بورتريه

الرقص مع "الشيطان الأكبر" في "لوزان"

ظريف لعب دورًا كبيرًا في الاتصالات السرية بين طهران وواشنطن ـ عربي21
ما هو الطعم الذي ألقى به للدول الكبرى، حين دعاهم قبل أيام قليلة لـ"اقتناص الفرصة التي قد لا تتكرر" للتوقيع على الاتفاق مع إيران بعد أن أظهرت "استعدادها للحوار بكرامة"، على حد وصفه.

قبل أن يكلف بالمفاوضات بشأن الملف النووي لبلاده، أمضى نحو ربع قرن في الأمم المتحدة، وشكل ما يمكن وصفه بـ"لوبي طهران" في واشنطن.

شخصية من صلب النظام؛ رغم خلافه سابقا مع الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، وهو من مؤيدي الدبلوماسية العلنية.

لا يرى العالم بالضرورة من منظور أبيض وأسود، ويؤكد "أننا لا نحتاج بالضرورة لأن نتفق مع شخص ما لنكون قادرين على التحدث معه، أو التعامل معه أو التوصل إلى تفاهم".

من أكثر الشخصيات السياسية الإيرانية المؤيدة لعودة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. ولعب دورًا في الاتصالات السرية مع واشنطن التي يطلق عليها الإيرانيون لقب "الشيطان الأكبر".

شارك منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي في كل جولات المفاوضات الدولية التي خاضتها إيران؛ ما أكسبه خبرة دبلوماسية استثنائية جعلته يعتاد المفاوضات متعددة الأطراف.

يحمل شهادة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة دنفر بكولورادو في الولايات المتحدة، والماجستير في الدراسات الدولية من جامعة دنفر (1983-1984)، والماجستير في العلاقات الدولية من الجامعة نفسها (1981- 1982)، والبكالوريوس في العلاقات الدولية (1977- 1981).

أرسله والده، وهو تاجر ثري من طهران، إلى سان فرانسيسكو لدراسة المعلوماتية والعلاقات الدولية، وقد أراد الوالد إبعاد ابنه عن تأثير المجموعات الثورية التي تخطط لإسقاط الشاه، لكن هذا لم يمنع ظريف عام 1979 من الانضمام للثورة، وتولى في سن التاسعة عشرة منصب قنصل في سان فرانسيسكو حيث بدأت تجربته الدبلوماسية الأولى.

وفي 1980 وإثر قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة بعد احتجاز رهائن في السفارة الأمريكية في طهران، كلف بإغلاق القنصلية الإيرانية في سان فرانسيسكو. 

نشأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، المولود عام 1959، في أسرة متدينة جدا من طهران، وقال إنه "لم يستمع إلى أغان حتى بلغ سن الخامسة عشرة". وفي الثمانينيات، حرمته زوجته "الثورية المتشددة" من مشاهدة التلفزيون "طوال عشر سنوات"، كما يقول.

ويعود التزامه بالثورة إلى حقبة المراهقة؛ ففي سن السادسة عشرة أرسله أهله إلى كاليفورنيا بعد أن كاد يتعرض للتوقيف، وفي الولايات المتحدة أصبح عضوا في الجمعية الإسلامية الطلابية. 

والتقى هناك شقيق أكبر هاشمي رفسنجاني الذي كان رئيسا للجمهورية بين عامي 1989 و1997.

وفي عام 1987 كان عضوًا في الفريق الذي تولى المفاوضات من أجل إصدار قرار مجلس الأمن رقم 598 الذي أنهى الحرب العراقية – الإيرانية. في ذلك العام قام بتنظيم زيارة علي خامنئي إلى الجمعية العامة في الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الوقت نشأت علاقات احترام بين الرجلين، كما أنه يعتبر من الشخصيات المقربة من علي أكبر ولايتي المستشار الحالي للمرشد الأعلى في المسائل الدولية.

وشارك مع الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، ضمن الفريق المكلف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار مع العراق، بعد حرب السنوات الثماني فيما عرف بالحرب العراقية الإيرانية.

