قضايا وآراء

المرأة الفلسطينية في آذار: تزوير المعاناة

نزار السهلي
عربي21
الاحتفاء بيوم المرأة العالمي، الذي يصادف في الثامن آذار/ مارس كل عام، مناسبة لحضور المرأة العربية والفلسطينية على وجه الخصوص في هذه المناسبة مع كثير من الآمال التي تجمعها بنصفها الآخر الإنسان، الزوج، الأخ، الابن، الحبيب والعشيق.. الجميع مصابون بفاجعة الخسارة التي ازدادت حدتها في العقد الأخير، وكلفة معاناة المرأة الفلسطينية في مخيمات سوريا عالية مع المرأة السورية، أمام الركام البشري الذي حصد أرواح الشقيقات والأحبة.

ولا مجال هنا لتفضيل فاجعة عن أخرى، لكن اعتماد تجاهل معاناة من هم خلف قضبان المعتقلات السورية من نساء فلسطين، وتجاهل مقصود للضحايا من أحبتهم، الإخوة والأزواج والأبناء. وتقديم زغاريد الاحتفاء بيوم المرأة لطمس نحيبها، الهدف منه بعثرة رواية المعاناة والقفز عنها.

قبل أيام قليلة، وثقت مجموعة العمل من أجل فلسطيني سوريا قضاء (486) ضحية من النساء الفلسطينيات منذ بداية المواجهات في سوريا على امتداد الرقعة الجغرافية للأراضي السورية، أي ما يعادل حوالي 16 في المئة من إجمالي الضحايا النساء اللواتي قضين خلال فترة امتداد الصراع الممتدة بين آذار/ مارس 2011 ولغاية آذار/ مارس 2020. والمجموعة وثقت أيضاً اختفاء 40 لاجئة فلسطينية فقدن داخل أقبية الفروع الأمنية للنظام السوري.

وعلى امتداد السنوات الاثنتي عشرة الماضية في سوريا، تم توثيق حالات اغتصاب لنسوة فلسطينيات داخل معتقلات النظام السوري، بعضهن تمكن من الإدلاء بشهادته عما تعرضن له من تعذيب واغتصاب، وكانت شهادة "ثناء الحسين" من مخيم اليرموك التي تم تداولها على وسائل الإعلام قبل عام صادمة لتفاصيلها المرعبة، فضلاً عن وجود عشرات حالات الاعتداء والاغتصاب لنساء فلسطينيات لم يتمكنّ من البوح عن معاناتهن، ولا أسرهن باستطاعتها تناول هذه المعاناة لظروف؛ أمنية واجتماعية ومعنوية ونفسية.

المرأة الفلسطينية السورية من مخيمات اللجوء في سوريا ومنها، تعيش في زمن فلسطيني آخر، مختلف عن أي زمن آخر، فهذه "القنبلة الإنسانية" التي انفجرت عطاء، أخمدها القتل والاغتصاب والاعتقال والتعذيب والهمجية والإهمال لقتل الحقيقة

وبحكم الخلل الذي أحدثه تجاهل معاناة المرأة الفلسطينية بشكل عام في سوريا، وهي الأم أو الزوجة والأخت لكل الضحايا أو ضحية من الضحايا، فإن الطريق الوحيد للغة المتشكلة على شفاههن عرفت المصير نفسه من الحزن المدفون مع جثث أحبة وقد تحولوا لأرقام منسية، لا يذكرها زوار السجان من فلسطين لفرعها في دمشق، ولا يتذكرها من حلم يوماً بأممية الاحتفاء بالمرأة الفلسطينية في مناسبات آذار التي كانت المرأة فيه ليست العنوان فقط، بل الفعل كله كأمٍ لشهيد وأسير الثورة وقد رافقته زغاريد هائلة على جنبات الطرق في أزقة المخيم، وهي رحم أبنائها الولّاد في مخيمات اللجوء.

