كتاب عربي 21

البوتقة الحضارية لصراع الأمة مع الكيان الصهيوني.. قاموس المقاومة (2)

كيف يمكن استمرار الوعي بالصراع؟- الأناضول
الرؤية الحضارية ليست شعارا يطلق أو موقفا عنتريا يضرب، أو حركة حماسية أو انفعالية تشرع، أو قائمة كلام يلقى، أو بلاغة وفصاحة تلفظ، أو تعبئة الصراع برؤية دينية، بل هي رؤية استراتيجية حضارية تعبر عن وعي المكان، وعبرة الزمان، وسعي التدبير وأصالة الالتزام. حضارية الصراع وعي وسعي؛ وعي بالخصم والعدو والتعرف عليه بدقة، لأن ذلك من ضرورات تعيين المواجهة والتحسب للمقاومة والاستجابة للتحدي.

تحديات هذه الأمة مهما كانت جزئية أو متعينة، ممتدة أو متجذرة، هي في مكنونها حضارية الطابع والتكوين، حضارية النظرة والمنظور، وحضارية الاستجابة والتحدي، وحضارية المواجهة شمولا وتكتيلا وتعبئة وتفعيلا. الوعي الحضاري في مكوناته لا يكون إلا بمعرفة الخصوم، ومن الوعي أن تنزل كل خصم منزلته، وأن تعرف أصول منازلته، فمعرفة المنزلة أول خطوة في أصول المنازلة، وأول درجات الوعي والسعي في مواجهة النوازل التي تخص الصراع العربي الإسرائيلي.

الوعي الحضاري في مكوناته لا يكون إلا بمعرفة الخصوم، ومن الوعي أن تنزل كل خصم منزلته، وأن تعرف أصول منازلته، فمعرفة المنزلة أول خطوة في أصول المنازلة، وأول درجات الوعي والسعي في مواجهة النوازل التي تخص الصراع العربي الإسرائيلي

هكذا وجب علينا أن ننظر في مكنون هذه الرؤى فتكون المعادلة ذات أبعاد حضارية متنوعة متكافلة متكاملة:

المكان X الزمان X التدبير X الالتزام= رؤية حضارية استراتيجية عميقة وشاملة

تلك الرؤية هي التي تُشتق منها عناصر مهمة في تصور الصراع؛ تشكل كل واحدة منها مجالا للاهتمام لواحد من هؤلاء المفكرين الأفذاذ. ومن المهم هنا أن نشير إلى أن جمال حمدان لم يكن بعيدا بأي حال من الأحوال عن دراسة الصراع العربي الصهيوني، بل إنه في أخريات حياته ووفقا للمقربين منه وخاصة أخيه؛ فقد تحدث بأنه -حمدان- كان يكتب كتابا عن صراع الأمة مع الكيان الصهيوني، إلا أن هذا الكتاب قد اختفى من بعد موته المفاجئ، والبعض يقول من بعد تدبير مقتله.

وأيا كانت الأمور فإن حمدان المكان، حمدان الموقع لا الموضع، حمدان الاستراتيجية والجغرافيا؛ كان أيضا في قلب تحليل اليهود، فكتب كتابه المهم "اليهود أنثروبولوجيا"، والذي حرص أستاذنا المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري على أن يطبعه مرة أخرى بمقدمة إضافية، محتفيا به وبتلك الأفكار التي يحملها.

والحكيم البشري كان في قلب الصراع مع الكيان الصهيوني، فكتب هذا الكتاب الفذ الذي يعتبر علامة من العلامات التي يهتم فيها بأمته: "العرب في مواجهة العدوان"، هذا الكتاب العمدة الذي أطلق فيه صيحته بأن النجاة من الطوفان هي الإبحار في العمق، وأن مواجهة الأزمات هو بالتصدي لها، وأن القيام بواجب التحدي لكل عدوان على الأمة هو الطريق الوحيد في الممانعة والمقاومة. وهو لم يتوقف على ذلك ولكنه تحدث عن قلب القضية وميزانها؛ تحدث عن القدس، فقد جعل من القدس وعاء لفلسطين كلها، ولعل هذا النظر هو الذي تقوم عليه كتائب المقاومة في "طوفان الأقصى" حينما تجعل من القدس وفلسطين القضية المركزية للأمة؛ عربية كانت أم إسلامية.

