الجزائر تؤسس مهرجانا دوليا للفكر الإفريقي ـ المتوسطي.. بوابة للمشترك الحضاري

تعود فكرة المهرجان إلى "اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر"، التي انعقدت طبعتها الأولى تحت عنوان "أوغسطين.. تجلٍّ جزائري إفريقي ومتوسطي".. فيسبوك
تعود فكرة المهرجان إلى "اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر"، التي انعقدت طبعتها الأولى تحت عنوان "أوغسطين.. تجلٍّ جزائري إفريقي ومتوسطي".. فيسبوك
شارك الخبر
أعلنت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية تأسيس "المهرجان الثقافي الدولي الإفريقي ـ المتوسطي للفكر"، بعد صدور القرار المتضمن إنشاء التظاهرة في العدد 53 من الجريدة الرسمية، لتدخل بذلك "اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر" رسميا ضمن أجندة التظاهرات الثقافية الوطنية الدائمة، في خطوة تسعى من خلالها الجزائر إلى ترسيخ مسار فكري وثقافي يجعل من الحوار بين الفضاءين الإفريقي والمتوسطي محورًا لتقاطع الأفكار واستعادة الروابط الحضارية المشتركة.

ويأتي تأسيس المهرجان في سياق توجه رسمي جزائري نحو تعزيز حضور الثقافة والفكر في السياسة الثقافية الوطنية، عبر تنظيم تظاهرات تتجاوز الطابع الاحتفالي إلى إنتاج النقاش المعرفي وفتح مساحات للحوار حول التاريخ والهوية والذاكرة والمشترك الإنساني.

وتنظر وزارة الثقافة والفنون إلى المهرجان الجديد باعتباره فضاء لإنتاج المعنى وتعزيز الحوار وإحياء ما تعتبره المشترك الحضاري بين شعوب القارة الإفريقية ودول المتوسط، مستندة إلى تصور يرى أن العلاقات بين هذه المناطق لم تكن يوما مجرد علاقات جغرافية، وإنما تشكلت عبر قرون من التفاعل الثقافي والفكري والديني والإنساني.

"أوغسطين".. من اللقاءات إلى المهرجان


وتعود فكرة المهرجان إلى "اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر"، التي انعقدت طبعتها الأولى تحت عنوان "أوغسطين.. تجلٍّ جزائري إفريقي ومتوسطي"، حيث شكلت هذه التظاهرة، بحسب وزارة الثقافة والفنون، المختبر الأول الذي تبلورت داخله فكرة إنشاء مهرجان دولي دائم.

ووفقا للوزارة، أظهرت الدورة الأولى مستوى علميا ونوعيا من المشاركات وعمقا في النقاشات، بما كشف عن الحاجة إلى إطار مؤسسي مستمر يحتضن هذا المسار الفكري ويمنحه طابعا منتظما.

ويحمل اختيار شخصية أوغسطين دلالات خاصة في هذا السياق، باعتباره شخصية تاريخية وفكرية ارتبطت بمنطقة شمال أفريقيا، وخصوصا بمدينة طاغاست، التي تعرف اليوم بسوق أهراس في الجزائر، وبفضاء المتوسط الذي كان على مدى قرون مجالا للتفاعل بين الثقافات والأديان والتيارات الفكرية.

ومن خلال استحضار أوغسطين، يبدو أن التظاهرة تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ من منظور يتجاوز الحدود السياسية الحديثة، والبحث في الشخصيات والأفكار التي أسهمت في تشكيل فضاء ثقافي مشترك بين شمال أفريقيا وأوروبا والشرق المتوسطي.

غير أن أهمية هذا المسار لا تكمن فقط في استعادة الشخصيات التاريخية، بل في القدرة على تحويلها إلى مدخل لأسئلة الحاضر، وعلى رأسها سؤال الهوية المركبة للمنطقة، وعلاقة إفريقيا بالمتوسط، وموقع الجزائر في هذه المعادلة الحضارية.

فضاء إفريقي ـ متوسطي يتجاوز الجغرافيا


وينطلق المهرجان من رؤية تعتبر أن المجال الإفريقي-المتوسطي ليس مجرد نطاق جغرافي متجاور، بل فضاء حضاري تشكل عبر قرون من التفاعل والتبادل.

وتشمل هذه العلاقات مسارات متعددة، من التجارة والهجرة إلى الفكر والفلسفة والدين والفنون واللغات، فضلا عن التجارب السياسية والتاريخية التي تركت آثارها على شعوب المنطقة.

ومن هذه الزاوية، فإن المهرجان يمكن أن يتحول إلى منصة لمناقشة عدد من القضايا التي تتجاوز الحدود الوطنية، مثل الذاكرة الاستعمارية، والهجرة، والتنوع الثقافي، والتغيرات المناخية، والتحولات الديموغرافية، والعلاقات بين ضفتي المتوسط، ومستقبل إفريقيا، فضلا عن قضايا التنمية والعدالة الثقافية.

