محمد كرواوي يكتب: التماسك الذي بدا صلبا لعقود، كان في جوهره قائما على القيادة الأمريكية، ومع تراجع هذه القيادة، ستظهر التناقضات الأوروبية إلى السطح، بين من يرى الخلاص في بناء دفاع أوروبي مستقل، ومن يبحث عن ترتيبات أمنية بديلة، وربما عن تسويات مباشرة مع قوى كبرى خارج الإطار الأطلسي
محمد كرواوي يكتب: وعند مقارنته بترتيبات فك الاشتباك لعام 1974، يتضح أن المسار الحالي لا يقتصر على فكرة الفصل الجغرافي أو إنشاء مناطق فاصلة، بل يتجه إلى مأسسة قنوات اتصال دائمة تعنى بإدارة التماس وضبط مخاطره، مع اختلاف جوهري في طبيعة المرجعية الحاضنة للآلية. وهو ما يفتح أسئلة تتعلق بحدود السيادة من جهة، وبكيفية إعادة تشكيل أنماط الحكامة الأمنية في الإقليم من جهة أخرى
محمد كرواوي يكتب: يندرج الاعتراف أيضا ضمن مسعى أوسع لإعادة تشكيل خريطة التحالفات في المجالين العربي والأفريقي عبر تفتيت دوائر النفوذ التقليدية لمصر وتركيا على حد سواء، إذ تحاول إسرائيل الالتفاف على المجال الحيوي العربي والتركي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ عبر بناء طوق نفوذ جديد يتوزع حول الموانئ والممرات البحرية والمناطق القابلة للاستثمار الجيو اقتصادي
محمد كرواوي يكتب: ما قيمة التعهدات الإسرائيلية أمام الوسطاء إذا كانت تسقط مع أول اختبار ميداني؟ وما جدوى البيانات الدولية التي تتحدث عن حماية المدنيين، إذا كانت عاجزة عن فرض توفير مأوى مؤقت في ظل كارثة إنسانية واضحة؟ ثم أي معنى للحديث عن التزامات قانونية، إذا كان الاحتلال يختار متى يلتزم ومتى يتنصل، دون أي كلفة سياسية حقيقية؟
محمد كرواوي يكتب: المرحلة الثانية إذن ليست نهاية حرب، بل بداية صراع جديد على صياغة النفوذ، ومن ينجح في تحويل غزة من موضوع للتفاوض إلى فاعل في صناعة القرار، هو من سيحدد ملامح الشرق الأوسط المقبل
محمد كرواوي يكتب: في بيت جن، كما في جنين ورفح، اعتمدت إسرائيل ثلاث أدوات متكاملة: القوة المفرطة، وتشويه الرواية، وتطبيع القتل. القوة تحطم الحجر، الرواية تحطم الحقيقة، والتطبيع يحطم الضمير. وحين تتعامل دولة مع جريمة الحرب كإجراء إداري، فإنها لا تبحث عن الأمن، بل عن تثبيت قانون جديد: من يعترض يمحى، ومن يستسلم يقتل، ومن لا صوت له يدفن مع بيته
محمد كرواوي يكتب: بقدر ما تبدو خطة أوكرانيا وثيقة سياسية، فإنها في جوهرها الوجه الأوروبي للخطة التي غضت واشنطن الطرف عنها في غزة. فالمنطق واحد، والخط الأصفر واحد، واليد التي تسمح بتمديد الخرائط هناك هي اليد نفسها التي ترسم خرائط القوة هنا. وفي الحالتين، تتصرف واشنطن كقوة ترى الحرب فرصة لتغيير منار الأرض، لا مناسبة لوقف نزيف الشعوب. ولذلك تبدو أوكرانيا اليوم كأنها تسير في الطريق ذاته الذي مشت فيه غزة؛ أرض يعاد ترسيمها بقرارات فوقية، ومعابر تفتح وتغلق بضغط القوة، وخط أصفر يزحف بلا رادع بينما العالم يتفرج
محمد كرواوي يكتب:
على المستوى الاستراتيجي، يكشف المشروع الأمريكي عن محاولة لإنتاج واقع سياسي جديد يسبق الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فبدل النقاش التقليدي حول حدود الدولة ووضع القدس واللاجئين، تبني واشنطن مسارا يبدأ من الداخل عبر إعادة صياغة الجغرافيا وتقليص القدرة المسلحة للفصائل وإنشاء إدارة انتقالية تخضع لمراقبة صارمة. وتعمل المنطقة الخضراء ضمن هذا السياق كنواة أولى لبيئة سياسية قابلة للتطوير، بينما يتحول النطاق الأحمر إلى فضاء تتحكم فيه القوة العسكرية بهدف الضغط المستمر وتفكيك أي بنية مسلحة خارج التصور الأمريكي
