زعم معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي "IMPACT-se" أن المناهج المدرسة الأردنية لا تزال قاصرة عن تلبية معايير السلام والتسامح، لا سيما فيما يتعلق باليهود.
وفي
تقريره الأخير لعام 2025-2026، خلص المركز، الذي يملك مقرا في تل أبيب، وآخر في "الجامعة العبرية في القدس" إلى أن بعض الكتب المدرسية خضعت لتعديلات شاملة، وأُجريت تعديلات طفيفة على كتب أخرى، لكن على الرغم من أن الكتب المدرسية الأردنية تبدو وكأنها لا تزال تروج للمبادئ العامة للسلام والتسامح والاعتدال الديني والمساواة، إلا أن هذه القيم لا تُطبق بشكل متسق على جميع المجموعات والسياقات، بحسب تعبيره.
وتواصلت "عربي21" مع وزارة التربية والتعليم الأردنية، للحصول على تعليق بشأن التقرير، لكنها لم تتلق ردا حتى وقت نشر التقرير، على أن ينشر حال وصوله.
وزعم التقرير أنه على وجه الخصوص، "يُستبعد اليهود وإسرائيل بشكل متكرر من هذه الأطر، حيث يُستهدف كلاهما برسائل كراهية دون تقديم أي تمثيل لوجهات نظرهم".
وأشار إلى أنه على الرغم من إدخال كتب مدرسية جديدة، بالإضافة إلى خضوع بعض الكتب للمراجعة، إلا أن هذه التغييرات لم تُسفر عن تحول جوهري في نهج المناهج الدراسية تجاه السلام والتسامح، بحسب التقرير.
وقال التقرير إن محتوى المناهج المدرسية في الأردن، يروج للصور النمطية المعادية للسامية المتعلقة باليهود، والادعاءات التشهيرية ضد إسرائيل، والتركيز على الاستشهاد في سياق الصراع.
ويقول التقرير إن هنالك نقصا ملحوظا في الجهود المبذولة لتطبيق مبادئ التسامح على علاقة الأردن المعقدة بـ"إسرائيل".
المناهج قرار وطني
من جانبه، قال النائب الأول لرئيس مجلس النواب، خميس عطية، إن الأردن ليس بحاجة إلى شهادة من أحد في موضوع السلام ؛ فالمملكة قامت على الاعتدال، واحترام الحوار، ونبذ التطرف، وتؤكد مناهجنا ومؤسساتنا التعليمية قيم التسامح، أما أن تتحول مقاومة
الاحتلال ورفض الظلم والدفاع عن الحقوق
الفلسطينية إلى تهمة بـ"العنف"، فهذا قلب للحقائق ومحاولة مكشوفة لتبرئة الاحتلال من مسؤولياته.
وتابع في حديث مع "عربي21" بأن "الوطنية ليست عنفاً، والتمسك بالهوية والحق في الأرض ليس تحريضاً، ورفض الاحتلال ليس كراهية".
ولفت إلى أنه إذا كانت هناك جهة ينبغي أن تراجع خطابها تجاه السلام، فهي الجهة التي ما تزال تمارس الاحتلال والاستيطان والتهجير والقتل، ثم تطلب من الآخرين أن ينسوا كل ذلك حين يتحدثون عن المناهج.
وحول السلام والتعايش، أكد عطية أن "السلام لا يكون انتقائياً، ولا يمكن لدولة الاحتلال أن تضع نفسها في موقع الواعظ في السلام، فيما يعيش الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وتستمر سياسات القتل والتهجير والاستيطان وانتهاك الحقوق".
اظهار أخبار متعلقة
وتابع: "من يريد أن يحاضرنا في السلام، فليبدأ أولاً بإنهاء الاحتلال؛ لأن السلام الذي يُطلب من الضحية وحدها ليس سلاماً، وإنما محاولة لإدارة الاحتلال بلغة ناعمة".
وأكد أن "السلام الحقيقي لا يعني مطالبة الضحية بأن تنسى حقوقها، ولا يعني مساواة المحتل بالشعب الواقع تحت الاحتلال".
ولفت إلى أن الطريق إلى السلام يبدأ بإنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس.
