واقتصاد قوي، وسياسة خارجية
تعرف بدقة: أين تقف مصر؟ ومع من؟ وما المصالح التي لا تقبل المساومة عليها؟".
ليست بروتوكولية
هذه اللقاءات المتتابعة في توقيت قصير في تقدير
السياسي المصري، إسلام لطفي، "تتجاوز موضوع اللقاءات البروتوكولية، ولكنها في
الوقت نفسه لن تُحدث فارقا جوهريا في الأزمة الاقتصادية المصرية، وقد تساهم في تسكين
الأوضاع ولكنها لن تغير الوضع".
لطفي، وفي حديثه لـ"عربي21"، تساءل:
"لماذا أقول إنها ليست لقاءات بروتوكولية؟؛ لأن هناك أشياء حقيقية موجودة على
الأرض، مثل التعاون النووي في محطة الضبعة مع روسيا، واستجلاب السياحة الروسية عن طريق
السماح للشركات بالنزول في مطار العلمين، ومحاولة رفع الشراكة التجارية مع الهند من
6.5 إلى 12 مليار دولار سنويا، فبالتأكيد هذا سيكون له مردودا".
اظهار أخبار متعلقة
المعارض المصري من الخارج، أوضح أن "هناك
تشابكات صعبة بالطبع في الإقليم، وهناك تناقضات جوهرية أن مصر ترفع التجارة مع الهند
الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، بينما تل أبيب حاليا في عداء مع ليس فقط العالم العربي
ولكن مع معظم دول العالم، وبالتالي هذه الخطوة تحتاج لفهمها في سياق أن النظام المصري
يتعامل ببراغماتية شديدة بغض النظر عن اعتبارات الأمن القومي المصري، أو أنه يرى أن
الأزمة الاقتصادية حاليا أولى بالحل من هذه الاعتبارات".
بالنسبة لروسيا قال إن "مصر تسعى لأن تجعل
دول الخليج دائما وأبدا حليف وداعم اقتصادي لها، ولكن روسيا في الواقع هي خير حليف
لإيران وبينهما اتفاقيات عديدة على كافة المستويات، بالتالي فالمشهد غريب أن مصر توثق
التعاون مع روسيا التي تدعم إيران التي تهدد دول الخليج التي تسعى مصر لطلب ودها، بينما
يطمح الخليجيون أن تساعدهم القاهرة في تقليل حدة الهجوم الإيراني عليهم".
انتهاء القطب الواحد
وأضاف: "نخرج من ذلك المشهد، بالسؤال التالي:
هل تلك التحركات المصرية مجرد تحركات ارتجالية؟، في تقديري لا أرى أنها تحركات ارتجالية،
بل إنها تقول إن مصر لديها وعي أكثر رسوخا بأن عصر القطب الواحد انتهى إلى غير رجعة،
وأن هناك أقطاب جديدة تظهر في المشهد العالمي، وهذا الأمر يتأكد ويترسخ والقاهرة تحاول
أن تمد علاقات مع كل تلك الأقطاب وأن تخرج من الدوران في فلك أمريكا وفقط".
لطفي، عاود ليتساءل: "هل هذا أمر جيد؟"،
مجيبا: "نعم شيء جيد نسبيا، ولكن الأحسن والأسلم أن تكون مصر أحد هذه الأقطاب،
ولكن؛ هل هذا متاح في ظل القيادة السياسية والأداء الاقتصادي المصري الحالي؟،
بالطبع لا، ولكن الخروج من فلك الأمريكان وفقط هو أمر جيد بكل تأكيد على مساحة زيادة
الفرص الاقتصادية، ومساحة تعزيز تسليح الجيش المصري، وعلى مساحة بناء تحالفات وجدران
حماية متعددة يمكن أن تحتمي بها مصر".