هل آن الأوان لمواجهة حقيقة منظمة التحرير الفلسطينية؟

إبراهيم حمامي
إذا كانت المنظمة لم تعد تمثل الفلسطينيين جميعاً، فعلينا أن نقول ذلك. وإذا كانت مؤسساتها لم تعد قادرة على إنتاج تمثيل حقيقي، فعلينا أن نقول ذلك. وإذا كانت الانتخابات لا تعالج أزمة الشرعية وإنما تعيد إنتاجها، فعلينا أن نقول ذلك أيضاً.. الأناضول
إذا كانت المنظمة لم تعد تمثل الفلسطينيين جميعاً، فعلينا أن نقول ذلك. وإذا كانت مؤسساتها لم تعد قادرة على إنتاج تمثيل حقيقي، فعلينا أن نقول ذلك. وإذا كانت الانتخابات لا تعالج أزمة الشرعية وإنما تعيد إنتاجها، فعلينا أن نقول ذلك أيضاً.. الأناضول
شارك الخبر
الإعلان عن إجراءات جديدة تتعلق بانتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني لا يبدو، في جوهره، محاولة جدية للخروج من الأزمة السياسية الفلسطينية بقدر ما يبدو محاولة جديدة لإعادة إنتاج الشرعية من داخل الإطار نفسه الذي فقد شرعيته التمثيلية منذ سنوات.

المشكلة ليست في الانتخابات بحد ذاتها. ولا في الحاجة إلى تجديد المؤسسات الفلسطينية. بل في السؤال الذي يسبق كل ذلك: من الذي يملك حق تحديد شكل هذه المؤسسات، وقواعد انتخابها، وحدود المشاركة فيها، ومن ثم تحديد من يحق له أن يمثل الفلسطينيين؟

فحين تأتي الإجراءات الانتخابية من داخل بنية سياسية محتكرة أصلاً، يصبح الحديث عن انتخابات جديدة أشبه بمحاولة منح شرعية جديدة لبنية قائمة، لا بإعادة بناء التمثيل الفلسطيني على أسس حقيقية.

محاولة التفاف أكثر منها إعادة بناء

يمكن النظر إلى الدعوة إلى انتخابات تشريعية ومجلس وطني باعتبارها خطوة تبدو، في ظاهرها، ديمقراطية ومغرية: انتخابات، تجديد للمؤسسات، مشاركة سياسية، وإعادة تفعيل للمجلس الوطني.

لكن الشكل لا يكفي. فالانتخابات لا تصبح ديمقراطية لمجرد وضع صناديق اقتراع، ولا تصبح مؤسسات التمثيل شرعية لمجرد إعادة انتخاب بعض أعضائها. الشرعية السياسية لا تُستمد من الإجراءات وحدها، وإنما من مدى قدرة المؤسسة على تمثيل الشعب الذي تتحدث باسمه، ومدى استقلالها عن الجهة التي تتحكم في قواعد اللعبة ومخرجاتها.

المشكلة ليست في الانتخابات بحد ذاتها. ولا في الحاجة إلى تجديد المؤسسات الفلسطينية. بل في السؤال الذي يسبق كل ذلك: من الذي يملك حق تحديد شكل هذه المؤسسات، وقواعد انتخابها، وحدود المشاركة فيها، ومن ثم تحديد من يحق له أن يمثل الفلسطينيين؟
وهنا تكمن المفارقة. يُراد إعادة ترتيب المؤسسات الفلسطينية، لكن من دون إعادة النظر الجدية في البنية التي جعلت هذه المؤسسات عاجزة عن تمثيل الفلسطينيين جميعاً.

وبذلك قد تتحول الانتخابات من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى وسيلة لإدارتها، ومن أداة لإعادة بناء الشرعية إلى أداة لمنح شرعية إجرائية لبنية سياسية فقدت جزءاً كبيراً من شرعيتها الشعبية والسياسية.

وماذا عن الفلسطينيين خارج فلسطين؟

في المقابل، تتحرك قوى فلسطينية عديدة تشعر بأنها مستبعدة من هذا المسار. تجتمع، وتتشاور، وتطرح مبادرات، وتبحث عن صيغ بديلة، وتطالب بتمثيل فلسطيني أكثر شمولاً. وهذا كله مهم. لكن المشكلة أن كثيراً من هذه التحركات لا تزال تتجنب السؤال الأكثر صعوبة.