وشدد على أنه "لا يمكن أن نطلب من جيل فلسطيني أو عربي أن يتخلى عن ذاكرته وحقوقه، ثم نصف تمسكه بقضيته بأنه تحريض، بينما يُترك الاحتلال خارج دائرة المساءلة".
وحول الضغوط على الأردن لتعديل المناهج، أكد النائب الأول لرئيس
البرلمان الأردني، أن القرار بشأن المناهج قرار أردني وطني وسيبقى كذلك، تحدده المصلحة التعليمية والتربوية الأردنية، وليس التقارير السياسية المنحازة ولا ضغوط الاحتلال ولا الرغبة في إعادة صياغة ذاكرة أجيالنا بما يتوافق مع رواية القوة القائمة بالاحتلال.
اظهار أخبار متعلقة
وشدد "لن نسمح بأن تتحول المناهج الأردنية إلى ساحة لفرض الرواية الإسرائيلية أو إلى أداة لمحو الوعي العربي بالقضية الفلسطينية".
وختم بأن الأردن يعلم أبناءه الحقيقة؛ وسيبقى داعما للقضية الفلسطينية، ومدافعا عن القدس والمقدسات، والسلام العادل الذي ينهي الاحتلال ويضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة. وأنه "لن نسمح للاحتلال بأن يكتب لأبنائنا ما يجب أن يتعلموه عن فلسطين، ولن نقبل أن تتحول جرائم الاحتلال إلى مبرر لاتهام المناهج الأردنية أو تشويه الوعي الوطني".
تمجيد الجهاد
وحول الجهاد والاستشهاد، زعم التقرير أن الكتب المدرسية في الأردن تناقش الجهاد على اعتبار أنه مفهوم أساسي في الإسلام، وتسود تفسيرات عنيفة في المناهج، مع تركيز كبير على الجهاد المسلح، وتوضح الكتب الجهاد بأمثلة لجنود أردنيين يقاتلون من أجل بلادهم ضد "إسرائيل".
وحول النظرة لليهود، قال المركز إنه "على النقيض تماماً من اليهودية، تُقدم المسيحية بصورة إيجابية في الكتب المدرسية".
ويتابع التقرير أنه في المناهج الدراسية الأردنية، يُقدَّم اليهود في كثير من الأحيان في سياق التاريخ الإسلامي المبكر، حيث يكون تصويرهم سلبيا بشكل واضح.
وفيما يتعلق بـ"الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي اليهودي"، يتبنى المنهج الدراسي نهجا أحادي الجانب بشكل واضح، يُظهر تضامنًا مستمرًا مع الجانب العربي الفلسطيني دون إتاحة أي مساحة لوجهات النظر الإسرائيلية اليهودية، بحسب نص التقرير.
ويتابع التقرير أنه "لا تزال الكتب المدرسية الأردنية تنكر الاعتراف بإسرائيل، في تحدٍّ صارخ لعقود من الواقع الجيوسياسي، وإجماع المجتمع الدولي، والسياسة الرسمية للمملكة الأردنية الهاشمية كما وردت في معاهدة السلام الموقعة عام 1994 مع دولة إسرائيل".

كما يتهم التقرير الكتب المدرسية باستخدام نظريات المؤامرة لتأجيج العلاقات مع إسرائيل؛ "سبعة كتب مدرسية مختلفة، بما في ذلك كتب مدرسية جديدة نُشرت لأول مرة هذا العام، تُنسب زورا مسؤولية حريق المسجد الأقصى عام 1969 إلى إسرائيل أو إلى "يهودي متطرف".
ليس الأردن وحده
من جانبها، قالت عضو لجنة التربية في البرلمان الأردني، النائب هدى العتوم، إن فلسفة تقارير المركز تقوم على رصد مجموعة من المعايير، منها معيار (اليهود وإسرائيل) بشكل مباشر او تحت مسمى معاداة السامية.
وأشارت في حديث لـ"عربي21" إلى أن دراسة المناهج جارية منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأن التقارير السابقة لم تكن بمثل هذه العلنية، بل كانت تكتب وتذهب إلى أروقة أخرى، مشيرة إلى أن المركز حلل في عام 2019 ما يزيد على 90 كتابا، وفي 2025 درس 294 كتابا دراسيا مختلفا.
