"اتفاق مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان.. تحالف دفاعي أم نواة لـ"ناتو إسلامي"؟

تكتسب الاتفاقية أهمية إضافية بالنظر إلى الوزن السياسي والعسكري والاقتصادي للدول الثلاث، فضلا عن موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعبة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.. (واس)
تكتسب الاتفاقية أهمية إضافية بالنظر إلى الوزن السياسي والعسكري والاقتصادي للدول الثلاث، فضلا عن موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعبة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.. (واس)
شارك الخبر
أثار توقيع السعودية وتركيا وباكستان "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" نقاشا واسعا حول تداعيات الخطوة على مستقبل الأمن الإقليمي، وما إذا كانت تمثل مجرد إطار للتعاون الدفاعي بين الدول الثلاث أم نواة لتحالف أوسع يمكن أن يعيد رسم معادلات القوة والردع في المنطقة.

وبينما رأى مفكرون وباحثون أن الاتفاق يعكس إدراكا متزايدا لحجم التحديات التي تواجه العالمين العربي والإسلامي، ذهب آخرون إلى أنه قد يشكل أساسا لنظام أمني إقليمي جديد إذا انضمت إليه دول أخرى، في وقت شدد فيه الدكتور علي محمد الصلابي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في تصريحات خاصة لـ"عربي21"، على أن الاتفاق يمثل "تطورا لافتا" وتعبيرا عن حاجة المنطقة إلى مزيد من التكافل والتعاون لحماية أمنها واستقرارها.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، قد وقعوا الجمعة في مكة المكرمة اتفاقية للدفاع المشترك، تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا، بما يعزز مبدأ الردع الجماعي والتعاون الدفاعي بين أنقرة والرياض وإسلام آباد.

وتكتسب الاتفاقية أهمية إضافية بالنظر إلى الوزن السياسي والعسكري والاقتصادي للدول الثلاث، فضلا عن موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعبة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وهو ما دفع مراقبين إلى التساؤل عما إذا كان الاتفاق يمثل بداية لتحول أوسع في بنية الأمن الإقليمي، خصوصا في ظل تصاعد التوترات والصراعات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

الصلابي: الاتفاق يعكس حاجة المنطقة إلى التكافل


وفي تصريحات خاصة لـ"عربي21"، قال الدكتور علي محمد الصلابي إن "اتفاق مكة يمثل تطورا لافتا وتعبيرا حقيقيا عن حاجة العالم العربي والإسلامي إلى التكافل والتعاون لحماية أمن واستقرار المنطقة".

وأضاف أن الاتفاق "يعكس إيمانا عميقا لدى قيادات الدول الثلاث ليس فقط بحجم المخاطر التي تحيط بالمنطقة وإنما أيضا بوحدتها"، معتبرا أن تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية في الملفات الأمنية والاستراتيجية يمثل استجابة لحاجة ملحة في ظل التحديات المتزايدة.

وشدد الصلابي على أن "كل عمل يوحد المسلمين بالتأكيد هو عمل مطلوب ويجب دعمه"، في إشارة إلى أهمية توسيع مجالات التعاون والتنسيق بين الدول الإسلامية، وعدم اقتصار العلاقات بينها على الجوانب السياسية أو الاقتصادية.

وفي قراءة رمزية لاختيار مكة المكرمة مكانا لتوقيع الاتفاق، قال الصلابي إن "السعودية ومكة المكرمة قبلة المسلمين وموطن نزول الوحي، تمثل رسالة سلام حقيقية لمختلف الأطراف الدولية".

وتحمل هذه الإشارة، بحسب سياق تصريحاته، دلالة تتجاوز البعد الجغرافي لتوقيع الاتفاق، إذ إن انعقاد القمة في مكة يضع الخطوة في إطار أوسع يتصل بمكانة المدينة في الوعي الإسلامي، وبفكرة التعاون بين الدول الإسلامية في مواجهة المخاطر التي تهدد أمنها واستقرارها.

الشنقيطي: نواة للتعافي والاستغناء عن المظلة الأمريكية


من جانبه، اعتبر المفكر الموريتاني محمد المختار الشنقيطي أن اتفاق مكة يمكن أن يمثل "نواة لتعافي المنطقة من الشقاق الداخلي والعدوان الخارجي"، معتبرا أن من مصلحة دول المنطقة العمل على توسيعه ليشمل دولا إسلامية وعربية أخرى.

