في
الذكرى الثالثة والستين لاستقلال
الجزائر، أعادت
الكاتبة والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي إحياء الذاكرة الوطنية
عبر سلسلة منشورات وتغريدات على صفحتها الرسمية، استحضرت فيها محطات مفصلية من
التاريخ الجزائري الحديث، بدءًا من لحظة الاحتلال الفرنسي عام 1830 وصولًا إلى
إعلان
الاستقلال في 5 يوليو/تموز 1962، في سردٍ يمزج بين التأمل التاريخي واللغة
الأدبية المشحونة بالدلالات الرمزية حول معنى النصر وبناء الأمة.
واستعادت مستغانمي في تدويناتها مشهد دخول
القوات الفرنسية إلى الجزائر عبر سواحل سيدي فرج عام 1830، مشيرة إلى ما اعتبرته
انهيارًا للوسائل الدفاعية الجزائرية آنذاك، قبل أن تنتقل إلى لحظة الخروج الفرنسي
بعد 130 عامًا، معتبرة أن التاريخ “أُعيد كتابته في التاريخ نفسه” حين تقاطعت
البداية مع النهاية في اليوم ذاته، 5 يوليو، الذي أصبح رمزًا مزدوجًا للاحتلال
والاستقلال.
كما توقفت الكاتبة عند ما يُعرف
بـ"حادثة المروحة"، التي استُخدمت ذريعة لبدء الغزو الفرنسي للجزائر،
ووصفتها في سياقها الرمزي بأنها تعكس مزيجًا من “الكبرياء والعصبية” في لحظة
تاريخية أعقبتها واحدة من أطول مراحل الاستعمار في العالم الحديث.
الاستقلال بوصفه لحظة ذاكرة عربية مشتركة
وفي منشور آخر، استحضرت مستغانمي لحظة إعلان
الاستقلال سنة 1962، متحدثة عن نشيد "قسماً" بوصفه أحد الرموز الجامعة
للذاكرة العربية في تلك المرحلة، مشيرة إلى أن هذا النشيد الذي ألّفه الشاعر مفدي
زكريا ولحنه الموسيقار المصري محمد فوزي، كان يتردد في مدارس عدة دول عربية، ما
يعكس، بحسبها، وحدة الشعور القومي في تلك الحقبة.
ووجهت الكاتبة تحية إلى “شرفاء الجزائر”
وإلى “الرجال والحرائر الذين حافظوا على الثوابت”، في خطاب احتفائي يستعيد مفردات
الذاكرة الوطنية، ويؤكد استمرار حضور فكرة الاستقلال باعتبارها حدثًا مؤسسًا في
الهوية السياسية والثقافية للجزائر الحديثة.
كما قدّمت مستغانمي تأملًا فلسفيًا في معنى
النصر، معتبرة أن لحظات الانتصار ليست دائمًا لحظات صفاء، بل قد تحمل في طياتها
“نشوة مضطربة” تختلط فيها الفوضى بالفرح، في إشارة إلى تعقيدات ما بعد الاستعمار
وبناء الدولة الوطنية.
بين الذاكرة الفردية والهوية الجماعية
وتبرز في خطاب مستغانمي المتداول عبر منصات
التواصل نزعة واضحة إلى الربط بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، حيث تتحول
الكتابة من استعادة تاريخية إلى نوع من إعادة صياغة الهوية الوطنية عبر الأدب، في
محاولة لدمج التجربة الشخصية بالتحولات الكبرى التي عرفها المجتمع الجزائري خلال
قرنين من الزمن.
وتتجلى في هذه الكتابات أيضًا نزعة نقدية
ضمنية تجاه قراءة التاريخ، من خلال الإشارة إلى ما وصفته بـ"غرور اللحظات
التاريخية" أو اندفاعاتها، في قراءة تميل إلى تأمل المسار التاريخي بوصفه
سلسلة من التحولات المتشابكة أكثر من كونه سردًا خطيًا بسيطًا.
حضور ثقافي وسياسي في تونس
وفي سياق متصل، حظيت أحلام مستغانمي
باستقبال رسمي في مقر القنصلية الجزائرية العامة في العاصمة التونسية، في زيارة
حملت أبعادًا ثقافية وسياسية ورمزية، خاصة أنها تزامنت مع احتفالات الاستقلال.
وخلال الزيارة، قامت الكاتبة بجولة في مقر
كان يحتضن سابقًا وزارة التسليح والاتصالات العامة للحكومة الجزائرية المؤقتة
(المالغ) خلال فترة الثورة التحريرية، حيث اطّلعت على معروضات تاريخية ووثائق توثق
جانبًا من العمل الثوري الجزائري في الخارج.
وأعربت مستغانمي عن تأثرها بالمكان، معتبرة
أن “الوجود في فضاء يحمل هذا الثقل التاريخي يجعل الإنسان يعيش التاريخ بدل أن
يقرأه فقط”، مشددة على أهمية تحويل الذاكرة الوطنية من مجرد سرديات محفوظة إلى
تجربة حية وممارسة ثقافية مستمرة.
تونس كفضاء للذاكرة الجزائرية
وتكتسب الزيارة إلى تونس بعدًا إضافيًا في
سياق العلاقة التاريخية بين البلدين، إذ شكّلت الأراضي التونسية خلال الثورة
الجزائرية قاعدة خلفية مهمة لعدد من الهياكل التنظيمية والسياسية التابعة للحكومة
الجزائرية المؤقتة، بما في ذلك مؤسسات مرتبطة بالتنسيق العسكري والدبلوماسي.
وفي هذا الإطار، جرى التأكيد خلال الفعالية
على أهمية تثمين هذا الإرث التاريخي، وإعادة الاعتبار للمباني التي شهدت مراحل
مفصلية من العمل الثوري، باعتبارها جزءًا من الذاكرة المشتركة بين الشعبين
الجزائري والتونسي.
كما برزت الإشارة إلى دور الجالية الجزائرية
في الخارج، وإلى الجهود الرسمية الرامية إلى تعزيز ارتباطها بالوطن، ضمن رؤية
تعتبر أن الذاكرة الوطنية لا تقتصر على الداخل، بل تمتد عبر فضاءات الاغتراب
والتفاعل الثقافي.
بين الأدب والسياسة والذاكرة
وتعكس هذه الفعاليات، إلى جانب منشورات
مستغانمي، تداخلًا واضحًا بين الأدب والسياسة والذاكرة في الخطاب الثقافي الجزائري
المعاصر، حيث لا يُنظر إلى الكتابة بوصفها فعلًا جماليًا فحسب، بل كأداة لإعادة
بناء العلاقة مع التاريخ، وإعادة تعريف معنى الاستقلال في سياق تحولات الحاضر.
وفي هذا التقاطع بين النص الأدبي والممارسة
الرمزية، تواصل أحلام مستغانمي حضورها بوصفها إحدى أبرز الأصوات الثقافية
الجزائرية التي تربط بين السرد الفردي والذاكرة الوطنية، وبين الاحتفاء بالتاريخ
ومحاولة مساءلته في آن واحد، ضمن فضاء عربي أوسع تتداخل فيه الذاكرة بالمواقف
السياسية والثقافية العابرة للحدود.
اظهار أخبار متعلقة