كتاب عربي 21

يوم بغداد الحزين

1300x600
كان يوما أغبر. تفاءل كثر بأن ذلك يعيق تقدم قوات الاحتلال الأميركية؛ رؤية الطيران والدبابات ستكون محدودة، ولن تتمكن من ضرب أهدافها بدقة. في الواقع، أعاق ذلك الغبار رؤيتنا نحن الصحفيين. كان الشهيد طارق أيوب أوضح الصور في ذلك اليوم الذي غابت فيه كثير من التفاصيل في ظل الغبار والقصف والركام.

يومها ألقى وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد باللائمة على الصحافة التي لم تُظهر القوات الأميركية قوات تحرير كما يريد. وقبلها، كان قد قصف مكتب "الجزيرة" في كابول. لكن المشكلة لم تكن فقط بالجزيرة؛ بل كانت في أي إعلام لا يروج الرواية الأميركية، إذ يومها قُتل أيضا صحفي إسباني.

حاولت إدارة جورج بوش الابن يومها تكرار تجربة إدارة بوش الأب في حرب الخليج الثانية مع الإعلام. إذ كان الصحفيون يُجمعون في فندق واحد، حيث يستمعون لإيجاز عسكري أميركي، ويسمح لهم بمرافقة الجيش الأميركي في المواقع التي يحددها وبموجب شروطه. 

فشلت التجربة ليس بسبب انتشار الفضائيات، بل بسبب وجود صحفيين يتحلون بالشجاعة، ويخاطرون بحياتهم في سبيل الوصول إلى الحقيقة وإيصالها. للتاريخ، سمحت إمارة طالبان لمحطة "سي. إن. إن" بفتح مكتب في كابول مثل "الجزيرة"، لكن المحطة الأميركية لم تجد صحفيا مثل تيسير علوني أو سامي الحاج اللذين دفعا سنوات من عمريهما في السجون بسبب التغطية الصحفية في أفغانستان.

في العراق كذلك، سُمح للجميع بالتغطية. لكن قلة صمدت أمام القصف المزلزل، تماما كالقلة التي صمدت في مظاهرات سورية وجبهاتها لاحقا، كما جبهات ليبيا وساحات الإبادة في أفريقيا الوسطى. 

نتذكر طارق كما نتذكر أطوار بهجت، ورشيد والي، ومازن دعنا، وعلي جابر، ومحمد المسالمة، وحبيبة عبدالعزيز.. لا فرق بين الجيش الأميركي أو النظام السوري أو المصري أو "داعش"؛ ولا فرق بين الضحايا، سواء عملوا في "الجزيرة" أم "رويترز" أم غيرهما.

اليوم الحزين الذي وثقه طارق في بغداد، تقابله تلك الأيام المجيدة التي شهدنا فيها سقوط طغاة في "الربيع العربي". وفي الحالين، دفعت الصحافة الكلفة، وستظل تدفع، لأنها تتواجد حيث لا يجرؤ الآخرون. المهم أن لا ننسى الضحية، ولا ننسى القاتل. فالصحفي هو مؤرخ عصرنا الحديث، والأجيال مدينة له بكل خبر وبكل صورة.

لم يُحاسب بوش ولا رامسفيلد، ولم يُحاسب القذافي ولا بشار ولا البغدادي، والأرجح ألا يحاسبوا على قتل صحفي في المحاكم. لكن الحساب الأهم هو في الرواية الحقيقية التي توثقهم مجرمين قتلوا أبرياء. وهذه قوة الصحافة؛ إنها الراوي الأصدق. لا أحد يصدق رواية الطغاة. وإن أفلتوا من حساب الحاضر، فهم مدانون بحساب التاريخ.

أحد عشر عاما مرت على اليوم الحزين. وقد خرج الأميركيون مهزومين، لكنهم تركوا من ورائهم بلدا خرابا، نهبا للطائفية والاحتراب الأهلي. المأمول أن ترى فاطمة ابنة طارق، هي وجيلها، أياما أجمل من يوم الرحيل. وأن توثق أياما كأيام انتصار ثورات تونس ومصر وليبيا. أما العدالة، فلا تتحقق كاملة إلا عند مليك مقتدر، وهو وحده من ينزل الشهداء منازلهم، وكذلك المجرمين. 

رحم الله طارق أيوب.