وتطرح هذه الملفات أسئلة متزايدة في عالم يشهد إعادة تشكيل للعلاقات الدولية، وتنافسا على النفوذ في القارة الإفريقية، إلى جانب تصاعد النقاش حول مستقبل المتوسط باعتباره فضاء للتعاون، لكنه أيضا منطقة توتر وصراعات وهجرة غير نظامية وأزمات متداخلة.

وفي هذا السياق، يمكن للمهرجان أن يقدم نفسه باعتباره مساحة للحوار الثقافي والفكري في منطقة تتقاطع فيها الأزمات السياسية والاقتصادية مع أسئلة الهوية والانتماء.

الجزائر.. محاولة لاستعادة الدور الثقافي


وتراهن الجزائر، من خلال هذه التظاهرة، على موقعها التاريخي والجغرافي باعتبارها دولة تقع في قلب المجال المغاربي والإفريقي والمتوسطي، وتمتلك رصيدا تاريخيا وثقافيا يجعلها مؤهلة، بحسب الرؤية الرسمية، لاحتضان هذا النوع من الحوارات.

وتحاول الجزائر خلال السنوات الأخيرة تعزيز حضورها الثقافي في محيطها الإفريقي والمتوسطي، إلى جانب أدوارها السياسية والدبلوماسية، مستفيدة من تاريخها في حركات التحرر الوطني ومن تجربتها في مقاومة الاستعمار الفرنسي.

ويمنح هذا الإرث الجزائر فرصة لتقديم نفسها بوصفها مساحة تلتقي فيها تجارب إفريقيا والمتوسط، خصوصا أن تاريخها الحديث ارتبط ارتباطا وثيقا بقضايا التحرر والاستقلال، فيما ظل موقعها الجغرافي بوابة بين الصحراء الكبرى والبحر المتوسط.

لكن نجاح هذا الطموح الثقافي سيظل مرتبطا بقدرة المهرجان على استقطاب باحثين ومفكرين من مختلف الاتجاهات والمدارس، وعدم تحوله إلى تظاهرة ذات صوت أحادي أو منصة لإعادة إنتاج خطاب رسمي.

فالمهرجانات الفكرية تكتسب قيمتها الحقيقية من قدرتها على خلق مساحة للنقاش الحر، واستضافة الرؤى المختلفة، وإتاحة المجال أمام الأسئلة النقدية، لا من حجم الحضور الرسمي وحده.

مهرجان متنقل بين الولايات


ومن أبرز ملامح المهرجان الجديد اعتماد صيغة متنقلة، بحيث تحتضن دورة كل عام إحدى ولايات الجزائر، في توجه يهدف إلى إخراج التظاهرة من المركز الثقافي التقليدي في العاصمة، وربط الفكر بالمجتمع المحلي ومختلف المناطق.

وتحمل هذه الصيغة بعدا ثقافيا وسياسيا في آن واحد، إذ تسمح للولايات المختلفة باستضافة مفكرين وباحثين وشخصيات ثقافية دولية، كما تتيح تعريف المشاركين بالخصوصيات التاريخية والثقافية لكل منطقة.

وقد تمنح هذه الآلية المهرجان فرصة لبناء شبكة ثقافية وطنية، بدلا من تركيز النشاط الفكري في العاصمة والمدن الكبرى، كما يمكن أن تسهم في اكتشاف مواقع تاريخية وتراثية مختلفة وإدماجها في مسار الحوار الثقافي.

لكن التحدي يتمثل في ضمان ألا تكون "المتنقلية" مجرد تغيير جغرافي لمكان انعقاد المهرجان، بل أن ترتبط كل دورة بموضوعات وأسئلة نابعة من خصوصية الولاية المضيفة، بحيث يصبح المكان نفسه جزءا من الموضوع الفكري.

فإذا انعقدت دورة في منطقة ذات تاريخ أمازيغي أو صحراوي أو متوسطي أو إفريقي، يمكن أن يشكل هذا الموقع مدخلا لإعادة قراءة تاريخ المنطقة وموقعها في المشترك الحضاري الأوسع.

من التظاهرة الثقافية إلى الدبلوماسية الفكرية


يمكن النظر إلى تأسيس المهرجان أيضا باعتباره جزءا من مفهوم أوسع يتمثل في "الدبلوماسية الثقافية"، حيث تستخدم الدول الثقافة والفكر لبناء جسور التواصل وتعزيز حضورها الخارجي.

وتكتسب هذه الدبلوماسية أهمية خاصة في إفريقيا والمتوسط، حيث لا تزال العلاقات بين الدول محكومة بدرجات متفاوتة من الإرث الاستعماري والتنافس الجيوسياسي، إلى جانب المصالح الاقتصادية والأمنية.

