كتاب عربي 21

هل تنجح الحرب على القاعدة في اليمن

1300x600
لا تتوقف الحملات العسكرية التي ينفذها الجيش اليمني مدعوما بالطائرات الأمريكية بدون طيار على مقرات وملاذات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وهو الفرع الأكثر مرونة وابتكارا بين فروع تنظيم القاعدة في العالم، والأوثق صلة وتنسيقا مع زعيم القاعدة أيمن الظواهري، والأشد تمسكا بإرث الراحل أسامة بن لادن ورؤيته الإيديولوجية ونهجه الاستراتيجي.

تقرير وزارة الخارجية الأمريكية السنوي الأخير المتعلق بنزوع الإرهاب لعام 2013 الذي أعلن عنه في 30 نيسان/ أبريل  2014 لا يخرج عن تأكيد النتائج السابقة، فقد أكد التقرير أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يعتبر من أكثر الفروع ارتباطا بتنظيم القاعدة المركزي، والأشد خطورة على الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الأمريكيين في اليمن إلى جانب قدرته على تهديد مصالح واشنطن في اليمن، كما أن زعيمه ناصر الوحيشي  تمكن من فرض نفسه وزيادة نفوذه وترسيخ مرجعيته، وبات الرجل الثاني في تنظيم القاعدة بعد أيمن الظواهري، حيث تمكن الفرع من تنفيذ أكثر من 100 هجوم داخل اليمن عام 2013.

الجيش اليمني دشن يوم الاثنين 28 نيسان/أبريل حملة عسكرية برية واسعة مدعومة بطائرات أمريكية بدون طيار، وبمساندة من قوات الأمن، ومقاتلين مدنيين من اللجان الشعبية ضد ملاذات مفترضة لتنظيم القاعدة في محافظات أبين وشبوة، وخصوصا مناطق عزان والمحفد ورضوم والمعجلة، وهي من أهم معاقل التنظيم نظرا لطبيعتها الجبلية الوعرة.

 الحملة العسكرية الحالية على معاقل التنظيم هي الحملة الثانية الأكبر منذ تحرير واستعادة محافظة أبين وشبوة من جماعة "أنصار الشريعة" المرتبطة بـالقاعدة، والتي تمكنت بزعامة أبو حمزة الزنجباري جلال بلعيدي المرقشي خلال فترة وجيزة من السيطرة على عدد من المحافظات وأصبحت لاعباً محلياً رئيسياً في جنوب اليمن بعد أن استولت على أجزاء من المحافظات اليمنية الجنوبية - أبين وشبوة - في أواخر ربيع 2011، ولم تتخل عن إمارتها في حزيران/يونيو 2012 إلا بعد هجوم مضاد شنته عليها الحكومة اليمنية والميليشيات المحلية المدعومة بهجمات جوية أمريكية.

لا شك بأن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يسبق الحكومة بخطوة دائما، فحملة الجيش ضد التنظيم جاءت متأخرة نسبيا، فقد عمل التنظيم منذ الحملة الأولى على زيادة نفوذه وقاعدة تجنيده وتطوير قدراته، وتمكن من توسيع دائرة وجوده في مدن يمنية عديدة في الشمال والجنوب والوسط، فقد تمكن خلال العام الماضي من القيام بتوغلات في العديد من المحافظات مثل البيضاء في نيسان/أبريل، وحضرموت في أيار/مايو، ولحج في حزيران/يونيو من أجل السيطرة على قرى رئيسية وإظهار قدراته المستمرة، وقد جاءت عملية استهداف مجمع وزارة الدفاع تتويجا لقدراته على تنفيذ عمليات معقدة ومبتكرة ومؤشرا على تنامي نفوذه وتأثيره محليا وإقليميا ودوليا وعزمه على فرض نفسه كلاعب رئيس لا يستهان به. 
 
لا تنفصل الحملة العسكرية الحالية عن سياق انعقاد مؤتمر أصدقاء اليمن في لندن، ولا عن تقرير الخارجية الأمريكية حول الإرهاب، فهي تأتي ضمن سياق الضغوطات الأميركية على اليمن بعد نجاح التنظيم في تنفيذ العديد من العمليات النوعية، فقد شكل ظهور قيادات التنظيم  من خلال الإصدار المرئي لمؤسسة "الملاحم" وهي الذراع الإعلامي لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب بتاريخ 30 آذار/ مارس 2014 تحت عنوان "أول الغيث"، صدمة حقيقية للولايات المتحدة، حيث ظهر زعيم التنظيم ناصر الوحيشي مطمئنا تماما دون الخشية من حدوث هجمات لطائرات بدون طيار، وهو يلقي خطابا أمام أكثر من 100 من أعضاء التنظيم خلال الاحتفال بعملية فرار 29 من عناصره  تم تحريرهم بعملية مبتكرة ومعقدة من السجن المركزي في صنعاء بتاريخ 13 شباط/ فبراير 2013،الأمر الذي أكد عدم فعالية الطائرات بدون طيار وحدها نظرا لتجنب التنظيم استخدام وسائل الاتصال الحديثة واعتماده على طرق الاتصال التقليدية، وضرورة شن حملة عسكرية برية.