ونجح في إقناع الحكومة الإيرانية بمساعدة الولايات المتحدة ضد "حركة طالبان" وتنظيم "القاعدة" في أفغانستان، بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر2001 في الولايات المتحدة.

وكان من الإيرانيين القلائل الذي أدركوا حجم الصدمة التي أحدثتها هجمات 11 أيلول/ سبتمبر في الولايات المتحدة، وهو من بين الأشخاص الذين دعوا إلى التعاون الوثيق السري مع واشنطن ضد العدوين المشتركين "القاعدة وطالبان". يومها قدمت إيران إلى الولايات المتحدة لائحة بالأهداف التي يمكن قصفها في أفغانستان ومعلومات مهمة أخرى، وساهم ظريف شخصيًا في مساعدة الغرب على تشكيل حكومة حامد كرزاي في أفغانستان. 

في السنة التالية، حاول ظريف بالتعاون مع السفير الإيراني في فرنسا وضع "خريطة طريق" من أجل المصالحة الشاملة بين طهران وواشنطن بمباركة المرشد الأعلى، لكن الرئيس الأمريكي جورج بوش رفضها. 

وفي موازاة ذلك، انخرط في صفوف الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة، حيث أصبح سفيرا في الفترة من 1989 وحتى 1992، ثم في الفترة من 2002 وحتى2007 في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي والرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد. وفي الأثناء، عين نائبا لوزير الخارجية في الفترة ما بين 1992 و2002 في عهد هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي.

وفي عام 2003 كان ظريف مع حسن روحاني عندما كان يتولى منصب كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين، ووافق على تعليق تخصيب اليورانيوم وتعزيز المراقبة الدولية للمواقع النووية الإيرانية. وفي 2005، انتقد الرئيس السابق أحمدي نجاد هذا الاتفاق وأعاد إطلاق البرنامج النووي الإيراني.

وبعد أن أقاله أحمدي نجاد في 2007، انضم ظريف إلى مركز الأبحاث الاستراتيجية الذي كان يترأسه حسن روحاني.

دفعت إقامة ظريف الطويلة في الولايات المتحدة المعسكر المحافظ في إيران إلى معاداته ومهاجمة ما وصفته "عصابة نيويورك" التي ضمت "دبلوماسيين ليبراليين وموالين لأمريكا".

وفي آب/ أغسطس عام 2013، وبعد وصول رفيقه حسن روحاني للسلطة، أسندت له حقيبة الخارجية بعد موافقة غالبية ساحقة من النواب في البرلمان الذي يهيمن عليه المحافظون، بعدما أثبت مهاراته الخطابية.

وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، كلفه روحاني بإيجاد مقاربة جديدة بشأن المفاوضات النووية، التي وصلت إلى طريق مسدود لرفع العقوبات التي تخنق البلاد اقتصاديا.

وتولى قيادة فريق المفاوضين الإيرانيين في مفاوضات ماراثونية. وعقب جولات عديدة من المفاوضات والمباحثات بين طهران والقوى الكبرى في لوزان، تم التوصل لصيغة اتفاق الإطار الذي يضمن عدم امتلاك إيران للقنبلة النووية مقابل رفع العقوبات، وهو ما أعلنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووقعه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الذي لعب شوطًا كبيرًا في المفاوضات النووية بين إيران وبين مجموعة الـ(5 + 1).

إيران اعتبرت الاتفاق نصرا وموافقة دولية لها لمواصلة بناء المفاعل النووي، وربما تكون إيران تتحدث عن موضوع آخر هنا، وهو حقيقة المفاوضات وما هي بنود الاتفاق السري، وماذا أخذت إيران من وعود مقابل الاتفاق؛ خصوصا أن الرجل الذي قاد هذه المفاوضات خبير بالشأن الغربي وهو من "لوبي واشنطن".

لقد شكلت إيران دائما إحدى ركيزتي السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وكانت "إسرائيل" الركيزة الثانية، والعرب خارج أي معادلة أمريكية.

إيران و"إسرائيل" هما الأساس، وكل ما هو غير ذلك مجرد تفاصيل وفائض جغرافيا.