السؤال ليس فقط: كيف نشارك؟ وليس فقط: كيف نعيد تشكيل المجلس الوطني؟ ولا حتى: كيف نضمن تمثيل فلسطينيي الشتات؟ السؤال الذي ينبغي أن يقال بوضوح هو: هل ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية، بصيغتها الحالية وبنيتها السياسية القائمة، إطاراً صالحاً لتمثيل الشعب الفلسطيني أصلاً؟

هذه هي النقطة التي يجري الالتفاف حولها باستمرار. نتحدث عن إصلاح منظمة التحرير، وتفعيلها، وإعادة بناء مؤسساتها، وتوسيع عضويتها، وانتخاب المجلس الوطني، وإعادة توزيع المقاعد، وإدخال قوى جديدة إليها. لكننا نادراً ما نتوقف أمام احتمال أكثر جذرية:

ربما لم تعد المشكلة في أن المنظمة تحتاج إلى إصلاح، بل في أن المنظمة بصيغتها التي عرفناها انتهت سياسياً، ولم تعد قابلة للإصلاح بالمعنى التقليدي للكلمة.

منظمة التحرير.. المؤسسة أم من يتحكم بالمؤسسة؟

لا يتعلق الأمر هنا بإنكار التاريخ. منظمة التحرير الفلسطينية كانت في مرحلة تاريخية الإطار الجامع للحركة الوطنية الفلسطينية، واكتسبت مكانة سياسية ووطنية لا يمكن تجاهلها. لكن التاريخ لا يمنح المؤسسات حصانة أبدية. المؤسسة التي كانت تمثل شعباً في مرحلة معينة يمكن أن تفقد قدرتها على التمثيل في مرحلة أخرى. والمشكلة ليست في الاعتراف بهذا التحول، بل في رفض الاعتراف به.

اليوم، لم تعد المنظمة تعمل بوصفها إطاراً وطنياً مستقلاً يستطيع أن يستوعب مختلف القوى الفلسطينية ويعبّر عن إرادتها. بل أصبحت، في الممارسة السياسية، مرتبطة بمن يتحكم في قرارها ومؤسساتها ومفاتيحها.

وعندما تتحول المؤسسة التي يفترض أن تكون مساحة للتعدد الفلسطيني إلى أداة لإدارة التعدد، يصبح السؤال مشروعاً:

هل ما زلنا أمام منظمة تمثل الفلسطينيين، أم أمام منظومة سياسية تستخدم اسم المنظمة لتمثيل من يسيطر عليها؟ وهنا يصبح الحديث عن "إصلاح المنظمة" مضللاً إذا كان المقصود مجرد إعادة توزيع المقاعد والأسماء داخل البنية نفسها. لأن المشكلة ليست في عدد المقاعد. المشكلة في من يضع قواعد اللعبة، ومن يقرر من يدخل إليها، ومن يملك حق استبعاد من يعارضه.

التعيين والتزيين لا يصنعان تمثيلاً وطنياً، بل يصنعان مظهراً لتمثيل وشرعيةً وهمية

ولعل أكثر ما يكشف مأزق هذه العملية هو التعامل مع الفلسطينيين خارج فلسطين. فإذا كان الحديث جدياً عن إعادة بناء مجلس وطني يمثل الشعب الفلسطيني، فإن السؤال البديهي هو: لماذا لا يُنتخب الفلسطينيون في أماكن وجودهم حيثما أمكن ذلك؟

الفلسطينيون في الشتات ليسوا هامشاً في القضية الفلسطينية، ولا جالية يمكن تمثيلها بعدد من المقاعد المخصصة لها. هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، وملايين الفلسطينيين يعيشون خارج حدود فلسطين التاريخية.

وبالتالي فإن اختزال تمثيلهم في "كوتا" أو مقاعد يجري الاتفاق على شاغليها، بدلاً من تمكينهم من اختيار ممثليهم، يضرب جوهر فكرة المجلس الوطني من أساسها.

هنا تحديداً تظهر المفارقة. عندما يكون الانتخاب الحقيقي في الخارج هو الخيار الذي يمكن أن يمنح فلسطينيي الشتات صوتاً مستقلاً، ثم يجري اللجوء بدلاً من ذلك إلى التعيين، والمحاصصة، والكوتا، وترتيبات التوافق بين القوى، فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف على آلية انتخابية. إنها تصبح سؤالاً عن طبيعة المؤسسة نفسها. فالانتخابات تعني أن الناخب هو الذي يختار ممثله. أما الكوتا والتعيين والتوافقات المغلقة فتعني أن القوى السياسية هي التي تختار مسبقاً من سيجلس باسم الناس. والفرق بين الاثنين ليس تفصيلاً إجرائياً. إنه الفرق بين التمثيل وبين ادعاء التمثيل.