أما الدكتور المسيري فقد شكل قيمة وقمة الالتزام حينما اهتم بموسوعته عن "اليهود واليهودية والصهيونية" ليثبت الجذور ويؤكد على مصيرية هذا الصراع من الناحية الحضارية والفكرية والمعرفية؛ هذه الموسوعة التي نظمت موادها، والتي ربطت بين النموذج الغربي والكيان الصهيوني باعتباره حالة وظيفية لتلك الحضارة، إنما كان بذلك يقرأ من خلال هذا الوعي المعرفي العميق طبيعة الصراع ومساره ومستقبله.

وستكون لنا محطة نعرّف فيها بجهده الفياض في هذا المقام، بما في ذلك ما كتبه عن الانتفاضة الفلسطينية بتأكيده أنها أهم منعطف في مسيرة وذاكرة الصراع. وانطلاقا من تلك الانتفاضة كان يرى أن الحديث عن نهاية إسرائيل ليس أمرا مبالغا فيه ولكنها الحقيقة الكبرى التي تلوح في الأفق. ومن جميل ما أدركه استاذنا الجليل أن جعل هذا الكتاب ملكية عامة للأمة حينما كتب في صدر طبعته "حقوق الطبع محفوظة للأمة".

أما أستاذنا المرحوم الدكتور حامد ربيع، أستاذ العلوم السياسية والعقل الاستراتيجي النادر، فكنت وأنا تلميذ له أتعجب لماذا يكتب عن الصراع العربي الصهيوني بهذا الكم، ولماذا يهتم بإسرائيل والدراسات الصهيونية بهذه الكيفية، إلى أن تبين لي الأمر بعد موته أو استشهاده، فالأمر هنا يتعلق بأستاذ قدير وضع يده على حقيقة هذا الصراع ومصيريته وحضاريته؛ في سياق أنه من المهم أن تعي وتتعرف على عدوك الذي يمتلك استراتيجية في محاولة استهداف الأمة واستهداف هويتها، فأطلق كتابه المهم ككتاب توعوي وتثقيفي "الثقافة العربية.. بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامل القومي"، والذي أفاد فيه وأفاض لماذا يهتم بتلك الدراسات في إطار "اعرف عدوك حتى يمكنك مواجهته"، وجعل من دراساته المتعددة عن المجتمع الإسرائيلي والصهيونية والدعاية الإسرائيلية مجالا لاهتمامه وامتد اهتمامه من بعد ليتحدث عن إدارة الصراع العربي الصهيوني.

منزل الصراع - مكان - جمال حمدان

نوازل الصراع - زمان - طارق البشري

منازلة الصراع - تدبير - حامد ربيع

منزلة الصراع - التزام - عبد الوهاب المسيري

لم نختر هؤلاء الأربعة عبثا، ويمكن أن يضاف إليهم الكثير ممن اهتم بتلك الدراسات لنؤكد على تكامل الرؤية وزوايا النظر مع ذلك التعدد لمجهر الاهتمام لكل واحد من هؤلاء المفكرين العظام؛ حينما شيدوا رؤية متكاملة أردنا أن نرصدها ونبصر بها في إطار من المشترك في النظرة الحضارية للصراع، وذلك بتفحص الأشباه المتقاطعة والنظائر المشتركة. وكيف نؤلف بين التميّز في كل نظرة مع وحدة الفكرة والرؤية، إلا في إطار يسمح بتكافل الرؤى والتخصصات والمرجعيات؟ هذه هي طبيعة الرؤى الحضارية، وعي بالنظر الحضاري الشامل العميق في زمنه ومكانه واتساقه، في ساحته الحضارية، وعناصر تحديات وأصول استجاباته، حتى يتحقق أصول الوعي الحضاري والسعي المرتبط به، وتكامل اللبنات الذي يحركه ملاط (أسمنت) المشترك في عمارة الوعي والسعي بذلك الصراع الحضاري، هكذا تمكن رؤية المشترك.