وتركز التقارير على مناهج التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية (الوطنية والتاريخ والجغرافيا).
ولفتت إلى أن دراسة المناهج لا تستهدف الأردن فقط، بل معظم الدول العربية، والمركز يقوم بمراقبة كل المناهج في الدول العربية والإسلامية، وبعض الدول الأوروبية بحثا عن المحتوى الذي يتناول النظرة إلى اليهود.
وأشارت إلى أن الحكومة الأردنية قامت بطباعة الكتب الدراسية وأنتجتها بشكل جديد لكثرة المحذوفات التي تمت والتي ما زالت مطلوبة.
ولفتت إلى إبقاء بعض المواضع التي لاقت استحسانا في تقارير سابقة، مثل القصص عن إحسان النبي محمد صلى الله عليه وسلم لجاره اليهودي، وأنه نصر زوجته التي كانت يهودية، وقصة الصحابي عمر بن الخطاب الذي راعى يهوديا لكبر سنه، الأمر الذي يؤكد انتقائية السيرة في المناهج الأردنية.
وقالت العتوم إنها نسقت مع فريق كبير جدا محليا من عشرات الخبراء، والتربويين، والمختصين، والمشرفين، والمعلمين، لدراسة المناهج الأردنية، ويعلمون كيف تتناول تقارير "إمباكت" المناهج الأردنية وكيف تم تكييف المناهج حسب المطلوب في التقارير.
وأكدت أن الخطير في الأمر هو تماهي المناهج مع المطلوب من تقارير "إمباكت" كالحذف، والتعديل في المناهج.
ولفتت إلى أن دولا عربية أيضا استجابت بشكل كبير في بعض المعايير، ومتوسط أحيانا، للملاحظات في التقرير.
اظهار أخبار متعلقة
ولفتت إلى أن هنالك ميلا بأن يكون مؤلفو الكتب المدرسية، أقل عددا، بدلا من فريق من العلماء والأكاديميين، وهذا يضمن السيطرة على مجريات الكتب، بدلا من تنوع واختلاف الآراء والمحتوى.
وعلى جانب آخر من دولة الاحتلال، تتحدث التقارير بحسب العتوم عن ملفات أخرى أيضا، كالشذوذ الجنسي، وكيفية معالجته في المناهج التي تشير إلى أنه يضر بالأسرة، والنسل، ومحرم في الإسلام، وسبب للأمراض، ودعا تقرير عام 2019 إلى أن تكون المناهج أكثر احتراما وقبولا للمثلية الجنسية.
ولفتت إلى أن المؤسسة تكتب تقاريرها مستدلة بمعايير اليونسكو، لكنها في الحقيقة مؤسسة صهيونية تماما.
وختمت بأنه كلما تفاجأنا بتغييرات في الكتب، وكلما سألنا أنفسنا حول الأمر، نجد الإجابة على تساؤلاتنا في داخل هذه التقارير.
ويربط الأردن و"إسرائيل" معاهدة سلام تعرف باسم "معاهدة وادي عربة" أنهت رسميا حالة الحرب القائمة بين الطرفين منذ عام 1948، وأسست لعلاقات دبلوماسية.
وتناولت المعاهدة إنهاء حالة العداء، وتسوية الخلافات الحدودية وقضايا المياه، وأسست لتعاون في مجالات في السياحة، والتجارة، والثقافة من بين مجالات أخرى.
وتنص المادة الرابعة من الاتفاقية على "الامتناع عن تنظيم الأعمال والتهديدات العدائية أو المعادية أو ذات الطبيعة التخريبية أو العنيفة، وعن التحريض عليها، والمساهمة أو المشاركة فيها ضد الطرف الآخر".
فيما تنص المادة التاسعة على "العمل سويا لتعزيز حوار الأديان بين الأديان التوحيدية الثلاث، بهدف العمل باتجاه تفاهم ديني والتزام أخلاقي، وحرية العبادة والتسامح والسلام".