قد يكون من الصعب تنظيم انتخابات فلسطينية في كل دول العالم، وقد تكون هناك عوائق قانونية ولوجستية وسياسية حقيقية. لكن صعوبة الانتخاب لا تبرر إسقاط مبدأه، ولا تجعل التعيين بديلاً دائماً عنه.

يمكن البحث عن آليات مرحلية، وعن انتخابات حيثما أمكن، وعن تسجيل الناخبين إلكترونياً، وعن صيغ انتخابية تراعي ظروف الشتات. ويمكن معالجة الصعوبات التقنية والقانونية واحدة تلو الأخرى.

أما القفز مباشرة إلى الكوتا والتعيين والتوافقات السياسية، ثم تقديم النتيجة باعتبارها إعادة بناء للتمثيل الوطني، فهو شيء مختلف تماماً. إنه تزيين للشرعية، لا إنتاج لها.

لا يتعلق الأمر هنا بإنكار التاريخ. منظمة التحرير الفلسطينية كانت في مرحلة تاريخية الإطار الجامع للحركة الوطنية الفلسطينية، واكتسبت مكانة سياسية ووطنية لا يمكن تجاهلها. لكن التاريخ لا يمنح المؤسسات حصانة أبدية. المؤسسة التي كانت تمثل شعباً في مرحلة معينة يمكن أن تفقد قدرتها على التمثيل في مرحلة أخرى. والمشكلة ليست في الاعتراف بهذا التحول، بل في رفض الاعتراف به.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه الآليات تسمح بإدخال بعض القوى والشخصيات المعارضة إلى المؤسسة، ولكن بعد تحديد حجم حضورها وطبيعة تأثيرها مسبقاً. وبذلك يمكن أن تبدو المؤسسة أكثر تنوعاً، من دون أن تصبح بالضرورة أكثر تمثيلاً.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: إذا كان بالإمكان اختيار أعضاء المجلس الوطني من دون أن يختارهم الشعب، فما الذي بقي من فكرة "المجلس الوطني" سوى الاسم؟

ولذلك فإن رفض الانتخابات الحقيقية للفلسطينيين في الخارج، واستبدالها بالتعيين والكوتا والتوافقات، لا يمثل مجرد عيب في تصميم العملية الانتخابية؛ بل ينسف الأمل في أن تكون هذه العملية مدخلاً إلى تمثيل فلسطيني حقيقي.

لأن المؤسسة التي تبدأ بإدارة أصوات الناس بدلاً من تمكين الناس من اختيار ممثليهم، لا تستطيع أن تدّعي أنها أعادت بناء الشرعية.

قد تكون قد أعادت ترتيب المقاعد. وقد تكون وسّعت دائرة المشاركة. وقد تكون أضافت وجوهاً جديدة. لكنها لم تُعد بناء التمثيل. والفرق بين الاثنين هو كل القضي، تصميم أصوات المعارضين بدلاً من تمثيلهم.

ربما تكون أخطر مظاهر الأزمة هي أن المؤسسة التي يفترض أن تمثل التعدد الفلسطيني يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة هندسة هذا التعدد. أي أن المطلوب ليس بالضرورة إسكات الأصوات المعارضة بصورة مباشرة، وإنما إدخالها في ترتيبات تجعلها موجودة شكلاً، ومحدودة التأثير فعلاً.

وهنا يصبح الحديث عن المشاركة السياسية خادعاً. فليس كل حضور مشاركة، وليس كل مقعد تمثيلاً، وليس كل انتخابات تغييراً. قد تكون النتيجة ببساطة أن يجري تصميم مساحة للمعارضة داخل مؤسسة تظل فيها مفاتيح القرار في يد الجهة نفسها. وهذا أخطر من الإقصاء المباشر أحياناً، لأنه يمنح الإقصاء غطاءً ديمقراطياً.

المشكلة أن الجميع يعرف

ربما تكون أكثر الحقائق إيلاماً أن معظم القوى الفلسطينية تعرف هذه الحقيقة، أو على الأقل تشعر بها. تعرف أن الأزمة أعمق من انتخابات، وتعرف أن إعادة تشكيل المجلس الوطني وحدها لن تحل أزمة التمثيل، وتعرف أن فلسطينيي الشتات لا يمكن أن يصبحوا ممثلين حقيقيين بمجرد إضافة بعض المقاعد، وتعرف أن الصراع الحقيقي يتعلق بمن يملك القرار الفلسطيني، وكيف يُنتخب، وكيف يُحاسب، ومن يستطيع تغييره. ومع ذلك، يستمر الجميع في الدوران حول المسألة، اجتماع هنا، مبادرة هناك،÷ بيان جديد، لجنة جديدة، اقتراح لإصلاح المنظمة، حديث عن انتخابات، حديث عن وحدة وطنية، ثم يعود الجميع إلى النقطة نفسها.

