كتاب عربي 21

أردوغان

1300x600
لاحظت دراسة أجريت في الهند، أن الفقراء هم الأكثر مشاهدة لمسلسلات تعكس حياة الثراء والرفاه. ومن تابع تفاعل العرب مع الانتخابات المحلية التركية، لا بد أنه لاحظ أن الفقر الديمقراطي الذي يعيشونه، جعلهم ينخرطون في "المسلسل" التركي وأبطاله، بعيدا عن كوابيس السياسة التي يعيشون.

وامتد الاستقطاب الذي أحدثته الثورة المضادة بعد "الربيع العربي" إلى الانتخابات التركية؛ فقنوات كانت تحتفل بفوز حزب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان "العدالة والتنمية"، وأخرى كانت تقيم مجالس عزاء.

ومن المفيد متابعة المسلسل التركي حتى من المنظور المعادي. فالشعوب تتابع منافسة حقيقية، وسط مشاركة حقيقية، على أساس برامج سياسية واقتصادية، ولا أحد يستطيع الجزم لقبل ساعات بالنتيجة. وقد حقق أردوغان فوزا تاريخيا (47%). لكن مع سحق المعارضة فإنها ظلت بحدود 20%؛ فلا نشاهد في تركيا معارضة من طراز حزب مصري لا يمكن أن يفوز بأي انتخابات.

في الاستقطاب ينقسم الناس إلى أبيض وأسود؛ أردوغان بين صورة البطل الفاتح وصورة الدكتاتور، إذ تغيب عند المناصر سيئاته، كما تغيب عند المعادي حسناته. المهم أنه خضع للاختبار القاسي؛ طاف البلاد إلى درجة أنه فقد صوته، وتمكن من تحقيق النجاح المذهل. هل يوجد زعيم سياسي في العالم العربي يبذل كل هذا الجهد للحصول على أصوات الناخبين؟ 

من المهم للاستفادة من المسلسل التركي، تفكيك حالة الاستقطاب. فأردوغان له أخطاء، وكان من الممكن أن يخسر الانتخابات بسببها. وحتى بعد فوزه هذا، فإن ذلك لا يبدل سيئاته حسنات. حظر موقعي "تويتر" و"يوتيوب" بأي حجة من أعمال الدكتاتورية، وكان في غنى عنها، وهي سُنّة سيئة، بات إعلام الفلول في مصر يطالب بتعميمها في مصر، وبنفس المبررات. فتسريبات عبدالفتاح السيسي وغيرها تشبه ما سربته جماعة فتح الله غولن.

السياسي يخطئ، لكنه يُحاسب بالصندوق وحده، ولا يُستدعى الجيش لعمل انقلاب حتى نعالج الأخطاء. أردوغان من جيل دفع ثمن الانقلابات من حياته وحريته، أقرانه ضرجت دماؤهم الشوارع في التظاهرات، وأفنوا زهرة شبابهم في السجون وبأحكام "قضاء شامخ"! وهو نفسه ترجل من عرش بلدية اسطنبول إلى قاع السجن بسبب خطابه "المآذن حرابنا والقباب خوذنا". لكن دورة التاريخ أوصلته إلى عرش الرئاسة، وقادت من ظلموه من جنرالات إلى المحاكم وهم في أرذل العمر.

هو شخصيا حقق نهضة كبرى لتركيا. بالأرقام، تولى بلدية اسطنبول مدينة، وغادرها دائنة. وفي 2002 تولى رئاسة الحكومة وتركيا مدينة بخمسة وعشرين مليار دولار، وهي اليوم دائنة لصندوق النقد الدولي بخمسة مليارات دولار. لكن هو شخصيا كان سيتعفن في السجن أو يسحل في الشارع لو بقي العسكر في السلطة. وهو مدين لجيل بأكمله دفع أغلى الأثمان في سبيل تحرير البلاد من حكم العسكر.

عواصم كثيرة حزنت لفوزه. لا يهم دمشق وطهران والقاهرة.. المهم أن الصهاينة هم الأكثر حزنا، وهذا بحد ذاته تفسير لفرح الأكثرية في العالم العربي، وخصوصا في غزة التي انطلقت منها التظاهرات ابتهاجا. استراتيجي صهيوني أوضح خطورة الفوز، بقوله: "ما يفاقم خطورة فوز أردوغان على إسرائيل حقيقة أن أزمة القرم عززت مكانة تركيا الاستراتيجية لدى الغرب". تركيا وزن استراتيجي، وهي عاشر اقتصاد في العالم. وللأسف أن دولا عربية كانت يوما ذات وزن عالمي، تحولت إلى عبء على نفسها وعلى العالم.