وفي هذا السياق، يمكن لتظاهرة فكرية دولية أن توفر للجزائر مساحة لتقديم رؤيتها للعالم، والتواصل مع نخب فكرية وثقافية من إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وبناء علاقات تتجاوز القنوات السياسية الرسمية.

غير أن قوة هذا النوع من الدبلوماسية ترتبط بمدى استقلال الفضاء الثقافي وقدرته على استيعاب الاختلاف. فالثقافة تصبح أكثر تأثيرا عندما تتيح مساحة للجدل، وتستضيف الأصوات المتعددة، وتسمح بمناقشة الملفات الحساسة دون قيود تحول دون إنتاج معرفة حقيقية.

أسئلة كبرى أمام المهرجان


ويأتي تأسيس المهرجان في وقت تواجه فيه المنطقة الإفريقية والمتوسطية تحولات عميقة، من أزمات الساحل إلى الهجرة، ومن النزاعات المسلحة إلى التغير المناخي، ومن صعود النزعات القومية إلى التحولات في النظام الدولي.

كما تشهد المنطقة أسئلة متزايدة حول علاقة الشمال بالجنوب، وحدود التعاون بين أوروبا وإفريقيا، وموقع دول المغرب العربي في هذه العلاقات، فضلا عن القضية الفلسطينية والحرب على غزة وما أثارته من أسئلة حول النظام الدولي وازدواجية المعايير ومستقبل القانون الدولي.

ومن هنا، فإن المهرجان يملك فرصة ليكون أكثر من مجرد فضاء لاستعراض الإنتاج الفكري، إذا نجح في تحويل هذه القضايا إلى موضوعات للنقاش الجاد، وإشراك باحثين من خلفيات متعددة، وفتح المجال أمام قراءة نقدية للتاريخ والحاضر.

كما يمكن أن يشكل المهرجان منصة لبحث العلاقة بين إفريقيا والمتوسط بعيدا عن التصورات النمطية، وإعادة التفكير في مفهوم «المشترك الحضاري» على أساس التعدد والاختلاف، لا على أساس اختزال الثقافات في سردية واحدة.

تحدي الاستمرارية والعمق


ومع دخول المهرجان رسميا ضمن التظاهرات الثقافية الوطنية الدائمة، يصبح التحدي الأساسي هو الحفاظ على استمراريته وتطوير هويته العلمية والفكرية.

فالتأسيس الرسمي يمنح التظاهرة إطارا مؤسسيا، لكنه لا يضمن وحده النجاح، إذ تحتاج المهرجانات الفكرية إلى تراكم معرفي، وإلى إنتاج منشورات وأبحاث وكتب، وإلى بناء أرشيف يحفظ مخرجاتها، حتى لا تنتهي فعالياتها بانتهاء كل دورة.

كما أن قيمة المهرجان ستقاس بقدرته على تحويل النقاشات التي تستضيفها جلساته إلى مادة معرفية قابلة للتداول، وإلى مشاريع بحثية وشراكات جامعية وثقافية تمتد على مدار العام.

ومن هنا، سيكون من المفيد أن ترافق كل دورة منشورات علمية موثقة، وأن يتم نشر أوراق المشاركين ومداخلاتهم، وإتاحتها للباحثين والطلاب، بما يسمح ببناء ذاكرة فكرية تراكمية للمهرجان.

فرصة لإحياء الحوار في فضاء مضطرب


يأتي تأسيس "المهرجان الثقافي الدولي الإفريقي-المتوسطي للفكر" في لحظة تحتاج فيها المنطقة أكثر من أي وقت مضى إلى مساحات للحوار، في ظل الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية وتصاعد التوترات بين الشعوب والدول.

وإذا نجح المهرجان في بناء مساحة فكرية حقيقية، فإنه يمكن أن يتحول إلى موعد مهم على خريطة الفعاليات الثقافية الدولية، لا سيما إذا استطاع الجمع بين البعد الأكاديمي والأسئلة الإنسانية الراهنة، وبين الذاكرة التاريخية وقضايا المستقبل.

فالجزائر، بما تمتلكه من موقع جغرافي وتاريخي ورصيد ثقافي، تملك مقومات احتضان هذا النوع من المبادرات. غير أن الرهان الأكبر يبقى في تحويل المهرجان من «موعد ثقافي جديد» إلى مؤسسة فكرية مؤثرة، قادرة على إنتاج النقاش، واستضافة الاختلاف، وبناء جسور بين إفريقيا والمتوسط، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تتصل بمصير المنطقة ومستقبل شعوبها.

وفي النهاية، فإن نجاح المهرجان لن يقاس فقط بعدد المشاركين والضيوف أو المدن التي تستضيف دوراته، وإنما بما يتركه من أثر معرفي، وبقدرته على جعل الثقافة وسيلة للحوار الحقيقي، والفكر أداة لفهم عالم متغير، والذاكرة جسرا لا يفصل بين الشعوب، بل يساعدها على اكتشاف ما يجمعها وما يختلف بينها.
التعليقات (0)