 وكان الوحيشي قد أكد على استمرار نهج التنظيم في "ضرب شوكة الصليبين في كل مكان في العالم"، وتوعد الولايات المتحدة بهجمات مستقبلية بقوله : "لا بد أن نتذكر أننا دائما نقاتل العدو الأكبر (أئمة الكفر)، ولا بد أن نسقط هؤلاء الأئمة. لابد أن نزيل الصليب الذي ممسكه حامل الصليب أمريكا"، كما ظهر في الشريط الاستعراضي المسؤول الشرعي للتنظيم الشيخ إبراهيم الربيش السعودي الجنسية، وكذلك المنشد أبو هاجر الحضرمي وهو أحد أبرز الوجوه الإعلامية للقاعدة.

لقد اثبت الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب منذ تأسيسه بأنه الفرع الأكثر خطورة على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والأشد مرونة بين الفروع الإقليمية للقاعدة، والأقدر على التكيف والتطور والابتكار، فمنذ الإعلان عن اندماج الفرعين اليمني والسعودي في كانون الثاني/ يناير 2009، بزعامة اليمني أبو بصير ناصر الوحيشي وتنصيب السعودي أبو سفيان سعيد الشهري نائبا له والذي قتل بهجمات طائرة بدون طيار، أظهر التنظيم قدرات فائقة على ابتكار وسائل وأساليب وأدوات قتالية عالية الدقة وشديدة الفتك، على الرغم من أنه ليس الفرع الأكثر نشاطا بين الفروع الإقليمية حيث يتفوق علية الفرع العراقي الشامي المتمرد، الذي يعمل باسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" بزعامة أبو بكر البغدادي.

خطورة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب هي الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة نظرا لارتباطه المباشر بتنظيم القاعدة المركزي في باكستان وأفغانستان وتمسكه بأجندة وأهداف دولية  وقدرته على الوصول لأهداف إقليمية ودولية وتمكنه من الابتكار وامتلاكه مهارات فنية رفيعة، ولذلك  فإن هجمات الطائرات بدون طيار الأمريكية أكثر استخداما ضد التنظيم في اليمن، فقد تصاعدت هجمات الطائرات بدون طيار في اليمن من 18 هجمة في عام 2011 إلى 53 هجمة في عام 2012،ونفذت 39 هجمة في عام 2013، و36 هجمة منذ بداية العام الحالي 2014، وبلغ مجموع الضربات في اليمن أكثر من 120 ضربة منذ عام 2002، عملا باتفاقيات "مكافحة الإرهاب" الموقعة بين اليمن والولايات المتحدة، والتي وقعت أيام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والتزم بها الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، وقد أسفرت  عن مقتل عدد من كبار قيادات التنظيم من بينهم سعيد الشهري، نائب زعيم التنظيم، والداعيان البارزان أنور العولقي وسمير خان، والمسؤول الشرعي عادل العباب، ومع ذلك فإن سياسة قطع الرؤوس لم تفلح في القضاء على التنظيم وتفكيكه. 

وكان البرلمان اليمني قد أجرى تصويتا على وجوب حظر هذه الضربات منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول الفائت، بعد مقتل 15 مدنيا في منطقة رداع في محافظة البيضاء خلال توجههم إلى حفل زفاف. كما أن مؤتمر الحوار الوطني اليمني كان قد تقدم بدوره بقرار يجرم هذه الضربات، كما أي عملية اغتيال تجري خارج نطاق القانون.

برزت قدرات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على الابتكار منذ الاندماج بين الفرعين اليمني والسعودي، ففي أغسطس/آب 2009 تمكن أحد قادتها وهو السعودي إبراهيم العسيري من صنع عبوة ناسفة يصعب اكتشافها حال إخفائها في الملابس أو ربما حتى داخل جسده، وتم استهداف الأمير محمد بن نايف نائب وزير الداخلية آنذاك، والذي نجا بأعجوبة، وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2009، صنع إبراهيم العسيري عبوة ناسفة مبتكرة للنيجيري عمر فاروق عبد المطلب، والذي استطاع السفر من أوروبا إلى ديترويت بعد أن خبأ العبوة الناسفة في ملابسه الداخلية، وسط إخفاق شديد لأجهزة الاستخبارات والأمن في الكشف عن العبوة التي لم تنفجر، وعمل التنظيم في عام 2010، على تكرار العملية وتهريب قنابل داخل طرد لمحبرات طابعات حواسب إلى أمريكا وأوروبا كادت أن تنجح، كما جاء إغلاق السفارات الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط في رمضان الماضي بسبب تهديدات من التنظيم ليبرهن على أنه لا يزال يتمتع بالمرونة والقدرة على التكيّف والتأثير.

