سياسة تركية

تركيا تنتقل إلى 2022 بمحاولة "تصفير المشاكل" مع خصومها

محمد بن زايد وصل إلى أنقرة في 24 نوفمبر الماضي- الأناضول
محمد بن زايد وصل إلى أنقرة في 24 نوفمبر الماضي- الأناضول

تميز 2021 في تركيا، بأنه عام التحولات في السياسة الخارجية في العلاقات الإقليمية، والانتقال من مرحلة الصدام إلى مساع لسياسة "تصفير المشاكل" مع العديد من الدول منها الإمارات ومصر.

 

تطبيع متباطئ مع مصر

 

وبعد تصعيد بين البلدين في منطقة شرق المتوسط وبين ليبيا عام 2020، فقد حدث تحول في العلاقة بين القاهرة وأنقرة بعد انقطاع دبلوماسي منذ عام 2013، وعقد أول لقاء بين البلدين في أيار/ مايو 2021 في القاهرة، تلاه لقاء آخر في أيلول/ سبتمبر الماضي في أنقرة.

 

ورغم الحراك الإيجابي بين البلدين، فإن خطوات التقارب بينهما تسير بشكل بطيء، حيث لم تسفر المحادثات مع دخول عام 2022 عن عودة سفراء البلدين.

 

وتصر مصر على موقفها بشأن سحب القوات التركية من ليبيا، فيما ترفض تركيا تسليمها أي معارض مصري لجأ إليها.

 

ويرى مراقبون أن عوامل عديدة أبرزها التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط، واحتياطيات الغاز المكتشفة في شرق المتوسط، وتغير الإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية، ساهمت في بدء الحراك الدبلوماسي بين تركيا ومصر.

 

وفي 30 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي ألمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى إمكانية حدوث تطورات في العلاقات مع مصر، مؤكدا أنها مستمرة حاليا على مستوى الوزراء.

وقال أردوغان خلال مقابلة مع قناة "تي آر تي1" التركية، إن "العلاقات مع مصر متواصلة على المستوى الوزاري، ويمكن أن تحدث تطورات مختلفة للغاية بهذا الخصوص أيضا"، دون توضيح طبيعة هذه التطورات.

 

قفزة مفاجئة مع الإمارات

 

وكان التحول الأبرز في عام 2021، الزيارة المفاجئة لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي لأنقرة، ولقائة الرئيس التركي.

 

وشهدت العلاقات بين تركيا والإمارات توترا كبيرا، وتواجه الأخيرة اتهامات من أنقرة بتشكيل تحالف معاد لها في المنطقة.

 

اقر أيضا: كيف كانت العلاقات بين أنقرة وواشنطن في العام 2021؟
 

وكان بارزا حجم الخلاف بين البلدين، مع اتهام تركيا للإمارات بدعم محاولة الانقلاب في 15 تموز/ يوليو 2016 من خلال تقديم دعم مالي لمنظمة "غولن"، وكانت البلدان الأفريقية منطقة صراع بينهما لاسيما ليبيا.

 

ولطالما وصف مسؤولون أتراك الإمارات بأنها تمثل قيادة القوى المعادية لتركيا في المنطقة، كما أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، هدد بأن بلاده "ستحاسب" الإمارات في الزمان والمكان المناسبين إزاء "أنشطتها الضارة بليبيا وسوريا".

 

وكان أكار قد وصف الإمارات بأنها "دولة وظيفية تخدم غيرها سياسيا أو عسكريا ويتم استخدامها عن بعد"، واتهمها بدعم منظمات تعتبرها أنقرة "إرهابية".

 

وفي الزيارة التي قام بها محمد بن زايد، وقعت تركيا والإمارات عددا من الاتفاقيات، في ظل الحديث عن توقيع اتفاق لتبادل العملات بينهما، ومفاوضات بشأن "الطريق البري" التجاري بينهما.

 

وأعلن الرئيس التركي أنه سيزور الإمارات في شباط/ فبراير المقبل على رأس وفد عالي المستوى، لتوقيع اتفاقيات جديدة بين البلدين.

