قضايا وآراء

لماذا تحل دعوات الانفصال محل حلم الوحدة العربي؟

هاني بشر
"يبقى دائما ثمن الحل الاستئصالي الانفصالي في غالب الأحيان أفدح من ثمن الوحدة"- إكس
"يبقى دائما ثمن الحل الاستئصالي الانفصالي في غالب الأحيان أفدح من ثمن الوحدة"- إكس
شارك الخبر
تتوق الجماعات البشرية عادة إلى الوحدة والتكامل على مر التاريخ، وكان حلم الوحدة قاسما مشتركا بين التيارات الفكرية والسياسة في العالم العربي خلال القرنين الماضيين على اختلاف مشاربها، سواء الإسلامية منها أو القومية أو اليسارية. فهي مفتاح التعاون والقوة والازدهار الاقتصادي، كما أنها واقع قديم سلبه المستعمر، وما فتئ العالم العربي يبكي عليه ويتهم المستعمرين قديما وحديثا بتفتيت الدول وفقا لقاعدة فرّق تسُد. فما الذي جعل الحلم الوحدوي القديم يتحول إلى مشاريع انفصالية؛ من جمهورية أرض الصومال إلى اليمن الجنوبي وقسد والدروز في سوريا، وغيرها من المشاريع؟

أول ما يلفت النظر في أسباب ذلك هو أن جيل المفكرين الكبار الحالمين بأشكال مختلفة من الوحدة العربية والإسلامية قد غيّبه الموت، ولم يعد خطاب الوحدة متقدما في الأدبيات السياسية والشعبية إلا باستثناءات قليلة على الصعيد العملي في دول مجلس التعاون الخليجي وعلى الصعيد النظري في دول المغرب العربي. وأذكر كيف أن مفكرا مثل الدكتور المصري عصمت سيف الدولة، من كبار منظري الوحدة العربية، تفوق شهرته وتأثيره في تونس شهرته وتأثيره في مصر بلده، وهو والد السياسي المصري محمد سيف الدولة. وهكذا كانت الأفكار الوحدوية تنطلق عبر كتب المفكرين بين الدول العربية المختلفة.

ثاني هذه الأسباب هو التأثر السطحي بالفكر السياسي الغربي في العالم العربي، وتفشي النزعة الغربية في الحلول الفردانية على الصعيد السياسي كمرادف للفردانية على الصعيد الشخصي التي انتشرت هي الأخرى بين الشباب والأجيال الجديدة، رغم أن الدعوات الانفصالية الحديثة في الدول الغربية ليست لديها النظرة ذاتها. فالدعوة التي يقودها الحزب القومي في اسكتلندا للاستقلال عن بريطانيا على سبيل المثال ليست مطالبة بالانفصال بقدر ما هو تغيير لإطار الوحدة، إذ يشجع الحزب العضوية في الاتحاد الأوروبي كإطار وحدوي،
وجود إسرائيل في حد ذاته، فلم تكن مصادفة أن تعترف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال؛ لأن الطبيعة الاستيطانية لإسرائيل قائمة على الفوقية والتعالي على محيط غير منسجم معها لا دينيا ولا سياسيا ولا ثقافيا، وبالتالي فهي تفضل التعامل مع كيانات صغيرة يسهل اقتيادها
وبالتالي فالتجربة الغربية الحديثة ليس لديها مشاريع انفصالية غربية صرفة لأن الجميع يدرك من باب المصلحة والنفعية الثمن الفادح لها. وعلى سبيل المثال أيضا فإن دولة أوروبية مثل فرنسا مثلا تشجع التعددية العرقية والثقافية داخل الدول العربية كما تشجع عددا من مشاريع الانفصال، ولا تقبل بذات الدعوات على أرضيها.

ثالث هذه الأسباب هو وجود إسرائيل في حد ذاته، فلم تكن مصادفة أن تعترف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال؛ لأن الطبيعة الاستيطانية لإسرائيل قائمة على الفوقية والتعالي على محيط غير منسجم معها لا دينيا ولا سياسيا ولا ثقافيا، وبالتالي فهي تفضل التعامل مع كيانات صغيرة يسهل اقتيادها. ولهذا فإن العداء لإسرائيل كان ولا يزال ركنا أساسيا في كل الأفكار الوحدوية؛ ليس فقط من أجل نصرة القضية الفلسطينية، بل لأن إسرائيل تمثل عكس كل ما تريد مشاريع الوحدة تحقيقه. فهي الاحتلال في مقابل الاستقلال، وهي الهيمنة في مقابل الحرية، وهي التفتيت في مقابل التجميع.

رابعها هو تشويه فكرة الوحدة والاتحاد باعتبارها مرادفا للتدخل في شئون الآخرين وتبديل الولاءات، وترافق هذا مع الحرب التي تشنها دول عديدة على تجربة الإسلام السياسي، واعتبار أن فكرة التضامن العابر للحدود هو خطر يستهدف تغيير الأنظمة.

كل هذا لا ينفي أن مشاريع الانفصال العربية الحديثة تقدم إجابات خاطئة على أسئلة صحيحة، وهي محاولة للنجاة الفردية على حساب المجموع العام. فمن الإنصاف الإقرار بوجود مشاكل اقتصادية واجتماعية وأمنية وثقافية ومظالم تاريخية لدى هذه المشاريع الانفصالية، سواء في الصومال أو اليمن أو سوريا أو حتى ليبيا، لكن يبقى دائما ثمن الحل الاستئصالي الانفصالي في غالب الأحيان أفدح من ثمن الوحدة.

x.com/HanyBeshr
التعليقات (0)