قضايا وآراء

أدركوا سيناء.. قبل أن تضيع!

1300x600
كارثة حقيقة تعيشها شبه جزيرة سيناء، خط الدفاع الأول عن الدولة المصرية المنوط بها الدفاع عن العمق المصري. فها هي الآن مهددة بالضياع، حيث تعيش حالة من الفوضى المتصاعدة، نظرا للتعامل الأمني الغاشم بعد 3 تموز/ يوليو 2013. فقد ذهبت السلطة إلى هناك بكل رعونة تحت مظلة محاربة الإرهاب؛ حاملة أدوات القمع والتجريف والتهجير، وليس أدوات التنمية والحوار ومحاربة الفكر بالفكر وحل المشكلات ورفع المظالم، فكانت النتيجة واضحة وهي تفاقم الإرهاب وحضور الفوضى وغياب الدولة.

حقيقة أن جرائم كبرى ارتكبتها السلطة الحالية في علاج الأوضاع السيئة في سيناء، أولها استخدام العصا الغليظة في البطش بالجميع، دون التفرقة بين مدنيين من القبائل وشباب رفع السلاح في مواجهة الدولة، مما حوّل سيناء إلى حاضنة خصبة للإرهابيين والخارجين عن القانون.

فالجميع فوجئ باعتقالات بالجملة لأهالي وشباب سيناء في رفح والشيخ زويد وبئر العبد والعريش أيضا، والذريعة شبهة التعاون مع المجموعات المسلحة. ثم تفاقم الوضع لاتخاذ قرار غير وطني بتجريف منازل أهالى رفح الحدودية، وما تبعه من تهجير أهلها، وهو قرار يخدم العدو الصهيوني في المقام الأول. فكل الخبراء يقولون إن النقص العددي في القوات المصرية المتواجد في سيناء، وعدم وجود معدات عسكرية ثقيلة نتيجة التزام مصر بمعاهدة كامب ديفيد؛ تعوضه التنمية العمرانية والبشرية في تلك المنطقة، وليس التجريف والتهجير، فهو يهدد الأمن القومي.

ولذلك كان قرار الرئيس محمد مرسي العاجل عقب توليه السلطة؛ هو رصد 4,8 مليار جنيه بالميزانية لتنمية سيناء، وهو العلاج الأولي لكثير من المشكلات في سيناء. ولا ندري بعد الانقلاب أين ذهبت هذه الميزانية التي لم يستفد منها أهالي سيناء.

كما لا ندري هذا العبث الأمني الذي تم في سيناء: هل تم بإذن القوات المسلحة أم بشكل فردي، لينال من أهلنا في سيناء من اعتقالات وقتل خارج القانون واختفاء قسري في منطقة يجب أن نحافظ على وحدتها وتماسكها، فهي تجاور عدوا يتربص بنا ليل نهار وله أطماع واضحة فيها، وقد حررناها بدماء وجهاد أبناء مصر الأبرار.

لكن من الواضح أن السلطة أرادت خلط الأوراق؛ لتصنع إرهابا متوحشا ليكون عدوا محتملا لمحاربته، وتحقيق نصر زائف أمام الشعب والدول الإقليمية والدولية لتثبيت سلطتها المشكوك فيها بانقلاب على رئيس منتخب، لكنها فوجئت بفشلها الذريع وتحول العدو الوهمي إلى مارد يصعب دحره.

لذلك، ليس تجنيا أن نقول إن نظام الحالي يتحمل المسؤولية كاملة في آلت إليه الأوضاع الكارثية في سيناء. فهو الذي طالب الشعب بالتفويض لمحاربة الإرهاب المحتمل، فإذا بالإرهاب يتفاقم ويتغول ويرتع ويمرح في سيناء لدرجة قيام تنظيم ولاية سيناء الإرهابي بعمل عرض عسكري بالعريش من أيام - رغم وجود عدة كمائن ووجود المثلث الأمني، وما يزيد عن 40 ألف جندي دون ملاحقة أمنية للمسلحين - مما يؤكد فشل المنظومة الأمنية، وتعرض سيناء لمؤامرة. وهذا العرض ليس الأول، بل تم قبل ذلك في الشيخ زويد وعقب المجزرة البشعة لجنودنا في كرم القواديس.