وقال الشنقيطي في تدوينة عبر منصة "إكس" إن الاتفاق يمكن أن يسهم في "استغناء" المنطقة عن المظلة الأمريكية، وأن يوفر لها مزيدا من الحصانة في مواجهة ما وصفها بـ"المطامع الصهيونية".

ودعا إلى توسيع الاتفاق ليشمل "دول الخليج ومصر وسوريا واليمن والعراق وإيران"، وصولا إلى تشكيل حلف إسلامي عريض.

واختصر الشنقيطي رؤيته بالقول: "السفينة واحدة والمصير واحد"، في إشارة إلى ترابط المصالح الأمنية والاستراتيجية لدول المنطقة، وضرورة التعامل معها ضمن إطار جماعي بدلا من ترك كل دولة تواجه التحديات بصورة منفردة.



ويعكس هذا الطرح أحد أبرز الأسئلة التي أثارها الاتفاق منذ الإعلان عنه: هل يظل التعاون الدفاعي محصورا بين الدول الثلاث، أم يتحول إلى إطار إقليمي أوسع يمكن أن يضم دولا عربية وإسلامية أخرى؟

الشايجي: مزيج من المال والتكنولوجيا والقوة البشرية والردع النووي


بدوره، وصف الكاتب والمفكر الكويتي الدكتور عبد الله الشايجي توقيع الاتفاق بأنه "تطور ملفت ومهم"، مشيرا إلى أن نجاحه في تحقيق أهدافه يمكن أن يقود إلى إعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي عبر قوى فاعلة ومؤثرة.

وتوقف الشايجي عند رمزية توقيع الاتفاق يوم الجمعة وبجوار الكعبة المشرفة والمسجد الحرام، وكذلك عند اجتماع قادة ثلاث دول إسلامية مؤثرة، معتبرا أن هذه العناصر تحمل "رسائل واضحة" تتجاوز الجانب البروتوكولي للحدث.

وأشار إلى أن بند الدفاع الجماعي، الذي يعتبر الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعا، يمثل تحولا مهما في طبيعة العلاقة الدفاعية بين الدول الثلاث، مستحضرا في هذا السياق منطق التحالفات القائمة على قاعدة "الكل ضد واحد، والواحد ضد الكل".

وتساءل الشايجي عما إذا كان هذا التطور يمكن أن يرتقي مستقبلا إلى ما وصفه بـ"ناتو إسلامي"، خصوصا أن الاتفاق، وفق قراءته، يمتلك عناصر قوة متنوعة.

وأوضح أن التحالف يجمع بين "المال والعمق الاستراتيجي السعودي"، و"التكنولوجيا والخبرة والتنطع العسكري التركي المتطور"، إلى جانب "القوة البشرية والردع الاستراتيجي والسلاح النووي الباكستاني".

ويرى الشايجي أن اجتماع هذه العناصر قد يمنح الاتفاق قدرة على التحول إلى "نواة وهيكل لمحور ردع إقليمي"، في مواجهة القوى التي تسعى إلى فرض الهيمنة في المنطقة.

وفي هذا السياق، أشار إلى إسرائيل والحرس الثوري الإيراني، إلى جانب أي طرف آخر يمكن أن يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، مع التأكيد على أن الدول الثلاث أعلنت أن الاتفاق ليس موجها ضد أي طرف، ولا يمثل توجها لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي أو مذهبي.

لكن الشايجي طرح سؤالا آخر يتعلق بكيفية قراءة الأطراف الأخرى للاتفاق، قائلا إن الأهم هو معرفة "كيف يقرأ الآخرون ومن يعتقدون أن التحالف موجه ضدهم؟"، وما إذا كان الاتفاق سيتمكن بالفعل من تحقيق أحد أهداف التحالفات الدفاعية الأساسية، أي ردع الأطراف التي قد تفكر في شن اعتداءات.



لقاء مكي: أول ملامح رد إقليمي على إسرائيل وإيران


من جهته، وصف الدكتور لقاء مكي، الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات، "اتفاق مكة" بأنه "أول ملامح الرد الجاد" على محاولات كل من إسرائيل وإيران الهيمنة على الشرق الأوسط.