لقد شهد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على الصعيد الداخلي تطورا كبيرا عقب ثورات الربيع العربي وتمكن من تطوير أدائه التنظيمي والإيديولوجي، فقد استثمر الغضب الشعبي وحالة عدم الاستقرار بتوسيع نطاق عمله، حيث ابتكر آلية جديدة للعمل والتجنيد عبر المزاوجة بين طبيعته النخبوية والانتقال إلى العمل الشعبي من خلال الإعلان عن تنظيم مساند أطلق عليه جماعة "أنصار الشريعة" بزعامة أبو حمزة الزنجباري جلال بلعيدي المرقشي، والتي سرعان ما استنسخت في بلدان عديدة كتونس والمغرب  وليبيا ومصر ومالي، وبرهن  تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وأتباعه في جماعة أنصار الشريعة على قدرة لافته على التكيّف والمرونة وعن امتلاكه بنيّة تحية وقاعدة صلبة.

بالتزامن مع الحملة العسكرية على معاقل تنظيم القاعدة في اليمن والحرب المستعرة، انطلقت حملة إعلامية ضارية بين الحكومة والقاعدة، فقد برر الرئيس اليمني الحملة في خطابه أمام الاحتفال الذي أقيم بمناسبة تخرج الدفعة الخامس والعشرين لدرجة الماجستير في الحقوق وعلوم الشرطة في كلية الدراسات العليا بأكاديمية الشرطة يوم الثلاثاء 29 نيسان/إبريل بأن تنظيم القاعدة تسبب في تدمير الاقتصاد والتنمية وتقدم العملية السياسية، وذكر أن 70 %  من أعضاء التنظيم من الأجانب من غير اليمنيين، وللتأكيد على مصداقية الرئيس أعلنت وزارة الدفاع مقتل أبو مسلم الأوزبكي ثم أبو إسلام الشيشاني خلال العمليات.

تنظيم القاعدة سارع إلى إصدار بيان في اليوم التالي 30 نيسان/ إبريل أكد فيه على أن الغالبية العظمى من "المجاهدين من أبناء هذا البلد المسلم"، وشدد على أن الأجانب الوحيدين في اليمن "هم جنود أمريكيون ينفذون هجمات بطائرات بدون طيار وسفراء من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول "صليبية" أخرى تسيطر على سياسات اليمن ورجال أعمال أجانب سرقوا موارد البلاد"، وهاجم البيان الرئيس هادي بقوله: "هو الذي سرق والتف على ثورة الشعب ضد سلفه المخلوع, و هو الذي سلَّم أجزاء كبيرة من البلاد لجماعة الحوثي, وهو الذي أباح البلاد للطائرات الأمريكية لترتكب المجازر".

لا أعتقد أن الحملة العسكرية على تنظيم القاعدة في اليمن ستنجح في تحقيق أهدافها، فالمشكلة الأساسية في البلد الأفقر عربيا مركبة ومعقدة، وهي مزيج مركب من الفشل في إدارة الدولة التي ساهمت سياساتها الكارثية عبر عقود في خلق جملة من الأسباب والشروط والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الموضوعية المثالية لتنامي النزعات الهوياتية والأثنية والقبلية والإيديولوجية، وهي الثيمات الرئيسية التي يتسلل عبرها تنظيم القاعدة. 

تنامي تنظيم القاعدة في اليمن هو النتيجة الطبيعية لقطع مسار الثورة اليمنية التي خرجت في 11 فبراير/شباط 2011 للمطالبة بالتخلص من منظومة الحكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية البائسة التي قادت البلاد إلى حافة الهاوية وأدخلته في حدود الفشل التام، والمبادرة الخليجية لم تكن أفضل الخيارات لتحقيق أهداف الثورة، بل حلا براغماتيا لإعادة إنتاج السلطوية في اليمن وإخراج البلاد من حالة الفشل، وتجاوز خيار الحرب الأهلية، وتجنب حالة الانهيار الشامل من النواحي الأمنية والاقتصادية، وقطع الطريق أمام المشاريع الفرعية داخل الثورة، التي تحاول استغلال حالة الانسداد والانزلاق نحو الحرب لخدمة مصالح جهوية وفئوية وقبلية ومذهبية خاصة، فالقاعدة ليست سببا للفشل بل هي نتيجة  منطقية، كما هو حال المشروع الانفصالي في الجنوب، والمشروع الحوثي في الشمال، واعتماد المقاربة العسكرية الأمنية في سائر القضايا لا يأتي بخير لليمن ولا لليمنيين.