كتاب عربي 21

الجنوب أفريقيون في إسرائيل: الملاذ الأخير للمستعمرين البيض في آسيا

جوزيف مسعد
1300x600
1300x600
انتقل أكثر من 20 ألف يهودي من جنوب أفريقيا إلى فلسطين منذ عشرينيات القرن الماضي، وبعد ذلك إلى إسرائيل منذ عام 1948، وكان أشهرهم أوبري سولومون الذي غيّر اسمه إلى "أبا إيبان"، وأصبح سياسيا إسرائيليا بارزا. يعيش الكثيرون منهم في مستعمرة "سابيون" الثرية للجنوب أفريقيين، التي أقيمت على أنقاض قرية "العباسية" الفلسطينية، التي طرد سكانها الفلسطينيون خلال الغزو الصهيوني لفلسطين عام 1948.

يواصل يهود جنوب أفريقيا اليوم القدوم لاستعمار فلسطين، لا سيما بعد انهيار نظام الفصل العنصري، حيث يرى بعضهم إسرائيل كمستعمرة استيطانية أكثر أمانا للبيض، مقارنة بجنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري. لكن ليس من الواضح كم من البيض الأفريكانيين البروتستانت التبشيريين الذين اعتنقوا اليهودية مؤخرا، هم من بينهم (الأفريكانيون هم أحفاد المستوطنين البيض من أصول هولندية، الذين استعمروا جنوب أفريقيا في القرن السابع عشر، وكانوا قد حصلوا على "استقلال" مستعمرتهم الاستيطانية التي أسموها "اتحاد جنوب أفريقيا" في عام ١٩١٠، وقاموا بمأسسة نطام الفصل العنصري في عام ١٩٤٨).
يواصل يهود جنوب أفريقيا اليوم القدوم لاستعمار فلسطين، لا سيما بعد انهيار نظام الفصل العنصري، حيث يرى بعضهم إسرائيل كمستعمرة استيطانية أكثر أمانا للبيض، مقارنة بجنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري

ويروي تقرير صدر مؤخرا في جريدة "هآرتس" الإسرائيلية، قصة هؤلاء الذين وصلوا بشكل متزايد إلى إسرائيل، منذ نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في منتصف التسعينيات.

في سياق استمرار إسرائيل في حرمان الفلسطينيين الذين طردتهم في عام 1948 من حق العودة إلى ديارهم وأراضيهم، أعلنت هآرتس كيف تم الترحيب بهؤلاء الأفريكانيين المتهودين في المستعمرة الاستيطانية اليهودية: "يتحول عدد متزايد من الأفريكانيين، بمن فيهم قسيس تبشيري سابق وعائلات بأكملها، إلى اليهودية الأرثوذكسية، ويستعيضون عن جنوب أفريقيا بإسرائيل، وفي كثير من الحالات بمستوطنات الضفة الغربية". إنهم "جزء من عدد صغير، ولكنه متزايد من الأفريكانيين الذين يكتشفون اليهودية"، ويأتون لاستعمار أرض الفلسطينيين.

يؤكد المسؤولون الصهاينة في جنوب أفريقيا، أن "دافع المستعمرين الأفريكانيين البروتستانت هو روحاني بحت، ولهذا السبب نرى في كثير من الحالات عائلات بأكملها تتحول" إلى اليهودية. وأضاف المسؤول أنه مع تزايد الهجرة "من جنوب أفريقيا، يزداد كذلك عدد المتهودين بين المهاجرين". ويقال إن عددهم قد بلغ بالفعل عدة مئات من المستعمرين.
يؤكد المسؤولون الصهاينة في جنوب أفريقيا، أن "دافع المستعمرين الأفريكانيين البروتستانت هو روحاني بحت، ولهذا السبب نرى في كثير من الحالات عائلات بأكملها تتحول" إلى اليهودية

وأضافت جريدة هآرتس أنه "شأنهم شأن العديد من اليهود الأرثوذكس، يميل هؤلاء أيضا إلى أن يكونوا يمينيين تماما في سياساتهم. وليس من قبيل المصادفة إذن أن ينتهي الأمر بالعديد منهم إلى العيش في مستوطنات الضفة الغربية. في الواقع، فإن أحد معاقلهم الرئيسية - إلى جانب بلدة رعنانا، التي تحظى بشعبية بين المهاجرين من جنوب أفريقيا بشكل عام، ومؤخرا بلدة يابنئيل الريفية في شمال إسرائيل - هي مستوطنة سوسيا في تلال جنوب الخليل".
 
