سياسة عربية

لاكروا: كيف يؤسس تنظيم الدولة لدولته المستقبلية

يرى مراقبون أن تنظيم الدولة نجح في الانتقال من مرحلة التمويل التقليدي إلى نظام اقتصادي متكامل - أرشيفية
نشرت صحيفة "لاكروا" الفرنسية تقريرا على إثر سيطرة تنظيم الدولة على مدينة تدمر، وسيطرته بالتالي على حوالي نصف الأراضي السورية، وضحت فيه إستراتيجية هذا التنظيم في "البقاء والتمدد"، والطرق التي يعتمدها لضمان التمويل وإخافة أعدائه.

وقالت الصحيفة، في هذا التقرير الذي اطلعت عليه، صحيفة "عربي21"، إنه بإحكام عناصر تنظيم الدولة قبضتهم على كامل مدينة تدمر الأثرية، تصبح نصف الأراضي السورية تحت سيطرتهم، ورغم القصف المتواصل للطائرات الغربية، نجح هذا التنظيم في المرور من نظام التمويل التقليدي الذي تعتمده المجموعات المسلحة، ليؤسس لنظام اقتصادي يؤهله ليكون "دولة".

وذكرت إن الجميع كان يعتقد بأن تنظيم الدولة في حالة دفاعية، يحاول النجاة من الضربات الجوية التي يشنها التحالف الدولي، ويتمرس في معاقله، ويتعرض للهزائم في المواجهة مع الأكراد في عين العرب/ كوباني.
 
وكان خصومه يراهنون على أن أسهم هذا التنظيم بدأت بالهبوط، كما حدث مع "تنظيم القاعدة" في المغرب الإسلامي في شمال مالي، ومع "بوكو حرام" في نيجيريا، ولكن نجاح التنظيم، في ظرف أسبوع واحد، في الدخول لمدينة الرمادي في العراق، ثم تدمر في سوريا، غير فكرة العالم حول الحرب الدائرة في هذه المنطقة.

واعتبرت الصحيفة أنه بسيطرته على منطقة الواحات المطلة على الصحراء السورية الممتدة حتى الحدود مع العراق، يصبح التنظيم في موقف استراتيجي قوي يمكنه من التحكم في نصف الأراضي السورية.

ونقلت عن رامي عبد الرحمان، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، خشيته الكبيرة من تدمير الموقع الأثري الشهير بتدمر، وتأكيده أن "مقاتلي التنظيم باتوا موجودين في كل مناطق مدينة تدمر، بما في ذلك المواقع الأثرية".


وقالت الصحيفة إن معركة تدمر، التي انطلقت في 13 من أيار/ مايو الجاري، أوقعت ما لا يقل عن 462 قتيلا، منهم 241 عنصرا من عناصر النظام، و150 من المجموعات المسلحة و 17 مدنيا، دون أن تشهد حصارا حسب الطريقة التقليدية، حيث إن "قوات النظام انهارت وانسحبت من كل مواقعها بدون إبداء مقاومة تذكر"، كما يؤكد محمد حسن الحمصي، أحد النشطاء المنحدرين من مدينة تدمر. 

وأمام تقدم عناصر التنظيم، قرر جزء من السكان المغادرة نحو مدينة حمص، بينما فضل آخرون البقاء في بيوتهم.

واعتبرت الصحيفة أن سيطرة تنظيم الدول على مدينة تدمر وعلى سجنها، الذي يرمز في قلوب السوريين للخوف من دموية وتعذيب النظام، تعد انتكاسة جديدة لحكومة دمشق التي تواصل تكبد الهزائم وخسارة المواقع لفائدة مختلف أطياف المعارضة.

وفي المقابل، أشارت إلى أن تنظيم الدولة عزز سيطرته على شرق سوريا، وأصبح يتحكم في مساحة تقدر بحوالي 95 ألف كيلومتر مربع، وبالدخول لمنطقة الواحات، نجح أيضا في خلق تواصل جغرافي مع محافظة الأنبار الحدودية في العراق، وأصبح على بعد 200 كيلومتر فقط من دمشق.

وأشارت الصحيفة إلى أنه رغم القصف الجوي المتواصل، يبدو أن تنظيم الدولة يضع اللبنات الأساسية لبناء "دولة متشددة" على أنقاض سوريا مدمرة وعراق مجزأ.

ونقلت في هذا السياق ملاحظات كاميل غران، مدير معهد الدراسات الإستراتيجية بفرنسا، الذي قال "يمكن بالفعل التحدث عن نموذج دولة، وهو أمر لم يتوصل إليه تنظيم القاعدة، لأن عناصر تنظيم الدولة يسيطرون على مساحة واسعة، جزء منها في الصحراء، كما أنهم يفرضون نظامهم الإداري وقوانينهم، ولديهم مواردهم الخاصة، ويقومون  بعمليات عسكرية على نطاق واسع".

ولاحظت الصحيفة إنه في غضون سنتين، نجحت قيادات تنظيم الدولة في الانتقال من مرحلة التمويل التقليدي الذي تعتمده التنظيمات الإرهابية، من خلال قيام بعمليات الاحتيال والابتزاز وأخذ الرهائن، إلى نظام اقتصادي متكامل ومنظم، حيث إنه يقوم على سبيل المثال بجمع الضرائب في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وأضافت أن التنظيم يراكم مداخيله عبر نهب المواقع الأثرية وبيع النفط، حيث إنه أصبح يتحكم تقريبا في كل حقول النفط والغاز في سوريا، بعد سيطرته على حقلي الغاز القريبين من تدمر.

ونقلت "لاكورا" عن كاميل غران، أن "مجموعات من شاحنات نقل النفط تعبر بشكل غير قانوني الحدود التركية، لبيع هذه الموارد الطاقية، وتمكن هذه المداخيل تنظيم الدولة من دفع أجور آلاف المقاتلين المحليين والأجانب الملتحقين بصفوفه. 

أما التسليح فيحصل عليه أساسا من الثكنات العسكرية التي يسيطر عليها بعد هروب قوات النظام، ويتمثل أساسا في مدرعات، ودبابات أمريكية وقذائف مضادة للدروع".

وأضافت الصحيفة، نقلا عن هذا الباحث الفرنسي، إنه رغم عدم امتلاك التنظيم لطائرات أو بطاريات إطلاق صواريخ، فإنه يمتلك تسليحا ممتازا مقارنة بالتنظيمات التقليدية، مما يؤهله لشن حروب تقليدية.

كما ذكرت الصحيفة إن عناصر التنظيم ينشرون الرعب في المناطق التي يدخلونها، عبر سيطرتهم على الإدارة القائمة أو فرض أنفسهم في إدارة جديدة، وفي مئات المدن مثل الموصل، يمنع استعمال الهاتف الجوال، كما إن السفر إلى خارج المحافظة يجب أن يكون بموافقة قيادات التنظيم، وعلى رأس هذه القيادات يوجد الكثيرون من رجال مخابرات الرئيس السابق صدام حسين.

وفي الختام اعتبرت الصحيفة إن هذا "الجنين المرعب"، الذي يمكن أن يصبح دولة، يواجه الآن تحدي المحافظة على المناطق التي سيطر عليها، في ظل الضغط المتواصل من قبل النظام السوري والقوات العراقية والميليشيات الشيعية.