وهكذا تتحول الاجتماعات من وسيلة للوصول إلى حل إلى وسيلة لتأجيل مواجهة السؤال الحقيقي، إذا لم نواجه الحقيقة، فكل الاجتماعات مضيعة للوق.. لا يمكن بناء نظام تمثيلي فلسطيني جديد من دون الاعتراف أولاً بأن النظام القديم لم يعد صالحاً. ولا يمكن إعادة بناء منظمة التحرير من دون تحديد ما إذا كانت المنظمة نفسها ما زالت قابلة لإعادة البناء. ولا يمكن الحديث عن انتخابات وطنية من دون الاتفاق أولاً على معنى "الوطنية": هل هي انتخابات لمن يعيشون تحت سلطة معينة، أم انتخابات لشعب فلسطيني موزع بين الوطن والشتات واللجوء؟

قد يكون الاعتراف بأن منظمة التحرير بصيغتها الحالية انتهت أمراً مؤلماً. وقد يكون الاعتراف بأن مشروع إصلاحها لم يعد كافياً أكثر إيلاماً. وقد يثير الحديث عن إنشاء إطار فلسطيني جديد مخاوف حقيقية من الانقسام والتنافس والفوضى. لكن الخوف من مواجهة الحقيقة لا يجعل الحقيقة أقل حقيقة. بل ربما يكون أخطر ما يمكن فعله هو الاستمرار في استخدام الكلمات القديمة لتغطية واقع جديد.
وإذا كان الفلسطينيون خارج فلسطين جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني، فلا يمكن أن تكون مشاركتهم مجرد تفصيل تقني في انتخابات يجري تحديد قواعدها مسبقاً من داخل السلطة القائمة.. المطلوب ليس إضافة بعض الأصوات إلى البنية القديمة.. المطلوب إعادة تعريف من يمثل الفلسطينيين، ومن أين يستمد شرعيته، وكيف يمكن للفلسطينيين أنفسهم أن يسحبوا هذه الشرعية عندما تفقد المؤسسة قدرتها على تمثيلهم.

المواجهة أفضل من الوهم

قد يكون الاعتراف بأن منظمة التحرير بصيغتها الحالية انتهت أمراً مؤلماً. وقد يكون الاعتراف بأن مشروع إصلاحها لم يعد كافياً أكثر إيلاماً. وقد يثير الحديث عن إنشاء إطار فلسطيني جديد مخاوف حقيقية من الانقسام والتنافس والفوضى. لكن الخوف من مواجهة الحقيقة لا يجعل الحقيقة أقل حقيقة. بل ربما يكون أخطر ما يمكن فعله هو الاستمرار في استخدام الكلمات القديمة لتغطية واقع جديد.

إذا كانت المنظمة لم تعد تمثل الفلسطينيين جميعاً، فعلينا أن نقول ذلك. وإذا كانت مؤسساتها لم تعد قادرة على إنتاج تمثيل حقيقي، فعلينا أن نقول ذلك. وإذا كانت الانتخابات المقترحة لا تعالج أزمة الشرعية وإنما تعيد إنتاجها، فعلينا أن نقول ذلك أيضاً.

ليس المطلوب تدمير ما تبقى، ولا القفز إلى المجهول من دون بديل. المطلوب أولاً التوقف عن التظاهر بأن كل شيء قابل للإصلاح داخل الإطار نفسه. فقد يكون الاعتراف بأننا تأخرنا عشرات السنين في مواجهة هذه الحقيقة أقل كلفة بكثير من الاستمرار في إضاعة سنوات أخرى في اجتماعات تعرف أطرافها، قبل أن تجلس حول الطاولة، أن السؤال الحقيقي لن يُطرح.

لقد تأخرنا كثيراً، لكن التأخر في مواجهة الحقيقة أفضل من الهروب منها، والاعتراف بانتهاء مرحلة ليس خيانة لتاريخها؛ بل قد يكون الشرط الأول لبداية مرحلة جديدة. أما الاستمرار في الدوران حول الحقيقة خوفاً من نتائج مواجهتها، فلن ينتج إلا شيئاً واحداً: مزيداً من الاجتماعات، ومزيداً من البيانات، ومزيداً من المؤسسات التي تحمل أسماء كبيرة وتمثل شعباً صغيراً داخلها، بينما يبقى الشعب الفلسطيني نفسه خارج دائرة القرار.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)