قضايا وآراء

سهم واحد وعدة أهداف يحققها القناص أردوغان في مدريد

ياسر عبد العزيز
1300x600
1300x600
في تغريدة على تويتر كتب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون؛ "إنه خبر رائع ونحن نستهل قمة الناتو".

هكذا رأى جونسون انضمام استوكهولم وهلسنكي انتصارا، بعد أن وافقت تركيا على تمرير عضويتهما في حلف الناتو، بعد توقيع اتفاق ثلاثي بين تركيا والسويد وفنلندا.

مخاوف وضغوط

أربعة أشهر ونيف على العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، قضمت فيها روسيا مساحة لا بأس بها من الأراضي الأوكرانية، وهددت العاصمة كييف أكثر من مرة، وتغيرت تكتيكات موسكو مرات بين الاجتياح الشامل والضربات الخاطفة، لكن القاسم المشترك بين كلا التكتيكين هو تدمير البنية العسكرية والمدنية لأوكرانيا، التي قاومت بشرف، وغُرر بها بمزاعم الدعم الغربي الذي لم يصل لمستوى يجعل الأوكرانيين يصمدون أمام الآلة الحربية الروسية الجبارة، بحجة أن كييف ليست عضوا في الحلف العسكري الغربي المنشأ، على خلفية الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفييتي ووريثته روسيا الاتحادية.

هذه التبريرات جعلت كلا من فنلندا الجار لروسيا ومن خلفها السويد؛ تهرعان للانضمام للحلف حتى لا يصيبهما ما أصاب أوكرانيا من الدب الشرس.
كل ذلك شكّل ضغوطا مدفوعة بمخاوف لكل من السويد وفنلندا، تضخمت مع الدفع الأمريكي لترسيخ فكرة الحرب العالمية الثالثة، واجتياح روسيا لكل أوروبا، واستخدام الآلة الإعلامية لتصوير بوتين على أنه هتلر القرن الواحد والعشرين

وفي مقال "أوكرانيا حرب الفرص"، شرحنا في أجزائه الثلاثة، أهداف الفاعلين والمتأثرين في تلك الحرب، التي انطلقت بهدف حرّفته الظروف وعدم القراءة للواقع على النحو الذي يمكن من خلاله أن تحقق روسيا -مطلقة الرصاصة الأولى- أهدافها منها. فحتى إصرار موسكو على تسمية ما يحدث في أوكرانيا بأنه عملية عسكرية، هو هروب من الواقع، في حقيقة تؤكد أن استخدام كل الأسلحة باستثناء النووي والدفع بكل التشكيلات العسكرية، لا يمكن إدراجه إلا تحت بند الحرب الشاملة، وحينما يصاحب ذلك اجتياحا لكل بقاع أوكرانيا، فإن ذلك يصنف بالغزو.

كل ذلك شكّل ضغوطا مدفوعة بمخاوف لكل من السويد وفنلندا، تضخمت مع الدفع الأمريكي لترسيخ فكرة الحرب العالمية الثالثة، واجتياح روسيا لكل أوروبا، واستخدام الآلة الإعلامية لتصوير بوتين على أنه هتلر القرن الواحد والعشرين. وفي ذلك أهداف ترمي لها أمريكا، ذكرناها في الأجزاء الثلاثة للمقال المذكور، لكن الغريب أن قادة أوروبا مرغمون على تصديق الكذبة، وذلك لتأثرهم بحالة الرهاب الشعبي من جهة، والأزمة الاقتصادية التي خلفتها الحرب بين أكبر موردين للطاقة والغذاء في العالم من جهة أخرى.

ولا يخفى أن العقوبات الانتقامية التي فرضتها أمريكا ومن ورائها حلفاؤها من الغرب على استحياء قد زادت من وطأة هذه الآثار. وفي ظل كل هذه المخاوف والضغوط، استفادت تركيا من لائحة "الناتو" في وقف طلب السويد وفنلندا للانضمام للحلف، لا سيما أن تحفظاتها مشروعة ومتوافقة مع روح الحلف العسكري الأمني، وكان القناص بالمرصاد وأوقع الجميع بطلقة واحدة (يرجى الرجوع لمقال "أردوغان قناص بدرجة رئيس دولة"، وكيف استطاعت أنقرة الاستفادة من مخاوف ليس السويد وفنلندا فقط، بل الغرب الذي يرى أن يبدأ الحرب المحتملة من الخطوط الأمامية، ولا ينتظر وصول النيران إلى ذيل ثوبه).

خطة اللعب

"قالت تركيا؛ إنها قد تدعم مساعي السويد وفنلندا للحصول على عضوية حلف "الناتو"، وإنها تتفهم المخاوف التي تدفعهما إلى السعي لهذه العضوية، وفي مؤتمر صحفي أوضح وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، بعد جلسة وزراء خارجية الحلف، أن مطالب فنلندا والسويد الحصول على عضوية الناتو، ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا مشروعة، وأن بلاده لن تقف أمامها، وأن استخدامها حق الاعتراض (الفيتو) إنما جاء لوجود مخاوف من قبل بلاده على انضمام البلدين إلى الحلف، وعلى الأعضاء المطالبين بالانضمام تقديم إجابة شافية عليها" (مقتبس من مقال "أردوغان قناص بدرجة رئيس دولة").

وبعد تصريحات تشاووش أوغلو، جاءت تصريحات أكثر قوة من رئيس الدولة وقبل أيام من قمة "الناتو"، جاء فيها أن بلاده ليست ضد توسيع الحلف، لكنها ترفض ضم دول تدعم التنظيمات الإرهابية، ليؤكد أن المبادئ ومنطلقات الحلف التي من ضمنها محاربة الإرهاب؛ هي الدافع وراء موقفه، ويؤكد أن تركيا "الجديدة" لن تتنازل أبدا عن مبادئها، ولن تقبل بانضمام أي دول للحلف ما لم تلب شروطها، ليهرع إلى أنقرة رئيس فنلندا ورئيسة وزراء السويد، ويسبقهما رئيس وزراء إسبانيا، ليثنوا أردوغان عن موقفه. وتتواصل اتصالات الغرف المغلقة والمفتوحة بين الرئيس الأمريكي والرئيس التركي، وبين قادة الاتحاد الأوروبي وأنقرة، وأمين عام الحلف، لإثناء أردوغان عن موقفه، مع إعلان عن تفاهمات لم تقرها أنقرة.
هذه المذكرة، أو الاتفاق، وما تضمنت من إنجازات كبيرة، تؤكد تمكين تركيا من حفظ أمنها، وتوجه ضربة للمنظمات الإرهابية، إلا أنها ترسخ الوجود التركي في الجسد الأوروبي، رغم رفض أوروبا أو تمنعها عن أن تصبح تركيا جزءا من ذلك الجسد

ويواصل القناص الضغط حتى آخر لحظة، وقبيل صعوده للطائرة التي ستقله إلى اجتماع قادة الدول الأعضاء في الحلف، كان أردوغان متمسكا بموقفه، وقال للصحفيين إنه ذاهب لمدريد لكشف الحقائق بالمستندات. ورتب أمين عام الحلف اجتماعا لأردوغان مع قادة السويد وفنلندا، ولم يخرج أردوغان أدلته للعلن، لكنه فيما يبدو عرضها في اجتماعه الثلاثي كورقة ضغط أخيرة، قبل أن يخرج الثلاثة ومنسق الاجتماع إلى الصحفيين باتفاق ثلاثي، يزيل فيتو تركيا مقابل تعهدات تعد انتصارا لأنقرة.

سهم واحد وعدة أهداف في مدريد

بعد اجتماع ليس بالقصير رُتبت أوراقه من عدة دول، خرج الأمين العام للناتو والرئيس التركي والرئيس الفنلندي ورئيسة وزراء السويد ووزراء خارجيتهم، ليعلنوا التوصل لاتفاق يمهد لانضمام كل من السويد وفنلندا لعضوية الحلف.