وقال إن الاتفاق يمكن أن يشكل أساسا لنظام أمن إقليمي يضع مختلف الأطراف "ضمن حدودهم، دون تغول أو تنمر"، معتبرا أن ما جرى يمثل بداية لمسار قد يشهد انضمام دول أخرى إلى التحالف.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من كون الاتفاق لا ينظر إليه باعتباره ترتيبا ثنائيا أو ثلاثيا محدودا، وإنما باعتباره نواة يمكن البناء عليها في حال قررت دول أخرى الانضمام إلى الإطار الدفاعي.

لكن مكي شدد على أن القيمة الأساسية للتحالفات الدفاعية لا تكمن بالضرورة في الدخول الفوري في حروب أو إرسال قوات للدفاع عن أحد أطرافها، وإنما في قدرتها على خلق حالة ردع تجعل تكلفة الاعتداء على أي عضو مرتفعة إلى حد يمنع الخصوم من الإقدام عليه.

وقال إن دول اتفاق مكة قد لا تحتاج "أبدا إلى التدخل العسكري لنصرة أحد أطرافه"، لأن وجود التحالف بحد ذاته يمكن أن يكون سببا في ردع الآخرين عن الاعتداء على دوله، بل وعلى دول أخرى في الإقليم.

وأضاف أن التحالفات الدفاعية يمكن أن تكون "قوة لفرض السلام لا الحرب"، من خلال رفع تكلفة الاعتداءات الخارجية إلى مستويات لا يستطيع المعتدي تحملها.





هل يتشكل "ناتو إسلامي"؟


يفتح الاتفاق، من الناحية النظرية، الباب أمام نقاش أوسع حول إمكانية انتقال المنطقة من نمط التحالفات الأمنية الثنائية أو الترتيبات المؤقتة إلى بناء منظومة دفاع جماعي أكثر تماسكا.

غير أن تحويل الاتفاق إلى تحالف إقليمي واسع لا يرتبط فقط بوجود نص للدفاع المشترك، وإنما يحتاج إلى بناء مؤسسات وآليات للتنسيق العسكري، وتحديد طبيعة الالتزامات المتبادلة، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة والاستخبارات والتسليح والتدريب، فضلا عن التوافق السياسي بين الدول المشاركة.

كما أن اختلاف حسابات الدول الإقليمية، وتباين علاقاتها مع القوى الدولية، وتعدد الملفات الخلافية بينها، قد يجعل عملية توسيع التحالف أكثر تعقيدا من مجرد الإعلان عن الرغبة في الانضمام إليه.

ويضاف إلى ذلك السؤال المتعلق بطبيعة التهديدات التي يفترض أن يتعامل معها التحالف، وحدود تعريف "الاعتداء" الذي يستوجب تفعيل الالتزام بالدفاع المشترك، وهي مسائل ستكون حاسمة في تحديد مدى فاعلية الاتفاق على أرض الواقع.

قوة الردع.. لا الحرب


وتبرز في تصريحات مكي والشايجي والشنقيطي نقطة مشتركة، تتمثل في النظر إلى الاتفاق باعتباره أداة محتملة للردع أكثر منه مقدمة لحرب جديدة في المنطقة.

فمنظومة الدفاع الجماعي، في صورتها التقليدية، تستند إلى فكرة أن امتلاك الدول المتحالفة قدرة عسكرية مشتركة، أو التزاما واضحا بالدفاع عن بعضها، يجعل أي طرف خارجي أكثر حذرا قبل التفكير في مهاجمة إحدى الدول الأعضاء.

وفي هذا السياق، استحضر مكي تجربة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، الذي تأسس عام 1949 بوصفه تحالفا دفاعيا، وقال إن الحلف ظل لعقود قوة ردع حافظت على مصالح الدول الغربية، ولم يحتج إلى تدخل عسكري مباشر للدفاع عن عضو من أعضائه إلا في حالة واحدة مرتبطة بهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وبغض النظر عن الفوارق الكبيرة بين تجربة الناتو والواقع الإقليمي في الشرق الأوسط، فإن المقارنة تسلط الضوء على فكرة أساسية: نجاح التحالف الدفاعي قد يقاس أحيانا بقدرته على منع الحرب، لا بعدد الحروب التي يخوضها.