ولا يمكن وصف هذه الظاهرة الاستعمارية بالمفاجئة في ضوء التاريخ الطويل من التواطؤ والتعاون بين المستعمرتين الاستيطانيتين. كان الأفريكاني "يان سْمَتص" (Jan Smuts)، رئيس وزراء جنوب أفريقيا والشخص الوحيد الذي وقع على كل من معاهدة فرساي وميثاق الأمم المتحدة، مؤيدا رئيسيا متحمسا للصهيونية، لدرجة أن المستعمرين الصهاينة الاشتراكيين في فلسطين قد أطلقوا لاحقا اسمه على كيبوتس يهودي عنصري (والكيبوتس هو المؤسسة الصهيونية الرئيسية لـ"اشتراكية العرق المتفوق") هو "رمات يوحانان"، حيث اسم "يوحانان" هو المرادف بالعبرية لاسم "يان" الهولندي.

تماثلا مع السابقة التي وضعها سْمَتص للمستعمرين البيض في جنوب أفريقيا، اعتقد الصهاينة أن الفلسطينيين ليسوا مختلفين عن السكان الأفارقة الأصليين، لا سيما أولئك الذين يعيشون في المستعمرات الاستيطانية الألمانية السابقة مثل ناميبيا، الذين أعلن سْمَتص أنه ليس لديهم الحق في تقرير المصير، لأنهم "برابرة لا يمكنهم تطبيق أية أفكار عن تقرير المصير السياسي بالمعنى الأوروبي". وقد شكلت هذه المستعمرات الاستيطانية الأفريقية نموذجا احتذى به الصهاينة في فلسطين.

في سياق دعمه للاستعمار الاستيطاني اليهودي، أعلن سْمتص أنه "لا داعي لتذكيركم بأن البيض في جنوب أفريقيا، وخاصة السكان الهولنديين الأكبر سنا، قد نشؤوا بالكامل تقريبا على التقاليد اليهودية.. لقد شكل "العهد القديم" المصفوفة الأساسية للثقافة الهولندية هنا في جنوب أفريقيا". تنطع سمتص مضيفا أنه قد كان لدى الشعب اليهودي "مهمة، مهمة حضارية، في العالم أجمع، ربما ليس لها مثيل لا من قريب ولا من بعيد".

ومن الجدير بالذكر أن مجلس الوزراء البريطاني قد عرض على سمتص منصب المفوض السامي الأول للانتداب على فلسطين، بحيث "يقوم بتحضير العرب والأفارقة [غير المتحضرين] على حد سواء". لكنه رفض بسبب التزامه بعمله في جنوب أفريقيا، وتم تعيين البريطاني اليهودي الصهيوني هيربت صموئيل بدلا منه. كما تم اختيار الجنرال سمتص في البداية من قبل رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج لقيادة الحملة العسكرية البريطانية لغزو فلسطين، لكن سمتص فضّل الخدمة في مجلس الوزراء الإمبراطوري في لندن بدلا عن ذلك. قام لويد جورج بإرسال خياره الثاني لتنفيذ الغزو، ألا وهو الجنرال إدموند ألنبي، الذي سبق له هو الآخر أن خدم في جنوب أفريقيا.

لقد ألهم نموذج التفوق الأبيض الجنوب أفريقي المسؤول الصهيوني الألماني حاييم أرلوزوروف في وقت مبكر، حيث ادعى في عام 1927 أن استغناء الصهاينة عن أي اكتراث بالعيش الكريم للعمال العرب الفلسطينيين كانت الاستراتيجية الصحيحة والضرورية، وبأنها لا تختلف عما كان يقوم به المستوطنون في جنوب أفريقيا، التي دفعت العمال البيض إلى إنشاء "حاجز العرق"، وهو العلاج الصحيح والمناسب الذي يجب على المستعمرين اليهود الاستمرار في اتباعه في فلسطين لإنشاء جيب استيطاني استعماري منفصل عرقيا عن العرب. كانت سياسة الفصل العنصري اليهودية هذه، هي التي أسستها القيادة العمالية الصهيونية طوال سنوات الانتداب البريطاني، وبعد ذلك في إسرائيل.
بحلول سبعينيات القرن الماضي، توطد التحالف الجنوب أفريقي الإسرائيلي في مواجهة عالم ما بعد حقبة الاستعمار، كان الإسرائيليون يساعدون الجنوب أفريقيين في قمع مواطنيهم

كان البريطانيون، بصفتهم الراعي الاستعماري للاستعمار الاستيطاني في كل من جنوب أفريقيا وفلسطين، يستعيرون أساليب من مستعمرة استيطانية ويطبقونها على أخرى. وخلال فترة الثورة الفلسطينية الكبرى في 1936-1939، أحضر الجلادون البريطانيون كلابا عنصرية مدربة من قبل البيض الجنوب أفريقيين في طائرات إلى فلسطين لمهمة تعقب الفلسطينيين، واستخدموها لمهاجمة الثوار الفلسطينيين بوحشية. كان تعذيب جيش وشرطة الاحتلال البريطاني للفلسطينيين على نطاق واسع من القسوة، لدرجة أنه أصبح فيما بعد أساسا للتعذيب البريطاني الأكثر وحشية لمقاتلي "الماو ماو" في المستعمرة الاستيطانية البريطانية في كينيا، في الخمسينيات من القرن الماضي.