 

ورغم القطيعة بين البلدين، فإن العلاقات التجارية لم تتأثر كما حدث مع مصر والسعودية، وبحسب جمعية المصدرين الأتراك، فإن صادرات تركيا للإمارات بلغت 2.8 مليار دولار في عام 2020، فيما بلغت 4.9 مليار دولار مع نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2021.

 

العلاقات مع السعودية

 

وتوترت العلاقات بين تركيا وبين السعودية بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، ورغم التسارع في وتيرة تطبيع العلاقات مع الإمارات ومصر، فإنها لم تكن بذات القدر مع السعودية.

 

ومؤخرا قال الرئيس التركي، إن بلاده تسعى إلى تحسين العلاقة مع الرياض، قائلا: "سنعمل على الارتقاء بالعلاقات مع السعودية إلى مكانة أفضل".

 

اقرأ أيضا: محللون: قضايا شائكة تبطئ تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر
 

وتخوض السعودية مقاطعة غير معلنة للبضائع التركية، فيما أغلقت السلطات العديد من المدارس التركية في المملكة، وشهد أيار/ مايو الماضي أول زيارة لوزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو إلى المملكة بعد جريمة مقتل خاشقجي، فيما أجرى وزير التجارة السعودي ماجد عبد الله القصبي، في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، زيارة إلى أنقرة.

 

وبحسب الأرقام التركية، فإن الصادرات التركية التي انخفضت إلى 2.5 مليار دولار عام 2020، وصلت إلى 235 مليون دولار في 11 شهر من العام 2021، وبينما تجاوزت المشاريع التي نفذها المقاولون الأتراك في السعودية عام 2018 الثلاثة مليارات، فقد انخفض هذا الرقم إلى 21 مليون دولار في عام 2020، ووصل إلى 164 مليون دولار في 11 شهرا من العام 2021.

 

العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي 

 

وتدهورت العلاقات بين تركيا وبين الاحتلال الإسرائيلي عام 2018 بعد استدعاء أنقرة سفيرها على خلفية المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق الفلسطينيين، فيما قامت بطرد السفير الإسرائيلي ونائبه.

 

وانتهج الموقف التركي الرسمي والشعبي، سياسة تهاجم الاحتلال الإسرائيلي بسبب انتهاكاته في الأراضي الفلسطينية، لا سيما في أيار/ مايو الماضي مع العدوان على قطاع غزة.

 

وبعد وصف الكيان الإسرائيلي بأنه "دولة إرهاب"، فقد وصف أردوغان قادة الاحتلال الإسرائيلي بأنهم "قتلة لدرجة سفكهم دماء شيوخ وأطفال ونساء"، مضيفا أن "هؤلاء لا يشبههم أحد"، فيما دعا المجتمع الدولي إلى تلقين "إسرائيل درسا حازما"، مشددا على ضرورة العمل على نشر قوات دولية لحماية الفلسطينيين.

 

وبعد حادثة اعتقال الزوجين الإسرائيليين في إسطنبول، أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت اتصالا هاتفيا بالرئيس التركي، عُدّ الاتصال الأول لرئيس وزراء إسرائيلي منذ عام 2013.

 

وفي الاتصال الهاتفي مع رئيس دولة الاحتلال هرتسوغ، أشار أردوغان إلى إمكانية تقليل اختلافات وجهات الرأي، في حال تم التوصل إلى تفاهم متبادل حول القضايا الثنائية والإقليمية، مشددا على أهمية العلاقات التركية-الإسرائيلية من أجل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

 

وفي 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قال أردوغان: "سبق أن عقدت لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين، وعلى إسرائيل أن تتعامل بحساسية أكبر مع القضية الفلسطينية، وعندما نرى الحساسية المطلوبة من إسرائيل، فإننا سنقوم بما يلزم عندئذ".

 

وردًا على سؤال حول إمكانية إعادة تعيين السفراء بين تركيا وإسرائيل، قال: "من الممكن حدوث ذلك، إسرائيل تدرك حساسيتنا تجاه بعض الأمور وكذلك نحن، ومع مراعاة هذه الحساسيات يمكن أن نحل الخلافات".