قطعا تهجير الأقباط من العريش جريمة بشعة ترفضها كل القوى السياسية والإسلامية، لكن ليس الأقباط فقط الذين يتم تهجيرهم، بل كل أهالي سيناء. فاستهداف المسيحيين جريمة في حق الوطن، وهي محاولة دنيئة لإيهام الرأي العام أن هناك طائفية في مصر، والأمر غير ذلك. نحن نعاني حالة من الاستبداد والفوضى. الأقباط في مصر هم جزء أصيل من تكوين ونسيج الشعب المصري، يعاني كافة مشكلاته، سواء غلاء أسعار أو انتهاك حقوق إنسان أو استبداد وفشل أمني في سيناء 

توقيت استهداف الأقباط، وهم عددهم صغير بالنسبة للتركيبة السكانية في العريش، محاولة رخيصة لرفع الحرج عن السلطة التي تخلت عن دورها وترفع الآن شعار الطائفية. فالكارثة في سيناء تنال من الأقباط والمسلمين، وكم الضحايا المتصاعد يعبر عن حجم الكارثة، فضلا عن الضحايا من الضباط والجنود الذين تم الدفع بهم في هذه المحرقة.

لقد أصبحت السيادة الوطنية مهددة في سيناء، بعد تصريح رئيس الأركان في الجيش الأمريكي منذ أسابيع بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستلاحق تنظيم الدولة في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومناطق أخرى. وعلينا أن نمعن النظر في كلمة "مناطق أخرى"، ربما يقصد بها سيناء، حيث معروف عن الأمريكان أنهم لا يرعون السيادة الوطنية في حروبهم ولا في عملياتهم المسلحة، وهو أمر يهدد أمننا الوطني، فلا نريد أن تخرج سيناء عن السيطرة وتغيب فيها الدولة.

أظن أن إعادة النظر في الأساليب الأمنية ووقف البطش الأمني، ورد المظالم والحقوق لأهالي سيناء، والبدء في تنمية حقيقة خير علاج لتلك الكارثة، مع رؤية واضحة لحل مشكلات ومظالم أهالي سيناء من توظيف وعلاج للبطالة، وإقامة المشروعات وإيجاد حلول عملية لمعالجة التطرف الإرهاب بالحوار والنقاش، وليس السجن والقتل. فالفكر يعالج بالفكر، من خلال مناقشة فكر التكفير والعنف، وفتح باب المراجعة والتوبة أمام المتورطين والحاملين لهذا الفكر. فهولاء أبناء مصر الذين يجب أن نحتضنهم، لا أن نقطع دابرهم وتتلقفهم دوائر الإرهاب وأعداء الوطن، إضافة إلى ضرورة تعديل معاهدة كامب ديفيد التي تكبل الدول المصرية في بسط سيطرتها ونفوذها الأمنية على تلك المنطقة الغالية. فدخول المعدات العسكرية الثقيلة ستكون بديلا قويا وحاسما عن وجود الكمائن العارية التي أصبحت نهبا وهدفا للإرهابيين، ويتم إزهاق أرواح جنودنا رخيصة هناك.

الإرهاب دائما في بلادنا العربية نتيجة حتمية للاستبداد وانغلاق الأفق السياسي وتصاعد الفساد وغياب العدالة، بل الإرهاب هو طبع أصيل من أصول الاستبداد.

نهضة بلادنا لن تكون إلا برحيل الديكتاتورية إلى الأبد، وترسيخ الديمقراطية والحريات في مصر والإيمان الكامل بالتوافق والمشاركة بين أبناء الوطن، وليس بالإقصاء والانتقام والتهميش تقوم النهضة.

علينا أن ندرك سيناء قبل أن تضيع ونعض أنامل الندم على هذه الأرض الغالية التي ارتوت بدماء شباب وأبطال مصر.. نعم أدركوا سيناء قبل فوات الأوان.