قضايا وآراء

هل تستعيد النقابات المهنية المصرية دورها؟

قطب العربي
هل تتطور احتجاجات نقابة المحامين؟ - فيسبوك
هل تتطور احتجاجات نقابة المحامين؟ - فيسبوك
اختفت المظاهرات السياسية في الشارع المصري والتي كان آخرها في سبتمبر 2019 و2020، فيما فشلت دعوة التظاهر في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي إبان انعقاد قمة المناخ؛ لا يعود هذا الاختفاء إلى زهد الناس في التظاهر دفاعا عن حقوقهم، ولكن بسبب القمع الشديد الذي رفع تكلفة التظاهر إلى الموت وبالحد الأدنى السجن طويل المدى.

لكن مظاهرات ثلاثا نظمها محامو مصر في الأول والخامس والثامن من كانون الأول/ ديسمبر الجاري رفضا لقيدهم في سجلات خاصة بما يسمى الفاتورة الإلكترونية؛ كسرت حاجز الخوف، وفتحت ثقبا في جدار الصمت، وأعادت الثقة في النفس للكثيرين ممن يئسوا من إمكانية التظاهر مجددا بعد نجاح السلطات في بث الرعب في النفوس.

خرجت المظاهرات هذه المرة من أجل مطلب مهني غير سياسي، ولم يقتصر الرفض لتلك الفاتورة الإلكترونية على المحامين وإن كانوا هم من تصدروا المقاومة لها، لكنه اتسع ليشمل فئات أخرى متضررة مثل المهندسين والصيادلة والأطباء وحتى الفنانين، وقد بدأت نقاباتهم جميعا في إعلان مواقف رافضة في شكل بيانات، أو رسائل موجهة لوزير المالية او لغيره من الجهات المسئولة، أو عبر تهيئة جمعياتها العمومية للتحرك.
لكن مظاهرات ثلاثا نظمها محامو مصر في الأول والخامس والثامن من كانون الأول/ ديسمبر الجاري رفضا لقيدهم في سجلات خاصة بما يسمى الفاتورة الإلكترونية؛ كسرت حاجز الخوف، وفتحت ثقبا في جدار الصمت

أعلنت وزارة المالية تأجيل القيد بتلك السجلات حتى نهاية نيسان/ أبريل المقبل، وهو تراجع تكتيكي بهدف تمرير العاصفة الحالية، لكنه لم ينطل على جموع الغاضبين، خاصة المحامين الذين يطالبون بوقف تام للتسجيل في هذا السجلات الجديدة التي ترتب المزيد من الأعباء المالية غير المبررة من وجهة نظرهم، والتي ينتقل جزء كبير منها إلى المستخدم الأخير أي المواطن العادي.

يعني التسجيل في الفاتورة الإلكترونية توثيق كل الإيرادات والمصروفات لأصحاب المهن الحرة عبر فواتير إلكترونية تسهيلا لمهمة احتساب وتحصيل الضرائب، ويؤكد الرافضون أنهم مسجلون بالفعل في سجلات الضرائب ويدفعون الضرائب المستحقة عليهم، كما يؤكدون أن من غير الممكن حصر مصروفاتهم التي ينبغي ان تقتطع من الإيرادات قبل احتساب الضرائب، وأن البنية التحتية التكنولوجية غير مهيأة حتى الآن للتعامل مع هذه الفواتير، ناهيك عن الشكوك المحيطة بالسلطة وأنها تستهدف فقط جمع ما تستطيع من جبايات لسد عجوزاتها المالية؛ دون أن تقدم تبريرات منطقية لهذه العجوزات والتي يعرف الناس أنها بسبب مشاريع كبرى ولكنها غير ضرورية، او غير ذات أولوية.

