مقالات مختارة

سحر الإسلام المبكر

1300x600
قبل الدعوات إلى الإصلاح الديني ونقد الإسلام السياسي وبعدها، تتسم الفترة التأسيسية من التاريخ الإسلامي، التي يسميها المتخصصون بـ «الإسلام المبكر»، بسحر خاص ما زال يجذب المزيد من الآراء والكتابات المتفاوتة في القيمة والجدية.

تصدر سنويا عشرات الكتب عن دور النشر الغربية لباحثين أميركيين وأوروبيين أو عرب ومسلمين يعملون في الغرب، يحاول كل منها تسليط الضوء على جانب يعتقده صاحب الكتاب، مخفيا في شأن من شؤون الإسلام. ثمة كتب عن الفقه والفكر السياسي والفلسفة والتصوف، وعن الشخصيات الرئيسة في هذه المباحث، يضاف إلى ذلك المؤلفات التي تتناول نشأة الإسلام وتأسيسه
وشخصيات النبي والصحابة وأئمة المذاهب الكبرى، من مختلف الزوايا.

بعض هذه الكتب يرمي إلى الإثارة، وافتعال السجال، ومحاولة لفت الأنظار إلى المؤلف، وهذا البعض لا يستحق الاهتمام، لسطحية طروحاته وأهداف أصحابه. لكن هناك الكثير من الكتب يتوجه إلى أكاديميين أو قراء متخصصين، ويحظى بنقاش عميق لتقييم مضمونه والجديد الذي جاء به.

غني عن البيان أن مؤلفي النوع الثاني ليسوا منزهين عن الأهداف الأيديولوجية والسياسية، وإن كانت أقل وضوحا من الصنف الأول، وأنهم أثناء دفعهم أجنداتهم، يقدمون معرفة حقيقية وقيّمة لجوانب من تاريخ الإسلام لم تحظَ بالدراسة الوافية. وللإنصاف، عديدون هم الأكاديميون الغربيون الذين ينطلقون من هواجس محض علمية وبحثية. وأقل ما يقال في هذا المجال عن الصورة النمطية للمستشرق المتآمر على الشرق والإسلام، إنها -مثل كل صورة نمطية- ناقصة وتداني البلاهة.

المهم أن الإسلام المبكر يجذب دائما من يرغب في إثبات وجهات نظر غالبا ما تكون مسبقة أو أن مرتكزاتها المادية في الوثائق أو الآثار هزيلة. نأخذ مثلا موضوع تاريخية القرآن. بذل عدد من الكتاب في الستينات والسبعينات من القرن الماضي جهودا مضنية لإثبات تأخر ظهور القرآن، وانتمائه إلى العصر العباسي، وليس إلى الفترة التي تقول المصادر التقليدية إنه ظهر فيها. ثم جاء الكشف عن «مصحف صنعاء» ودراسته التي قام بها عدد من العلماء الألمان أواخر السبعينات وصولا إلى التسعينات، واستخدموا فيها طريقة الكشف «بالكربون 14» لتحديد عمر الوثيقة، لتدحض آراء الكتّاب المشككين، وُتظهر أن مصحف صنعاء الذي يُعدّ الآن الأقدم في العالم، يعود إلى فترة مبكرة من العصر الأموي أو أواخر عصر الخلافة الراشدة.

مسألة ثانية تتعلق بالطبيعة «الأدبية» للنصوص التاريخية العربية. فقد رفض باحثون غربيون، وقلدهم بعض الشرقيين، الاعتماد على أمهات التواريخ العربية القديمة، مثل الطبري والواقدي والمسعودي، واعتبروها نصوصا أدبية لا قيمة علمية لها. عند التدقيق في هذه النصوص وقراءتها مرة بعد مرة، ومقارنتها بعضها ببعض وبغيرها، وبالوقائع التاريخية في مصادر غير عربية، تبين -للعجب- أن المصادر العربية شديدة الدقة، وأنها وإن كانت مدونة من التراث الشفهي، إلا أنها غير قابلة للإسقاط بجرة قلم، على ما ادعى المدعون، بل إن الحاسم في أهميتها هو أسلوب البحث فيها، وهو ما حقق نقلة شديدة الأهمية فيه مؤرخون مثل هشام جعيط وجواد علي وآخرون.

«شطحات» الإثارة التي سعت إليها المستشرقة الأميركية باتريشيا كرون في كتابها «الهاجرية» مع ديفيد كوك، على سبيل المثال، جرى وقفها وردها على أعقابها، لكن ذلك لم يحل دون ظهور العديد من المغامرات في التفسير يصل بعضها إلى حدود الخيال المحض، بل المريض. كذلك الأمر مع كتب تحكي عن الأصل الآرامي - السرياني للقرآن، والفروقات الكبيرة في تأويله. الواقع أن شذرات الحقيقة في هذه الطروحات لم تستطع أن تقدم تفسيرا جديدا لنشوء الإسلام في معزل عن الرواية التقليدية التي تبقى المصدر الأدق للدراسة، إذا وضعت ضمن مناهج المقارنة والنقد والتدقيق.



(نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية)