قضايا وآراء

كي تستفيد فلسطين من التعاطف مع الأزمة الأوكرانية

حافظ رفيق فارس
1300x600
1300x600
موجة القلق المجتاحة لشعوب العالم جراء الحرب على أوكرانيا يعبر عنها انشغالها بملاحقة أخبارها لحظة بلحظة، لتكون في صدارة المتلقين لسبق كل تطور في خط سيرها، مع وجود زيادة اهتمام للبعض بقراءة التحليلات والتقديرات السياسية المتنبئة بمآلات الحرب وآثارها على مجريات حياتهم، وعلى أمنهم الغذائي.. متابعة واهتمام تنتجهما هواجس اندلاع حرب عالمية ثالثة، ينذر بها العناد الروسي المدجج بالتحدي لأمريكا وشقيقاتها في حلف الناتو.

حديثة العهد هي الحرب على أوكرانيا وأيامها معدودات، ومع ذلك أُمطرت روسيا خلالها بعقوبات اقتصادية تم اتخاذها وتنفيذها بسرعة، سبقت كتابة سطورها لتفتح باب الاعتقاد أن الأمر مخطط سلفا. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى وجهوا ضربات قاسية لاقتصاد روسيا، طالت كل ما يجعله يترنح ويدفعه خلفا إلى حيث الانهيار، ونزيف خسائره الباهظة مستمر، وأدخل قيمة الروبل الروسي في انخفاض لم يعهده منذ تسعينيات القرن الماضي.

عقوبات تلك الدول تواترت بسرعة، وبالتوازي معها تم تدشين خطوط لإمداد أوكرانيا بأحدث أنواع السلاح الذي يصنع من جيشها وشعبها قوة تستطيع مقاومة الجيش الروسي، وتم تشجيع سفارات أوكرانيا في عدة دول على فتح أبوابها أمام المتطوعين الأجانب الراغبين في الالتحاق بالفيلق الدولي للدفاع عن أوكرانيا، كما كان حاضرا بجلاء حرص القبيلة الشقراء على خص لاجئي أوكرانيا بمعاملة متميزة في المرور إلى دول الجوار وفي المطعم والمشرب والمسكن، وتوفير كل مستلزمات الراحة والرفاهية لهم، كونهم من بني قبيلتهم المستنسخة من عقلية عنصرية، تعطي نفسها أفضلية عن باقي البشر. بصرف النظر عن الأهداف الحقيقية لكل ما سبق سرده من عقوبات على روسيا وامتيازات لأوكرانيا وشعبها ولاجئيها، الذين نتمنى لهم السلامة، كما نتمنى لشعبنا الذي يستحيل عليه تجاهل المفارقات المؤلمة التي تجلت في تعامل الغرب مع الأزمة الأوكرانية، التي وضعت شعبنا في صورة ما تَخَلّفَ العالم عن اتخاذه بحق الاحتلال الإسرائيلي المغتصب لأرضه منذ 74 سنة.

أول المفارقات: الأزمة الأوكرانية شهدت سخاء منقطع النظير في دعمها وإسنادها رغم أن عمرها أيام، بينما فلسطين محتلة منذ 27 ألف يوم وعشرة (648.240 ساعة)، تخللتها حروب ومجازر وانتفاضات ارتقى خلالها 100 ألف شهيد، بينما عاش تجربة الأسر في سجون الاحتلال أكثر من مليون فلسطيني، ومع ذلك لم ولا نرى سوى سخاء في المواقف الداعمة للاحتلال الإسرائيلي.

ثاني المفارقات: وضع مختلف وسائل الإعلام العالمية تحت تصرف حشد الدعم لأوكرانيا، وتنصيبها ذراعا إعلاميا يكثف جرعات الخطاب المثير للتعاطف مع الشعب الأوكراني، والمحرض على روسيا، بينما الرواية الفلسطينية لم تجد منهم سوى المحاربة والحجب طيلة عقود نكبتها.

ثالث المفارقات: التعامل مع روسيا باعتبارها احتلالا يجب مقاومته، ويجب على كل الحكومات والشعوب إمداد أوكرانيا بالسلاح ورفدهم بحاجتهم من الشباب المقاوم، بينما إسرائيل ليست احتلالا، واعتبروا كل من يستخدم بحقها ما يأمرون به القوم اليوم، إرهابا قتلوا باسمه شعوبا، ودمروا دولا، وأسقطوا أنظمة.

ووسط هذه المفارقات المؤلمة، يمكن لنا نحن الفلسطينيين شق طريقنا نحو إحداث اختراقات لدى القواعد الشعبية الغربية المتعاطفة اليوم مع أوكرانيا والرافضة لفكرة احتلال روسيا لها. فالحرب على أوكرانيا حدث عالمي مهم، حامل لمقومات الاستفادة منه فلسطينيا، فنحن اليوم علينا مسؤولية العمل لاستثمار المزاج الشعبي الغربي الرافض لفكرة الاحتلال، والمتعاطف مع الشعب المحتل، والمتقبل لفكرة المقاومة، ونعمل على جعل قضيتنا العادلة حاضرة وبقوة لدى هؤلاء لتوسيع مساحة فضح الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه للتأثير في ذهنيتهم، وكسب المزيد من التعاطف مع قضيتنا. وهذا يدخل في دائرة الممكن عن طريق وضع خطة فلسطينية مدروسة، مسؤوليتها التذكير بمعاناتنا ومأساتنا الممتدة منذ النكبة، واستحضارها مع معاناة الشعب الأوكراني التي لم تصل إلى الحد الأدنى من معاناة الشعب الفلسطيني؛ فنحن نمتلك أرشيفا ضخما يفيض بالأحداث والمشاهد الإنسانية المنتزعة لتعاطف كل ضمير حر تستعصي نفسه على قبول الظلم.

يتولى تنفيذ الخطة مكونات الشعب الفلسطيني في مختلف البلدان الغربية (سفارات السلطة، جالياتنا الفلسطينية أفرادا ومؤسسات)، إلى جانب جالياتنا العربية والإسلامية والمؤسسات والشخصيات الغربية الداعمة لحقنا، مع الاستعانة بكل تقارير المنظمات الأممية والدولية التي تدين الاحتلال وتفضح عنصريته وجرائمه، واستحضار النصوص القانونية الدولية التي تعطي الشعب المحتل حق مقاومة الاحتلال بكل الوسائل، مع تأكيد الازدواجية التي تتعامل بها حكوماتهم مع الشعبين الأوكراني والفلسطيني، انطلاقا من حسابات متناقضة تماما مع المبادئ التي يتغنون بها، ويعزفون ألحانها بانتقائية تتجاهل فكرة أن الضحية تبقى ضحية، والاحتلال يبقى احتلالا، بصرف النظر عن لونه ودينه.
التعليقات (0)