المرأة الفلسطينية السورية من مخيمات اللجوء في سوريا ومنها، تعيش في زمن فلسطيني آخر، مختلف عن أي زمن آخر، فهذه "القنبلة الإنسانية" التي انفجرت عطاء، أخمدها القتل والاغتصاب والاعتقال والتعذيب والهمجية والإهمال لقتل الحقيقة. فإدراك معاناتها، في قضاياها الإنسانية والسياسية والاجتماعية والنفسية والحقوقية، كمرأة عانت من فقدان الزوج والأخ والأخت والابن قتلاً تحت التعذيب، وإخفاء قسريا وتنكيلا وتعذيبا واغتصابا لها، إدراك لقضيتها تلك، المرتبطة ارتباطا وثيقا بتحرر وطني عام وبنضال فعلي ومباشر ضد إجرام المستبد والمحتل. والقفز عن الأول وتقديم الثاني -أي المحتل- لطمس الجريمة ضدها لا يعني نهاية مأساتها المرتبطة مع أجيال اللاجئين وقد تبعثروا وتمزقوا مع أمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم في سوريا، مع أن المرأة الفلسطينية باعتراف المحتفين بها في آذار وتحديداً في مخيمات اللجوء، لعبت دوراً متميزاً ومشهودا له في الأحداث التاريخية للثورة الفلسطينية، وأثبتت أنها طاقة نضالية أسوة بالمرأة الفلسطينية بشكل عام، ولم تترك مجالاً للجدل حول دورها، إلا في الصمت الحاصل عن معاناتها من المتنكرين لمقولة "بدون النساء لا بمكن أن تقوم حركة جماهيرية حقيقية"، واستبدلوها "بدون سجّان فرع فلسطين لا يمكن أن تكون هناك ممانعة حقيقية إلا بالتطبيع معه".

يفرض وضع المرأة الفلسطينية اللاجئة في سوريا ومنها، ضرورة الاهتمام والرعاية والحماية لنسيج مجتمع اللاجئين بالظروف غير الطبيعية أصلاً لحياة المنكوبين. ومن الحقائق التي لا بد أن نراها في معاناتها اليومية بعيداً عن تذكرها في آذار كواجب منسوخ من أممية تقليده، تلك الحقيقة التي أفرزتها علاقة السلطة والفصائل والنخب مع معاناتها ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا

أخيراً، يفرض وضع المرأة الفلسطينية اللاجئة في سوريا ومنها، ضرورة الاهتمام والرعاية والحماية لنسيج مجتمع اللاجئين بالظروف غير الطبيعية أصلاً لحياة المنكوبين. ومن الحقائق التي لا بد أن نراها في معاناتها اليومية بعيداً عن تذكرها في آذار كواجب منسوخ من أممية تقليده، تلك الحقيقة التي أفرزتها علاقة السلطة والفصائل والنخب مع معاناتها ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.

فالدور السياسي الذي انخرطت به هذه القوى والفصائل مع السلطة عمد لتجاهل المرأة كضحية قتلٍ تحت التعذيب والاغتصاب في فرع فلسطين وما يماثله، وتجاهل كلي لمعاناة فقدان الأحبة في أقبية الفروع السورية، وإنكار وصمت عن مشهد حُفر الإعدام لفلذات الأكباد، وتدمير النسيج الاجتماعي لمجتمع اللاجئين.

بهذه الخلفية يستطيع الإنسان أن يتذكر يوم المرأة، بالنظر لسنوات المعاناة والقهر اليومي الذي تطور في جرأته التحطيمية في شهادات معتقلات فرع فلسطين من نساء المخيم، وفي شهادات فاجعة اللاجئين من مخيم اليرموك، وأن يسأل أي تطور تاريخي وسياسي واجتماعي لحركة وطنية فلسطينية مع ما وصلت له أوضاع المرأة الفلسطينية؟ وقد ساهمت بالدفاع عن شعبها وثورتها، التي تنكرت لها كضحية ونفت وجودها داخل المعتقلات وقاع حُفر الإعدام، والأكثر مأساوية وفاجعة لها مشاهدتها زوار فلسطين يصافحون السجّان والمغتصب وزاهق أرواح الأحبة بتزوير لقبه من مجرم إلى مقاوم.

twitter.com/nizar_sahli
التعليقات (0)