وفي التفاصيل، تتعهد كل من السويد وفنلندا بالتعاون التام مع تركيا في مكافحة التنظيمات الإرهابية، المتمثلة في تنظيم "بي كا كا" وتنظيم فتح الله غولن التركيين، وتنظيمي "بي واي دي/ واي بي جي" السوريين، وعدم توفير الدعم لها بأي صورة، وتعهد كل من السويد وفنلندا بإدانة هجمات التنظيمات الإرهابية كافة ضد تركيا بشكل واضح وصريح. وتتبادل الدول الثلاث المعلومات الاستخباراتية، في هذا الشأن، وغيره، كما تتعهد كل من السويد وفنلندا بتسليم المطلوبين لتركيا وفقا لتشريعات الاتحاد الأوروبي، كما تعهدتا بدعم تركيا في الانضمام لاتفاق PESCO الخاص بالتعاون الدائم في مجال سياسات الأمن والدفاع في الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، تتعهد تركيا بدعمها التام للسويد وفنلندا في مواجهة التهديدات التي تطال أمنهما القومي.

هذه المذكرة، أو الاتفاق، وما تضمنت من إنجازات كبيرة تؤكد تمكين تركيا من حفظ أمنها، وتوجه ضربة للمنظمات الإرهابية، إلا أنها ترسخ الوجود التركي في الجسد الأوروبي، رغم رفض أوروبا أو تمنعها عن أن تصبح تركيا جزءا من ذلك الجسد.

إذن، فإن هذه المذكرة وهذه النجاحات لم تكن نتاج جهد دبلوماسي وسياسي يدرس لحكومات طاب لها الانبطاح والانصياع، بل هو سهم مضيء أطلقته أنقرة في فضاء عواصم دول الحلف، بأن تركيا التي وصفها الرئيس أردوغان في أحد خطبه في سياق تعليقه على طلب السويد وفنلندا الانضمام للحلف بأنها "الجديدة"؛ ليست تركيا التي اعتاد الغرب أن يأمرها فتطيع، ويسلب حقوقها أو يهضمها وتتقبل.
ضرب سهم القناص أردوغان عدة أهداف برمية واحدة، إذ ضرب المنظمات الإرهابية قبيل العملية العسكرية التي ينوي إطلاقها خلال أيام، ويحفظ أمن بلاده من جهة الخارج ويقلل الثغرات، ويطمئن الجبهة الداخلية

لقد ضرب سهم القناص أردوغان عدة أهداف برمية واحدة، إذ ضرب المنظمات الإرهابية قبيل العملية العسكرية التي ينوي إطلاقها خلال أيام، ويحفظ أمن بلاده من جهة الخارج ويقلل الثغرات، ويطمئن الجبهة الداخلية والمواطن الذي يقاتل ابنه وكلاء سماسرة الموت في جبال تركيا والعراق وصحاري سوريا، هذا المواطن الذي يحتاجه القناص أردوغان بعد أشهر ليؤكد ثقته فيه وفي حزبه الذي يحمي وطنه ويحافظ على أرواح شعبه وشبابه، يصوت له لأنه وفر له أحدث الأسلحة، لا سيما وأن الاتفاق الثلاثي سبقته ترتيبات وترضيات غربية، قد تشمل طائرات "أف 16". ضرب سهم القناص طريقا دبلوماسيا بين القوى الكبرى بخلق استراتيجية توازن، بإبقاء قنوات الاتصالات مفتوحة مع جميع الأطراف، في ظل امتلاك أوراق الضغط تارة والمناورة تارة أخرى، وفي حالة انعدامها تتم صناعتها من خلال تحيّن الفرص والانقضاض عليها.

لا شك أن تركيا لم تعد تلك الدولة المكلفة بحراسة الجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو، ولم تعد ترانزيت دوائر استخباراته، بل غدت في مصاف اللاعبين الكبار مثلها مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. لقد استطاع القناص أردوغان وفريقه رسم ملامح السياسات وحدود التعامل لتركيا كواحدة من الدول الفاعلة في محيطاتها الممتدة في أوروبا والقوقاز وحوض البحر المتوسط، لتخرج من هذه الفضاءات إلى فضاءات العالم في قضاياه الكلية، وما كان ذلك ليكون، إلا بصناعة رؤية استراتيجية والعمل عليها من خلال خطط عملية تلمس الواقع وتتطلع للمستقبل.
النقاش (0)