 

تقييم بشأن العلاقات

 

الكاتب التركي فائق بولوت، أشار إلى أن مسار التطبيع في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام جاء بعد وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السلطة وتغييره بعض السياسات في منطقة الشرق الأوسط.

 

وأضاف في حديث لـ"عربي21"، أن السلطات التركية لم تحقق مآربها في ظل العلاقات المقطوعة مع العديد من الدول، وبدأت بالتراجع بسبب ما ذكر أنها "السياسة الخارجية غير المدروسة" و"الأزمة الاقتصادية التي تواجهها تركيا"، وقد بدأت أنقرة بالتقارب مع تلك الدول.

 

اقرأ أيضا: تفاوض تركي إماراتي على "الطريق البري".. واتفاق حول ليبيا
 

وأشار إلى أن دول الخليج، لا سيما الإمارات رأت أن هناك ثغرة في ما يخص الاستثمارات التركية، وبدأت عملية التطبيع مع تركيا، مشيرا إلى أن مسار التطبيع يتعلق بالجانب الاقتصادي بالأساس.

 

وحول مصر، فقد أشار إلى أن هناك العديد من الشروط المصرية ما زالت موجودة تتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، والمعارضين المصريين المقيمين في تركيا، وصحيح أن المفاوضات بين أنقرة والقاهرة قطعت مسافة معينة، لكن هناك مشاكل كبيرة ما زالت قائمة.

 

وتابع بأن الأمر ذاته ينعكس على العلاقات التركية الإسرائيلية، لا سيما أن أنقرة تبدي دعمها لحركة حماس، مستبعدا في الوقت ذاته أن تبدي تركيا أي تنازلات للاحتلال الإسرائيلي تؤثر على علاقتها مع السلطة الفلسطينية وحركة حماس.

 

ورأى أن عمليات التطبيع بين تركيا والإمارات ومصر والسعودية وإسرائيل، قد تسير بخطوات متوازنة ومرحلية، ولن تكون بالمستوى العالي، لافتا إلى أن هناك ترددا من الرياض بشأن العلاقات مع تركيا.

 

وأوضح أن مسار التطبيع قد يسير وفقا لمسارات موازين القوى في الشرق الأوسط بأبعادها الدولية والإقليمية والمحلية.

 

الكاتب التركي سيدات أرغين، أشار في تقرير على صحيفة "حرييت"، إلى التحالفات التي تشكلت في المنطقة لا سيما في شرق المتوسط وقد أثرت سلبا على أنقرة.

 

ورأى أن تفكيك التحالفات والذي تشكل بسبب الموقف التركي من الانقلاب في مصر، ضرورة ملحة بالنسبة لتركيا.

 

ولفت إلى أن مصر تتصرف ببطء تجاه التطبيع مع تركيا، لأن الرغبة جاءت بالأساس من الجانب التركي.

 

وتابع بأن هناك شروطا مصرية تتمثل في تسليمها بعض الشخصيات المعارضة المقيمة في تركيا، بالإضافة لكبح قنوات التلفزة المعارضة لنظام السيسي العاملة في إسطنبول وسط خطوات تركية بشأن هذه القنوات.

 

ورأى أنه لا يمكن القول بأن جميع القضايا المطروحة على الطاولة تم حلها، وسيكون رفع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفراء علامة مهمة على التقدم، ولكن من الممكن القول إن عملية تحسين العلاقات بدأت بالفعل.

 

أما بالنسبة للإمارات، فأشار الكاتب إلى أن الوضع معها مختلف عن مصر، لا سيما أن تطبيع العلاقات جاء برغبة من الإمارات التي تعيد تنظيم سياساتها في المنطقة، وخطوات بشأن العلاقات تسير بشكل متسارع.

 

ورأى أن السعودية هي البلد الأصعب في تقدم خطوات التطبيع في العلاقات، مشيرا إلى أن جريمة قتل خاشقجي أضرت بالعلاقات بشكل كبير جدا، لا سيما بسبب الموقف التركي الدولي تجاه هذه القضية.

 

وأشار إلى أن زيارة تشاووش أوغلو إلى السعودية في أيار/ مايو الماضي لم تسفر عن نتائج ملموسة.

 

التعليقات (0)