كتاب عربي 21

تركيا وأمريكا.. الحرية لها ثمن وحدود

إسماعيل ياشا
1300x600
1300x600
أعلن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، السبت، تجميد أموال وزيري الداخلية والعدل الأمريكيين في تركيا، ردّا على العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على وزيري العدل التركي عبد الحميد غول، والداخلية التركي سليمان صويلو، بسبب استمرار اعتقال القس الأمريكي، أندرو برنسون، الذي يُحاكم حاليا في تركيا بتهمة التجسس ودعم حزب العمال الكردستاني وتنظيم الكيان الموازي.

هذه الخطوة الرمزية جاءت في إطار التعامل بالمثل؛ لأن الوزيرين الأمريكيين ليست لهما أصول في تركيا، كما أن الوزيرين التركيين لا يملكان أي مال في الولايات المتحدة. وكانت وزارة الخارجية التركية قد أعلنت في بيان أن أنقرة سترد بالمثل على العقوبات الأمريكية.

الاهتمام الأمريكي المبالغ فيه بقضية القس مثير للغاية، وهناك تقارير منشورة في وسائل الإعلام التركية تشير إلى أن برونسون ليس مجرد قس، بل هو عميل في ثوب رجل دين يعمل لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه"، وكان يسعى إلى تنصير الأكراد، سواء في شرق تركيا أو في شمال سوريا، بالتنسيق مع حزب العمال الكردستاني والكيان الموازي (التنظيم السري لجماعة غولن). وتلفت ذات التقارير إلى أن لائحة الاتهام التي قدمها الادعاء العام إلى المحكمة تؤكد اجتماع برونسون مع مسؤول كبير في الكيان الموازي 293 مرة، بالإضافة إلى سفره إلى مدينتي أورفا ودياربكر، الواقعتين شرق البلاد، عشرات المرات، أثناء أحداث عين العرب/ كوباني والاشتباكات التي دارت آنذاك بين الموالين لحزب العمال الكردستاني وقوات الأمن التركية في الشوارع والأزقة، على الرغم من وجود كنيسته في مدينة إزمير غرب تركيا.

العميلة السابقة لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "أف بي آي"، سيبل إدموندز، فجَّرت قبل أيام قنبلة من العيار الثقيل، حين قالت في تصريحاتها لقناة "تي آر تي وورلد" التركية إن مجموعة في "سي آي إيه" تسعى إلى اغتيال القس برونسون في السجون التركية لإسكاته واتهام تركيا أمام العالم بتصفيته، مشيرة إلى أن تركيا قامت بحماية حياة القس الأمريكي بعد نقله إلى الحبس المنزلي.

هناك آخرون يرون أن القس الأمريكي قد يكون عميلا يعمل لصالح "سي آي إيه"، إلا أن الأزمة بين الولايات المتحدة وتركيا أكبر من اعتقاله ومحاكمته، وأن واشنطن تستغل قضية القس للتصعيد ضد أنقرة، بسبب انزعاجها من مواقف الأخيرة من ملفات مختلفة، مثل التقارب مع موسكو والعلاقات مع طهران، وأن العلاقات التركية الأمريكية ستتحسن كلما شهدت تلك الملفات انفراجة.

المحادثات بين أنقرة وواشنطن ومساعي رأب الصدع تجري على قدم وساق. والتقى وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو الجمعة الماضية نظيره الأمريكي مايك بومبيو في سنغافورة، ووصف اللقاء بــ"البناء"، مؤكدا أنه تم الاتفاق على مواصلة الحوار لتجاوز الأزمة. وذكرت السفارة الأمريكية لدى أنقرة في تغريدة على حسابها الرسمي في موقع "تويتر"، أن الولايات المتحدة ما زالت صديقة قوية وحليفة لتركيا، على الرغم من التوتر الحالي. كما أن وفدا دبلوماسيا من وزارة الخارجية التركية توجه إلى واشنطن لإجراء المفاوضات والبحث عن سبل حل الخلافات الراهنة بين البلدين.

الأزمة التي تصاعدت بين أنقرة وواشنطن قد تنتهي قريبا، في ظل أنباء تتحدث عن توصل البلدين إلى تفاهمات أولية لتسوية الخلافات. ولكن المتوقع أن تشهد العلاقات التركية الأمريكية أزمات مشابهة في المرحلة المقبلة لوجود تناقضات بين سياسات البلدين ومصالحهما. كما أن الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على تركيا تظهر عزم الأولى على تركيع الثانية، إلا أن تركيا ليست مستعدة للاستسلام بسهولة. بل جميع المؤشرات تؤكد أن أنقرة سوف تقاتل قدر المستطاع من أجل الحفاظ على مصالحها القومية واستقلالية قرارها؛ لأنها تعرف أن الحرية لها ثمن. ولكنها في المقابل، تدرك جيدا أن الحرية لها حدود. وحدود الحرية في ملف العلاقات التركية الأمريكية تحددها المصالح والاتفاقيات والتحالفات ومدى قدرة تركيا على مواجهة الولايات المتحدة.
التعليقات (2)
اينشتاين
السبت، 11-08-2018 02:40 م
الحلف الصهيو أنجيلي متخوف كثيرا من تركيا الجديدة ، خبراء يجلسون لساعات متأخرة ليلا من أجل هندسة ما يمكن هندسته لإلحاق الأذى بالتجربة التركية التي صارت في قلب التاريخ من حيث صتاعته والتأثير في مختلف ساحاته ، ردود الأفعال غير مجدية ، وأسلوب النعامة غير مجدي ، هناك محطات ومعطيات خاصة ومتميزة مشحونة بكثير من الأوجاع وطعمها مر ، لكنها مفيدة جدا للتأثير في موازين القوى ، أمثال داود أوغلو ، عبد الله غل ، ورجب طيب أردوغان ، قادرون على التوجيه وصناعة الفارق .
ابو العبد الحلبي
الأربعاء، 08-08-2018 04:37 م
من الواضح أن الغرب ، و على رأسه أمريكا ، يمتلك عقليات عنصرية متطرفة فعالة في صنع السياسة و يقترن ذلك بمرض الإسلاموفوبيا "أي بغض الإسلام" . بهاتين الخلفيتين ، يمكن فهم التآمر الأمريكي المستمر ضد تركيا الذي من الصعب أن نراه يتوقف رغم أنهما يشتركان في حلف الناتو. يوجد لدى تركيا سلوك لا يرضي أمريكا يتمثل في : 1) محاولة الحصول على استقلال حقيقي و إرادة حرة . 2) محاولة النهوض و التقدم و اتخاذ موقع في صفوف العشرة الكبار في العالم. لذلك كان لا بد من اصطناع الجماعات الكردية الإرهابية لتعمل ضد تركيا و كان لا بد من تشجيع التظاهرات ضد الدولة على أسباب تافهة "مثل شجرة ساحة تقسيم في اسطنبول" و كان لا بد من السعي الدائب لتوريط تركيا في سوريا و كان لا بد من محاولة انقلاب عسكري و كان لا بد من ملء تركيا بعناصر مخابرات أجنبية متعددة لتقوم بتأليب الأتراك للعمل ضد الدولة. بالعزم و بالإصرار و بالثبات و بالارتفاع الفكري و بحسن التخطيط و المتابعة ، تستطيع تركيا أن تفشل كل الجهود الحاقدة لإعادتها إلى دائرة التخلف و حكم العسكر الاستبدادي و وصاية الماسونية عليها.