وفي هذا السياق، يمكن الجمع بين المختلف في ائتلاف يحرك تكافل الرؤى والتخصصات ضمن نظرة واعية بوضع اللبنات في فهم الصراع والوعي بمقتضياته؛ من سياسات وعلاقات واستراتيجيات حضارية كما سبقت الإشارة بين حمدان والبشري وربيع والمسيري؛ هذه النماذج الفكرية التي تخيّرناها تشكل البوتقة التي انصهرت فيها الرؤى لتؤسس عناصر رؤية حضارية وجودية ومصيرية كاملة ومتكاملة، متنوعة ومتكافلة، كلية حضارية شاملة.

من أي نقطة بدأت من حمدان أو البشري أو ربيع أو المسيري، ومن أي مسار شرعت من المكان أو الزمان أو التدبير أو الالتزام، فأنت تسير إلى تلك الرؤية الحضارية لصراع ممتد يستدعي كل هذه العناصر في بوتقة حضارية تؤسس الرؤى وتحقق وعي السعي من خلالها وسعي الوعي بالتعامل معها.

فالمكان لا يعد إلا في زمانه الممتد الذي يشكل ذاكرته وامتداده مكانته وقيمته التاريخ، فينادي بدوره على الجغرافيا والزمان والمكان، والمكان يفرض على أهله التزاما بمقتضياته ومعطياته ويفرض قدرة ومكنة على التدبير، في كل ما يتعلق به من حفظ الكيان وحفظ المكان وحماية الإمكانيات والمكنة والمكانة، وتأسيس التمكين والتأثير والفاعلية في المكان والزمان والإنسان. والزمان ليس فراغا من الوقت، بل هو قيمة في ذاته وفينا يمتلئ به من فعل حضاري حاضر وفعال، وهو يدعو المكان بما يشكله من ساحة حضارية للفعل الإنساني تدبيرا والتزاما.

ومعطيات الزمان وتدبير الالتزام والتزام التدبير؛ حركة فاعلة نحو قضايا الأمة تدبيرا وإلزاما، ها هو التدبير: تدبير المكان وتدبير الزمان وتدبير الالتزام في جامع حضاري يعي للأمة مكانتها وقضاياها الناشئة عن حاجاتها واحتياجاتها عن تحدياتها وابتلاءاتها الحضارية عن خياراتها واستجاباتها الحضارية.

التدبير حركة ماض (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) وحركة حاضرة؛ حضور في الزمان والمكان وشهود يحمل الرسالة في المكان والزمان، وحركة استقبال تعني الاعتبار الماضي بالحضور الفعال بالمستقبل المنشود (ولتنظر نفس ما قدمت لغد)، تدبير يتحرك صوب كل ما يحفز الكيان وينفعه.

أما إذا شرعنا في مسار الالتزام فهو التزام جامع بما يلزمه المكان وبما يلزمه الزمان حفاظا على الكيان وبما يتغيا التدبير بالنسبة للمكان والزمان التزاما بأصول التسيير وقواعد التدبير ومكان التأثير التزاما بقضايا الأمة، وهو يؤكد امتدادها في المكان والزمان وتدبير أهلهما والمسئولين عنهما في كل حركة تسيير وكل خطوة تدبير.

المكان= اعتبار الزمان+ التدبير+ الالتزام

الزمان= امتداد المكان+ التدبير + الالتزام

التدبير= الزمان+ المكان+ الالتزام

الالتزام= الزمان+ المكان+ التدبير

مسارات المعادلات تؤدي إلى بعضها البعض، والخلل في واحدة منها يؤدي إلى اختلال الرؤية، بل هذا الاختلال يستطرق في كل العناصر الأخرى. المعادلة تتحرك صوب فعلين مهمين: الإدارة والإرادة، "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة" (التوبة: 46).

twitter.com/Saif_abdelfatah