بحلول سبعينيات القرن الماضي، توطد التحالف الجنوب أفريقي الإسرائيلي في مواجهة عالم ما بعد حقبة الاستعمار، كان الإسرائيليون يساعدون الجنوب أفريقيين في قمع مواطنيهم، لا سيما في ناميبيا المحتلة من قبل جنوب أفريقيا، ويساعدون في عدوان جنوب أفريقيا على أنغولا المحررة حديثا من الاستعمار البرتغالي في حينه. أصدر الجنرال الإسرائيلي أرييل شارون تعليمات إلى مضيفيه الجنوب أفريقيين بشأن أفضل الأساليب العسكرية لتحقيق ذلك.

ووصف مستشار شارون في ذلك الوقت، الصحفي أوريل دان، الذي رافق شارون في مهمته في جنوب أفريقيا حيث انضم كلاهما إلى وحدة عسكرية جنوب أفريقية في غزوها لأنغولا، انطباعاته عن التجربة: "عندما أنظر إلى ضباط جنوب أفريقيا، عندما يتحدثون اللغة الأفريكانية أو الإنجليزية، وفي أثناء العمليات، أتخيل أنهم سيصدرون قريبا الأوامر باللغة العبرية. مظهرهم الجسدي، ونضرتهم، وانفتاحهم، وسلوكهم في ساحة المعركة، كل ذلك يذكرني بضباط جيش الدفاع الإسرائيلي وهو ما لم أقله عن الضباط الأمريكيين والفيتناميين الجنوبيين الذين قابلتهم". استمر تحالف إسرائيل وصداقتها مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا حتى آخر أيامه، دون فتور.
في حين رحبت الولايات المتحدة وكندا وأستراليا بغالبية بيض جنوب أفريقيا الذين قرروا بعد سقوط نظام الفصل العنصري، ونظرا لأن جنوب أفريقيا لم تعد مكانا آمنا للمستوطنين البيض وثرواتهم غير المشروعة، استبدال مستعمرتهم الاستيطانية بغيرها من المستعمرات الاستيطانية التي لا تزال تضمن الحقوق العرقية للبيض

تكمن المفارقة اليوم في أن الجنوب أفريقيين الذين كانوا يذكّرون أورييل دان بـ"ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي"، قد انضموا هم أنفسهم إلى الجيش الإسرائيلي. ففي حين رحبت الولايات المتحدة وكندا وأستراليا بغالبية بيض جنوب أفريقيا الذين قرروا بعد سقوط نظام الفصل العنصري، ونظرا لأن جنوب أفريقيا لم تعد مكانا آمنا للمستوطنين البيض وثرواتهم غير المشروعة، استبدال مستعمرتهم الاستيطانية بغيرها من المستعمرات الاستيطانية التي لا تزال تضمن الحقوق العرقية للبيض، إلا أن إسرائيل تظل واحدة من الأماكن القليلة المتبقية في آسيا أو أفريقيا التي يمكن أيضا أن تضمن الامتيازات الاستعمارية للبيض.

قد لا تكون ثمة حاجة للكلاب العنصرية الجنوب أفريقية في إسرائيل اليوم، حيث يمتلك الجيش الإسرائيلي كلاب "وحدة عوقتص" الخاصة بالجيش الإسرائيلي، المدربة جيدا على كراهية ومهاجمة الفلسطينيين، التي تم استيرادها من هولندا (والأخيرة، للمصادفة، هي الدولة الأم الأولى للاستعمار الأفريكاني الاستيطاني في جنوب أفريقيا) لمهاجمة الشعب الفلسطيني. ولكن السياق التاريخي المشترك الذي جلب الكلاب والمستعمرين الجنوب أفريقيين في أثناء الاحتلال البريطاني لفلسطين، قد تكثف أكثر منذ عام 1948، حتى إن حركة الكلاب الأوروبية والمستعمرين الأوروبيين الذين فروا من آخر مستعمرة استيطانية، كانت تضمن فوقية البيض في أفريقيا إلى آخر مستعمرة استيطانية لم تزل تضمن تفوق البيض في آسيا تتواصل على قدم وساق.
التعليقات (1)
أبو العبد الحلبي
الجمعة، 15-10-2021 05:40 م
جزيل الشكر على مقالاتك الرائعة التي تتحفنا بها يا دكتور جوزيف . لقد تعلمت منها الكثير و انتظرها لكي أتعلم و ما يعجبني فيها أن الأفكار و المعلومات كان فيها جهد مبذول لكي تكون دقيقة عند عرضها على القراء . أي أن المقالات تتحلى بالموضوعية و بالمهنية و بالاستنتاجات المنطقية .