قضايا وآراء

في محاولة أنسنة الطاغية السوري

نزار السهلي
سارعت العديد من الدول للتواصل مع الأسد بعد الزلزال- سانا
سارعت العديد من الدول للتواصل مع الأسد بعد الزلزال- سانا
يمكن لكارثة الزلزال التي ضربت تركيا وسوريا، أن تسمح للإنسان السوري بتأمل دلالة الفاجعة على ضوء المواقف العربية والدولية من الضحايا السوريين، ودعوات التهافت للتطبيع مع النظام وتعزيته بالضحايا، وإهمال المنكوبين أصلاً من بطش النظام.

مع تسجيل المواقف السياسية التي تتمازج معها دعوات رفع العقوبات عن "سوريا" للسماح بوصول المساعدات الدولية لضحايا الزلزال، وتحليل معنى مساندة ودعم ضحايا الزلزال على الأرض، وبالمساحة الجغرافية الممتدة من شمال غرب سوريا في إدلب وريف حلب الشمالي إلى مناطق وبلدات أخرى لا تتبع لسلطة النظام، ظهر بشكل مقصود تجاهل الضحايا وأعدادهم وخسائرهم في وسائل إعلام النظام، وذلك منسجم مع حالة وسلوك نظام زلزل المدن والأرياف السورية بفظاعات كثيرة، استخدم فيها مختلف وسائل التدمير من السلاح الكيماوي وغاز الكلور والسارين، إلى تجريب موسكو مئات الأسلحة والذخائر على الجغرافيا السورية المنكوبة ببراميل متفجرة ودمار شامل وأفران حرق جثث ضحايا التعذيب في المعتقلات.

يجري استحضار التعاطف وإضفاء الطابع الإنساني على النظام السوري، باعتباره مختزلا لسوريا ولحياة السوريين، من خلال محاولته استعادة شكل السلطة القادرة على إدارة شؤون السوريين في الكارثة، لتنظيف جانبه الاستبدادي والوحشي، وبالتالي إبراز وجهه "المدني" بزيارة ساخرة وابتسامة في وجه ضحايا الزلزال وفرصة للرغي مجدداً عن المؤامرة وفقدان الغرب للإنسانية منذ ستة قرون.

الزلزال وارتداداته يأتي بنتائج مُرضية، وتبعث على الطمأنينة في نفس الطاغية السوري، بأن الطبيعة أنجزت ما بدأته آلته التدميرية في المناطق التي كانت وما زالت هدفاً لطائراته ولسلاح حليفه الروسي، والتي سبقت وقوع الزلزال بعشرة أعوام، وكانت عرضة لهزات وحشية من نظام الأسد ضربت السوريين بملايين الأطنان من المتفجرات

يساوي الاختلاف بين الكارثة الطبيعية والبشرية، من وجهة نظر المهرولين بإنسانيةٍ مفاجئة نحو تعزية الأسد والتعاطف معه، في حصر مساندة ضحايا الزلزال بتصوير النظام نفسه ضحية لكل شيء. تَحضُر "المؤامرة والحصار ودور الدولة والاعتراف بها وبكل إجراءاتها السابقة"، وكل ما أصاب السوريين المفجوعين من وحشية النظام وكارثة الزلزال يستحق الإهمال والقفز عن المعاناة.

الزلزال وارتداداته يأتي بنتائج مُرضية، وتبعث على الطمأنينة في نفس الطاغية السوري، بأن الطبيعة أنجزت ما بدأته آلته التدميرية في المناطق التي كانت وما زالت هدفاً لطائراته ولسلاح حليفه الروسي، والتي سبقت وقوع الزلزال بعشرة أعوام، وكانت عرضة لهزات وحشية من نظام الأسد ضربت السوريين بملايين الأطنان من المتفجرات.

تُفضي المقدمات السابقة إلى محاولة "أنسنة" الطاغية السوري المختلس أرض وأرواح السوريين، والتباكي والصراخ عالياً من العقوبات الغربية والأمريكية على النظام، وهي في حقيقتها بحث عن مخرج لمأزق النظام الغارق في دم السوريين، بتعليق كل ما سبق من جرائمه، للنظر في الكارثة الطبيعية وما خلفته من ضحايا، فلذلك يتم اختزال معاناة السوريين بالزلزال وعنوان التعزية والدعم ببشار الأسد ونظامه. وهو فعل قوامه خيانة الضحايا مجدداً، فمن الذي حاصر ويحاصر السوريين ويمنع عنهم الغذاء والدواء والحياة الكريمة؟ هل نعيد القائمة الطويلة لقصف وتدمير معظم مخابز السوريين وقصف وتدمير كل المشافي في معظم المناطق التي ثارت بوجه النظام في كل المدن السورية وقطع الماء والكهرباء عنها، واستهداف معظم الهيئات الإغاثية واغتيال كوادرها باعتبارهم "إرهابيين"، واعتقال وقتل البقية تحت التعذيب ونبش قبورهم وحرقها؟ هل نعيد مشاهد حصار مخيم اليرموك وربطات الخبز المرفوعة من قناصي النظام لاصطياد الجائعين المحاصرين، ومثلها في الزبداني وداريا وغوطة دمشق وفي حصار حلب والقصير ودرعا؟

