الفيلسوف الفرنسي لوك فيري وخطاب تبرير القوة

محمد كرواوي
"تبرير استخدام القوة خارج الشرعية الدولية ليس أمرا جديدا"- القيادة المركزية
"تبرير استخدام القوة خارج الشرعية الدولية ليس أمرا جديدا"- القيادة المركزية
شارك الخبر
يشكل الخطاب الذي قدمه لوك فيري بشأن الحرب على إيران، كما ورد خلال مداخلة إعلامية على "LCI" ضمن نقاش تلفزيوني تناول مشروعية الضربات العسكرية خارج إطار القانون الدولي، لحظة كاشفة لتحول عميق في تصور بعض النخب الفكرية الغربية لمفهوم الشرعية الدولية.

فبدل أن يظل القانون الدولي إطارا معياريا كليا يؤسس لضبط العلاقات بين الدول وفق قواعد عامة ومجردة، يتم اختزاله في تصور انتقائي يقوم على التمييز بين "دول محترمة" وأخرى "خارجة عن القانون"، وهو ما يفضي إلى تقويض أحد أهم مرتكزات النظام الدولي الحديث، أي مبدأ الكونية القانونية.

ينطلق هذا الخطاب من افتراض ضمني مفاده أن القانون الدولي ليس نظاما ملزما في ذاته، بل أداة وظيفية تفعل أو تعطل بحسب طبيعة الفاعل السياسي. وبهذا المعنى، يتم الانتقال من تصور القانون باعتباره منظومة معيارية إلى اعتباره أداة استراتيجية ضمن ترسانة القوة.

وهذا التحول يعكس ما يمكن تسميته بتسييس القانون، حيث يصبح الخضوع للقواعد رهينا بميزان القوة لا بمبدأ الإلزام. إن أخطر ما في أطروحة فيري هو أنها تؤسس لنوع من النسبية القانونية، التي تقوض فكرة المساواة السيادية بين الدول.

التحول يعكس ما يمكن تسميته بتسييس القانون، حيث يصبح الخضوع للقواعد رهينا بميزان القوة لا بمبدأ الإلزام. إن أخطر ما في أطروحة فيري هو أنها تؤسس لنوع من النسبية القانونية، التي تقوض فكرة المساواة السيادية بين الدول

فحين يقال إن القانون الدولي لا يطبق إلا على "الدول المحترمة"، فإن ذلك يعني ضمنيا أن الشرعية لم تعد تستمد من القاعدة، بل من التوصيف السياسي للفاعل. وهو ما يعيد إنتاج منطق ما قبل القانون الدولي، حيث كانت القوة هي المصدر الوحيد للحق، في تناقض صارخ مع الفلسفة التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا السياق، يستدعي خطاب فيري ما يمكن وصفه بالشرعية القسرية، أي تبرير استخدام القوة خارج الإطار القانوني بدعوى حماية النظام أو مواجهة التهديدات غير التقليدية.

غير أن هذا المنطق يحمل في طياته مفارقة عميقة: إذ كيف يمكن الدفاع عن النظام القانوني عبر انتهاكه؟ وكيف يمكن حماية القواعد من خلال تعليقها؟ إن هذا التناقض يكشف عن انزلاق نحو ما يسمى في العلاقات الدولية باستثناء دائم، حيث تتحول الحالة الاستثنائية إلى قاعدة.

وإذا ما استحضرنا التجربة التاريخية، فإن تبرير استخدام القوة خارج الشرعية الدولية ليس أمرا جديدا، بل هو نمط متكرر في العلاقات الدولية، كما حدث في حالات عديدة، أبرزها التدخل العسكري في العراق سنة 2003. وقد أظهرت هذه التجارب أن تجاوز القانون الدولي لا يؤدي إلى استقرار النظام، بل إلى تفكيكه، عبر إضعاف الثقة في المؤسسات الدولية وتعزيز منطق الفوضى داخل النظام العالمي.

ومن زاوية التحليل الجيوسياسي، فإن خطاب فيري يعكس تحولا من نموذج الحكامة الدولية إلى نموذج السيادة الصلبة، حيث تعود الدولة القوية إلى فرض إرادتها خارج أي إطار تنظيمي. غير أن هذا التحول لا يهدد فقط الدول المستهدفة، بل يقوض أيضا مصالح النظام الدولي ككل، لأنه يفتح الباب أمام تعميم منطق القوة، بما يجعل كل دولة مرشحة لتبني نفس السلوك تحت ذريعة الدفاع عن أمنها.

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في مواجهة خرق القانون الدولي من قبل بعض الفاعلين، بل في مقاومة الخطابات التي تسعى إلى شرعنة هذا الخرق وتحويله إلى قاعدة

على هذا النحو، يمكن القول إن أطروحة فيري تعاني من خلط بين مستويين: مستوى الوصف ومستوى التبرير. فمن جهة، قد يكون من الصحيح أن بعض الدول تنتهك القانون الدولي، لكن من جهة أخرى، لا يمكن تحويل هذا الواقع إلى مبرر نظري لإلغاء القاعدة نفسها. فالفارق الجوهري بين التحليل العلمي والتبرير الأيديولوجي يكمن في القدرة على التمييز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

إن الدفاع عن القانون الدولي لا يعني إنكار اختلالاته أو محدودية فعاليته، بل يقتضي العمل على إصلاحه وتعزيزه، لا تقويضه من الداخل. أما تبرير تجاوزه بحجة عدم فاعليته، فهو يشبه منطق هدم المؤسسة بدعوى ضعفها، بدل ترميمها، وهو ما يفضي في النهاية إلى تقويض فكرة النظام الدولي ذاتها.

وعليه، فإن خطاب لوك فيري لا يمثل مجرد رأي عابر في سياق أزمة دولية، بل يعكس تحولا أعمق في بنية التفكير السياسي، حيث يتم الانتقال من منطق الشرعية إلى منطق القوة، ومن القانون إلى الاستثناء، ومن الكونية إلى الانتقائية. وهو تحول، إذا ما استمر، قد يعيد النظام الدولي إلى مرحلة ما قبل التعاقد، حيث لا يحكم العلاقات بين الدول سوى ميزان القوة، في غياب أي أفق قانوني مشترك.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في مواجهة خرق القانون الدولي من قبل بعض الفاعلين، بل في مقاومة الخطابات التي تسعى إلى شرعنة هذا الخرق وتحويله إلى قاعدة، لأن الخطر الأكبر لا يأتي من انتهاك القانون، بل من تبرير انتهاكه باسم القانون نفسه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)