ومن هذه الزاوية، فإن القيمة الاستراتيجية لـ"اتفاق مكة" ستتحدد إلى حد كبير بمدى قدرة الدول الموقعة على تحويل الالتزام السياسي إلى بنية دفاعية قابلة للتنفيذ، وعلى إقناع الخصوم المحتملين بأن الاعتداء على أي طرف سيترتب عليه رد جماعي.

بين التوسيع والاختبارات السياسية


ويبدو أن أحد المسارات المحتملة أمام الاتفاق يتمثل في توسيعه تدريجيا، سواء عبر انضمام دول خليجية أو عربية أو إسلامية أخرى، أو من خلال تطوير مجالات التعاون بين الدول الثلاث نفسها قبل الانتقال إلى صيغة أوسع.

وتطرح دعوة الشنقيطي إلى ضم دول مثل مصر والعراق وسوريا واليمن وإيران، إلى جانب دول الخليج، تصورا طموحا لتحويل الاتفاق إلى إطار أمني إسلامي واسع، إلا أن هذا الطرح يواجه تعقيدات سياسية وجيوسياسية كبيرة، بالنظر إلى اختلاف مواقف هذه الدول من قضايا المنطقة ومن بعضها بعضا.

وفي المقابل، قد يكون من الواقعي البدء بتعميق التعاون بين الدول الثلاث، عبر تطوير التنسيق العسكري وتبادل الخبرات والمعلومات وإجراء تدريبات مشتركة وبناء قدرات دفاعية متكاملة، قبل الانتقال إلى توسيع العضوية.

وفي جميع الحالات، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان "اتفاق مكة" سيظل اتفاقا سياسيا ذا دلالة رمزية، أم يتحول إلى بنية دفاعية مؤثرة تمتلك أدوات الردع الفعلية.

اتفاق في لحظة إقليمية شديدة الحساسية


ويأتي الاتفاق في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الحرب الإسرائيلية على غزة، والتوترات الإقليمية، والصراع على النفوذ، والتهديدات الأمنية المتبادلة، إلى جانب تزايد النقاش حول مستقبل الدور الأمريكي في منظومة أمن الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن اجتماع السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك يحمل دلالات تتجاوز الدول الثلاث، خصوصا أن لكل منها ثقلها الخاص في محيطها الإقليمي.

فالسعودية تمتلك ثقلا اقتصاديا وسياسيا كبيرا في الخليج والعالم العربي والإسلامي، بينما تمثل تركيا قوة عسكرية واقتصادية محورية في محيطها، في حين تمتلك باكستان جيشا كبيرا وقدرات استراتيجية، فضلا عن كونها دولة نووية.

وتجمع هذه العناصر بين القوة الاقتصادية والعمق الجغرافي والقدرات العسكرية والخبرة التكنولوجية والبشرية، وهو ما يفسر الاهتمام الذي حظي به الاتفاق والحديث عن إمكانية تحوله إلى محور ردع أوسع.

لكن اختبار الاتفاق الحقيقي لن يكون في رمزية توقيعه في مكة، ولا في حجم الدول الموقعة عليه فقط، بل في قدرته على بناء آليات عملية ومستدامة للتعاون الدفاعي، وفي مدى استعداد الأطراف لتحمل تبعات الالتزام بالدفاع عن بعضها البعض.

وبين التفاؤل الذي عبر عنه الصلابي والشنقيطي، والقراءة الاستراتيجية التي قدمها الشايجي ومكي، يبدو أن "اتفاق مكة" فتح بالفعل بابا جديدا في النقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي؛ غير أن تحويله من اتفاق دفاعي بين ثلاث دول إلى منظومة ردع إقليمية أو "حلف إسلامي" أوسع سيظل رهنا بالإرادة السياسية، وبالقدرة على تجاوز الخلافات، وبناء مؤسسات دفاعية قادرة على تحويل النصوص إلى واقع.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل يتوسع "اتفاق مكة"؟ بل أيضا: هل تستطيع الدول المعنية تحويل فكرة الأمن المشترك من شعار سياسي إلى منظومة دفاعية دائمة قادرة على ردع الاعتداءات وحماية استقرار المنطقة؟

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)

خبر عاجل