سياسة الحصار والعقاب الجماعي بجرائم متنوعة للمجتمع والشعب السوري، كانت الدرس البارع الذي قدمه الطاغية السوري في تاريخ سوريا المعاصر، جرائم لا تحمل رموزاً بحاجة لفك تشفير، بقدر الحاجة لتفكيك وحشية النظام ومحاكمته عن كل مأساة وجريمة لحقت بالسوريين.

من أغمض عينيه وأتلف أخلاقه عن الحفرة التي أحدثها زلزال الطاغية في حي التضامن وبقية الحفر في عموم سوريا، بالتأكيد لا يمتلك في بوصلته الملتوية إلا عنوانا وحيدا للتعاطف والتعزية بالضحايا، ودون ذلك، ينطلق هؤلاء من العطب الأخلاقي بوصف ضحايا الزلزال في الشمال السوري ومشاهد الإغاثة البدائية والبطولية التي قام بها متطوعو "الخوذ البيضاء" والدفاع المدني في المناطق المنكوبة في الشمال السوري، على أنها إعادة "لفبركة المشاهد المغرضة"، والجملة مقتبسة لأديبة من أدباء الأسد ولأحد نواب الأسد في مجلس التهريج الحاكم.

في هذا الإغماض ما يزيد المأساة السورية مأساة جديدة، لأن السوري سيواجه عنفاً وقهراً جديداً يضاف لجرائم الطاغية بسبب تصور محاولة "أنسنته" من الشقوق التي أحدثها الزلزال، وقبله عاش السوريون مرارة القهر والذل والقتل والتدمير والتشريد والتفقير. وقائمة المذابح التي طالتهم طويلة، وجرائم الحرب والإبادة والقتل تحت التعذيب وثائقها ثقيلة جداً

هذه هي العقلية التي تمنع عن السوريين صفة الضحايا، وجوهرها المأساوي بكل بساطة الأسدية التي تسطو على ذاكرة السوريين ليقع عليهم قدر العذاب والموت، فمن حاصر السوريين وقتلهم جوعاً وقصفاً، وعاقب بالموت كل نفسٍ قدمت أو فكرت بمد يد العون للضحايا، لا يؤتمن على حياة مكسورة بسواطيره ولا على مستقبل كان ينشده الضحايا بالفرار من وحشيته.

ولعل في هذا الإغماض ما يزيد المأساة السورية مأساة جديدة، لأن السوري سيواجه عنفاً وقهراً جديداً يضاف لجرائم الطاغية بسبب تصور محاولة "أنسنته" من الشقوق التي أحدثها الزلزال، وقبله عاش السوريون مرارة القهر والذل والقتل والتدمير والتشريد والتفقير. وقائمة المذابح التي طالتهم طويلة، وجرائم الحرب والإبادة والقتل تحت التعذيب وثائقها ثقيلة جداً.

مع كل ذلك يغدو الحديث بأنسنة عن النظام بلغة تحجب الأشياء التي لا تفصيل فيها عن رفع العقوبات، والتعميم في ظل كارثةٍ طبيعية بأنسنة وحشية الأسد لإجبار السوريين التعايش معها، تجهيلا وتغييبا لهزة عنيفة أصابت عقل الطاغية وزلزلت كرسيه.. كلمة حرية ومواطنة وعدالة، أخرجت منه وحشية وذعرا.. من ربطة خبز وحبة دواء ورشفة ماء للضحايا، فوق الركام السوري وتحته لا يبرع النظام السوري إلا باستخدام أدوات الجريمة التي أتقنها عن وحشية بكثير من الاستمتاع.