ولأن الغضب النقابي هذه المرة انصب على مشكلة مهنية غير سياسية، تمس كل محام أو طبيب أو صيدلي أو فنان بشكل مباشر، ولأن أكبر المتضررين هم المحامون فقد توحدوا في مشهد نادر، لا يتكرر كثيرا، وفشلت حتى الآن محاولات التشويه التي تشنها السلطة بطرق مباشرة أو غير مباشرة وعبر وكلائها ضدهم، واتهام بعضهم بأنهم أصحاب أجندات سياسية، أو أن هناك من يندس بين المحامين من غيرهم لتعكير العلاقة مع السلطة.. إلخ.

ليس جديدا على نقابة المحامين أن تقود العمل النقابي أو حتى السياسي، فهي منذ تأسيسها في العام 1912 تقوم بهذه الأدوار، بدءا من كونها أحد منابر ثورة 1919، ومشاركتها في مفاوضات جلاء الاحتلال الإنجليزي عن مصر، ورفضها لانقلاب 1952 ومطالبتها للعسكر بالعودة للثكنات وتسليم السلطة لحكومة مدنية؛ ما تسبب في صدور قرار بحل مجلسها عام 1954، ثم مواجهتها للسادات عقب زيارته إلى إسرائيل، ومناهضتها مع غيرها من النقابات للتطبيع مع الكيان الصهيوني.
توحدوا في مشهد نادر، لا يتكرر كثيرا، وفشلت حتى الآن محاولات التشويه التي تشنها السلطة بطرق مباشرة أو غير مباشرة وعبر وكلائها ضدهم، واتهام بعضهم بأنهم أصحاب أجندات سياسية، أو أن هناك من يندس بين المحامين من غيرهم لتعكير العلاقة مع السلطة

وتمثل نقابة المحامين أحد أضلاع المثلث الذهبي الذي قاد النضال ضد الاستبداد السياسي في عهد مبارك، إلى جانب نقابة الصحفيين ونادي القضاة الملاصقين لها، وكان النشطاء السياسيون يطلقون على جزء من شارع عبد الخالق ثروت الذي تطل عليه النقابات الثلاث "المنطقة المحررة"، حيث لم تقتصر نقابة الصحفيين على معاركها من أجل حرية الصحافة أو الحريات عموما، بل إنها احتضنت على سلالمها وقفات العديد من الفئات المجتمعية التي تعرضت لمظالم فئوية، ولم تجد مكانا غير سلالم نقابة الصحفيين للتعبير عن نفسها في ظل حماية نسبية من البطش. وقاد نادي القضاة منذ العام 2005 معركة استقلال القضاء في مصر، وهي المعركة التي كانت أحد التمهيدات المهمة لثورة 25 يناير 2011.

لم يقتصر النضال ضد الاستبداد على هذا المثلث الذهبي، بل شمل غالبية النقابات المهنية المصرية التي لعبت أدوارا أكبر من الأحزاب السياسية منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي مع فوز الإخوان بم جالسها، أو العضوية المؤثرة فيها. وقد شُكلت لجنة للتنسيق بين النقابات والقوى السياسية، وكانت تلك اللجنة بابا خلفيا للقوى المحظورة سياسيا في مصر مثل الإخوان والشيوعيين، وكانت مقار النقابات المهنية منبرا مفتوحا للعديد من الأنشطة الوطنية والعامة أكبر مما شهدته الأحزاب السياسية الرسمية والتي كانت محاصرة داخل مقارها.

النقابات المهنية تمثل الطبقة الوسطى في كل المجتمعات العربية، وهذه الطبقة هي رمانة الميزان لأي تحول أو تغيير سياسي، وبالتالي فلا عجب أن تكون النقابات المهنية في طليعة القوى النشطة من أجل الإصلاح والتغيير. فإلى جانب ما شرحناه عن النقابات المصرية فإن النقابات الأردنية تلعب دورا مقاربا، كما أن تجمع المهنيين السودانيين كان جزءا أساسيا من طليعة الثورة السودانية، وهذا الحال في غالب البلدان التي تتمتع بهامش ديمقراطي.. والسؤال الآن: هل ستكون انتفاضة المهنيين الأخيرة في مصر خطوة على طريق استعادة الدور الوطني المفقود للنقابات المهنية؟

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (0)