محمد كرواوي يكتب: تبدو دوافع المشروع أعمق من مجرد ردع مؤقت؛ فالإعدام يسعى، بقدر ما يقتل الأفراد، إلى محو معنى المقاومة وتحويل الانتماء القومي إلى جرم وجودي يستوجب العقاب النهائي. وهكذا يتحول القانون إلى وسيلة سياسية لإعادة تعريف من يستحق الحياة ومن يعد عدوا مباح الدم
محمد كرواوي يكتب: تمرار الازدواجية في الموقف الأمريكي يمثل العائق البنيوي الأبرز أمام أي جهد دولي لإرساء استقرار دائم في غزة. فواشنطن، إذ تجمع بين موقع الضامن السياسي لإسرائيل وموقع الوسيط في المفاوضات، تنزع عن نفسها شرط الحياد وتحول مفهوم الردع إلى أداة إدارة للأزمة لا لتسويتها. كما أن اعتماد ترتيبات الهدنة على قنوات ثنائية خارج الإطار الأممي يجعل "قوة الاستقرار الدولية" بلا صلاحيات فعلية، فتتحول من آلية تنفيذية إلى واجهة دبلوماسية لإدامة الوضع القائم
محمد كرواوي يكتب: مثّل قرار محكمة العدل الدولية إدانة أخلاقية وقانونية للتجويع كأداة حرب، وإن لم يتضمن آليات تنفيذ قسرية. لكنه أعاد طرح السؤال الأعمق: هل يمكن للقانون الدولي أن ينتصر على منطق القوة؟ الجواب يظل معلقا بين سطور هذا القرار الذي حوّل غزة من مأساة إنسانية إلى اختبار عالمي لضمير العدالة الدولية، اختبار سيحدد ما إذا كانت المحكمة قادرة على الدفاع عن مبادئها في وجه إرادة الدول الكبرى، أم أن القانون سيظل شاهدا عاجزا أمام مجاعة تدار بقرار سياسي
محمد كرواوي يكتب: تمثل هذه الأزمة فرصة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي ذاته، فالتعامل مع الحدود باعتبارها جدارا عازلا لم يعد ممكنا في زمن تتداخل فيه الجغرافيا بالتجارة والهجرة والطاقة. إن الأمن في جنوب آسيا لم يعد يقاس بمدى السيطرة العسكرية، بل بمدى القدرة على بناء منظومة تعاون عقلانية توازن بين مكافحة الإرهاب واحترام السيادة، وبين ضرورات الاقتصاد ومتطلبات الاستقرار، وأي تجاهل لهذا التحول سيبقي المنطقة رهينة دوامة اشتباك متكرر يعيد إنتاج أسبابه كل مرة بأسماء جديدة
محمد كرواوي يكتب: إن مفاوضات شرم الشيخ لا تُختبر بقدرتها على إنتاج نصوص دبلوماسية جديدة، بل بقدرتها على بناء ثقة سياسية متبادلة تردم الهوة بين السلاح والكلمة. لكن الطريق ما يزال محفوفا بالتحديات التي تجعل التوقيع أسهل من التنفيذ، والتنفيذ أهون من الاستمرار، وما لم يتغير منطق الصراع ذاته، ستبقى كل مفاوضة مجرد استراحة مؤقتة في حرب طويلة لم تقل بعد كلمتها الأخيرة
محمد كرواوي يكتب: إن طرح فكرة هيئة انتقالية يرأسها توني بلير تحت عنوان (GITA) يعبر عن تصور لسيادة مجزأة ومؤجلة؛ تبدأ من خارج القطاع وتدخل إليه بقوة حفظ سلام يغلب عليها الطابع العربي، ثم تنشأ بنية خدمات ورقابة قانونية تسبق أي نقاش في السيادة. إنه تعليق منظم لمسألة الدولة مقابل تحسين الحياة اليومية، وهو ما يطمئن الممولين لكنه يثير قلق الفلسطينيين الذين يرون فيه وصاية دولية تعيد إنتاج الاحتلال بصياغة إدارية
محمد كرواوي يكتب: الفيتو السادس قد يمنح إسرائيل حرية أكبر في الميدان ويوفر لها الغطاء الدبلوماسي، لكنه يترك الولايات المتحدة أمام خسائر استراتيجية طويلة الأمد. فهو يعمق عزلتها في مجلس الأمن، ويقوض خطابها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويضعف قدرتها على حشد الدعم في قضايا أخرى. كما يعزز نفوذ خصومها مثل روسيا والصين الذين يقدمون أنفسهم كمدافعين عن العدالة الدولية، ويغذي الدعوات لإصلاح مجلس الأمن بما يقلص من سلطة الدول الكبرى
محمد كرواوي يكتب: يمكن القول إن استراتيجية الانفكاك الوقائي التي يعتمدها الأردن ليست سياسة ظرفية، بل مقاربة هيكلية لإدارة علاقة ملتبسة يصعب القطيعة فيها ويستحيل الارتهان الكامل لها