twitter.com/nizar_sahli
التعليقات (3)
أبو العبد الحلبي
الخميس، 16-02-2023 02:35 م
شكراً يا أخي علي . أرجو الله أن يرضى عنك و عني و يوفقنا للخير أنت و أنا و الاستاذ نزار كاتب هذا المقال و أن يصرف الشر و السوء عنكما و عني و عن جميع ابناء أمتنا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب . آمين .
علي
الأربعاء، 15-02-2023 01:25 م
شكرا ياابا عبده الحلبي على تعليقك القيم. الحقيقة أنني قرأت لك عدة تعليقات ووجدتها تنطق بالحقيقة المرة حول الطاغية بشار وأبيه.
أبو العبد الحلبي
الأربعاء، 15-02-2023 04:08 ص
أرى أن مقالك يا أستاذ نزار – حفظك الله و وفَقك – هو من أروعِ المقالاتِ التي تناولت محاولة استغلال كارثة الزلزال من أجلِ تحقيق أغراض سياسية شِرَيرة يستفيدُ منها بالذات هذا الاستعمار الفرعوني الجاثِم على منطقتنا من الخليج إلى المحيط . إنه استعمارٌ شديدُ الحقد بدأ محاولته للسيطرة على سوريا منذ القرن التاسع عشر أي قبل خروجه من العُزلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية . كان أول ما فعلهُ تدبير انقلاب عسكري في سوريا – قبل أي بلد في المنطقة عام 1949- من خلال حُسني الزعيم الذي لم يدُم سوى بضعة شهور حيث جرى انقلابٌ على الانقلاب من خلال الحناوي ، ثم هذا بِدورهِ انقلب عليه أديب الشيشكلي التابع للاستعمار الفرعوني ، و تكررت الانقلابات حتى وصلت سوريا إلى محطة الثامن من آذار/مارس عام 1963 بانقلاب تابع لهذا الاستعمار جرى الإعداد له لسنوات طويلة في عقد الخمسينات من القرن العشرين و كان الأقوى فيه ثلاثة نصيريين -أو بحسب تسمية فرنسا علويين- على الترتيب "صلاح جديد –شديد الشبه ببشار - ، محمد عمران ، حافظ الأسد". كان الاستعمار الفرعوني يريدُ واحداً من الثلاثة ليعطيه منصب الرئاسة ، و كان هذا الواحد لا بُدَ أن تتوفر فيه مواصفات "من ضمنها الاستعداد التام لتدمير سوريا و لقتل المسلمين العرب و لتهجيرهم و لتغيير التركيبة السكانية " فوقع اختياره على حافظ الأسد و دعمه بشكلٍ كبيرٍ حتى تُسيطِر طائفةٌ أقليةٌ على مفاصل سوريا المهمة و منع أي انقلاب جدَيٍ عليه في بلد الانقلابات "كما كانت تُسمَى سوريا" عبر تصفيات واسعة في الجيش و المُخابرات و جعل الضباط الكبار في المناصب المُهِمَة من طائفته مع بعض ضباطٍ طراطير من الأغلبية في مناصب شكلية إعلامية يجري إبرازُهُمْ لخداع الناس من دون أن يكون لهم أدنى تأثير. استمر تحكم حافظ 30 سنة حتى أتاه الموت عام 2000 ، و كان قد قام بتعيين شخصين كنائبين له " خدام و مشارقة" . لكن المفاجأة كانت أنه قد جرى القفز عنهما و قام الاستعمار الفرعوني بتعيين شخص قاصر "دون السنَ القانونية" لا يمتلك أية مؤهلات لمنصب الرئاسة و إنما لديه مواصفات حافظ بل أشدَ. منذ عام 2011 و حتى اليوم ، أنجز هذا الطاغية بشار مع من ساندوه – بتنسيق و بتواطؤٍ دولي و إقليمي – قتل حوالي 2 مليون من أهل سوريا و تهجير 12 مليون "غالبيتهم من المسلمين العرب" أي أنه أنجز للاستعمار الحاقدِ الطمَاعِ كثيراً مما يريده و لا تزال مهمته قائمة و مستمرة . أتت كارثة الزلزال فرصة لإعادة تدوير هذا النفاية المُجرِم و صدرت أوامر الاستعمار لطراطير المنطقة لإرسال مساعدات لسوريا(؟!). لكن هذه المساعدات مع مساعدات ما تُسمَى هيئة الأمم المتحدة ، لها غرضٌ واحدٌ و هو تثبيت هذا الطاغية لإكمال وظيفته فيما سمَاه بغباء "المجتمع المتجانس" علماً بأن سوريا تتحول على أرض الواقع إلى منطقةِ استيطانٍ لمجوسٍ غير متجانسين أتوا من عدة بلدان بعيدة و قريبة.