اقتصاد عربي

استثمارات وتبرعات بالخارج.. هل تخلى رجال الأعمال عن مصر في أزمتها؟

مراقبون وصفوا توجه رجال الأعمال المصريين إلى الخارج بأنه ظاهرة خطيرة لها تأثيرها على اقتصاد البلاد المتداعي- جيتي
مع ما تعانيه مصر من أزمات مالية واقتصادية ترصدها بشكل دوري وكالات التصنيف العالمية وصندوق النقد الدولي والتقارير الصحفية الاقتصادية الدولية، بدا لافتا توجه بعض رجال أعمالها الكبار باستثماراتهم لدول أخرى، ما يثير التساؤل حول أسباب هذا التحول، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة في مصر.

وتعاني مصر من أزمات تتزايد تعقيدا، مع تفاقم ديون خارجية بلغت 162.9 مليار دولار بنهاية كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وسط مطالبات بدفع التزامات العام المالي الجاري 2022-2023، بنحو 20.2 مليار دولار، وهي الأزمة التي يفاقمها هروب الاستثمارات الخارجية والمال الساخن مع شح الدولار وتغوله على قيمة العملة المحلية.

"محمد منصور"
آخر رجال الأعمال الذين بدا حضورهم قويا في بلدان غير مصر كان وزير النقل الأسبق بعهد الرئيس الراحل حسني مبارك، الملياردير محمد منصور، الذي تأتي عائلته (محمد ويوسف وياسين)، بالمرتبة الثالثة كأغنى الأسر العربية بصافي ثروة بلغ 5.1 مليار دولار، وفق تصنيف "فوربس"، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

منصور، الذي يدير "مجموعة منصور" التي أسسها والده لطفي عام 1952 ويعمل بها 60 ألف موظف، ويمتلك وحده 2.5 مليار دولار؛ منح أكبر تبرع بتاريخ حزب "المحافظين" البريطاني في عقدين، بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني (6.2 مليون دولار)، وفق تأكيد صحيفة "تليغراف"، الأحد الماضي.

وفي نهاية العام الماضي، قدم منصور تبرعات للحزب نفسه عبر شركة (أوناتراك) التي يمتلكها، وذلك بعد تعيينه بمنصب أمين الصندوق الأول لجمع التبرعات للحزب الحاكم في بريطانيا، استعدادا للانتخابات القادمة.

منصور، الذي يحمل الجنسية البريطانية بجانب المصرية تبرع حينها بـ600 ألف جنيه إسترليني، معلنا ولاءه الكامل لبريطانيا، بقوله للإعلام الإنجليزي: "بصفتي مواطنا بريطانيا فخورا، أتطلع للعمل مع الفريق لدعم الحزب والبلد"، في إشارة إلى حزب المحافظين، والمملكة المتحدة.

ورغم أن عائلة منصور هي إحدى أكبر داعمي النادي الأهلي المصري التاريخيين، إلا أنه وجه استثماراته بمجال الرياضة للدوري الأمريكي، في البلد الذي يحمل جنسيته هو الآخر، حيث اشترت شركة "مان كابيتال" الذراع الاستثمارية للمجموعة رخصة بدوري النخبة الأمريكي لكرة القدم لإنشاء فريق بمدينة سان دييغو، مقابل 500 مليون دولار.

تبرعات محمد منصور، المتتالية لحزب المحافظين، ثم حديثه عن دعم الحزب الإنجليزي والبلد الأوروبي، واستثماراته في بريطانيا وأمريكا، أثارت جميعها التساؤلات حول أسباب إعلان الملياردير المصري عن ولائه وتقديم خدماته لبريطانيا على حساب بلده الأصلي، مصر.

لكن، في المقابل أرجع كثيرون السبب إلى سياسات الجباية والنهب التي يقوم بها نظام السيسي بحق المصريين ورجال الأعمال وسيطرة الجيش والجهات السيادية على اقتصاد البلاد واقتطاع الكعكة من القطاع الخاص، وسجن بعض رجال الأعمال مثل صفوان ثابت ونجله صاحبي شركة "جهينة".

وهنا أشار تقرير "تليغراف"، إلى أزمة عائلة منصور في ستينيات القرن الماضي عندما صادر الرئيس جمال عبد الناصر أملاكها، ملمحا إلى أن هذا هو السبب الذي دفع محمد منصور للقدوم إلى بريطانيا "بوصفها دولة تتمتع بسيادة القانون".

"عائلة ساويرس"
يظهر في كادر رجال الأعمال الكبار الذين يتوجهون باستثماراتهم إلى خارج مصر، الملياردير ناصيف ساويرس، أغنى المصريين والأفارقة بثروة تقدر بـ6.8 مليار دولار، وقد وجه الكثير من أعماله واستثماراته إلى سويسرا التي يحمل جنسيتها.

وفي 2 آيار/ مايو الجاري، أعلن شقيقه سميح ساويرس، الذي يمتلك نحو 1.5 مليار دولار أنه توقف تماما عن الاستثمار في بلده مصر، وأنه لن يدخل مشروعات جديدة بها، لـ"صعوبة دراسة جدوى المشروعات لتباين سعر صرف الجنيه"، وأنه سوف يتوجه باستثماراته للسعودية.

وفي هروب كبير آخر لأحد أهم رجال أعمال مصر، وفي 21 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كشف رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس نيته الاستثمار ببناء محطات شحن السيارات الكهربائية بالمغرب ودول أفريقيا، باستثمار أولي يقدر بـ100 مليون دولار.

كما أنه أعرب عن استعداده للاستثمار بقطاع الطاقة الشمسية البديلة، مع تدشين مشروعات صناعات غذائية، مثل مصنع للسكر، والاستثمار بقطاع السياحة الرائج بالمغرب هو وصناعة السيارات.

تلك الأخبار والتصريحات، تدفع مراقبين لوصف توجه رجال الأعمال المصريين للخارج بأنه ظاهرة خطيرة لها تأثيرها على اقتصاد البلاد المتداعي.

"نجلتا فريد خميس"
وفي واقعة أخرى، دشنت نجلة رجل الأعمال الراحل محمد فريد خميس، شركة في بريطانيا التي تحمل جنسيتها، في خبر جرى نشره 25 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حول بيع صوري لربع أسهم شركة "النساجون الشرقيون" لشركة إنجليزية.

وأعلنت الشركة المتخصصة بصناعة السجاد والموكيت نقل ملكية 24.61 بالمئة من أسهمها المقيدة بالبورصة المصرية، والمملوكة لياسمين وفريدة محمد خميس لشركة إنجليزية، تحمل اسم "FYK LIMITED".

وقتها أكد مراقبون أن توجه نجلتي فريد خميس، يمثل هروبا من السوق المصرية بسبب تداعيات أزمة شح الدولار، وقيود الدولة على حركة نقل الأموال، موضحين أنه بهذا الإجراء صار من حقهما نقل أرباح الشركة بالدولار للخارج دون مساءلة، وفق ما يعرف بنظام "الملاذات الضريبية".

وهو ما أثار حينها حفيظة رجل الأعمال المصري الأمريكي محمود وهبة الذي أعلن عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي في 4 كانون الثاني/ يناير، أسماء وعناوين 356 شركة مصرية لها حسابات سرية في الخارج عبر شركات "الأوفشور" الوهمية أو "الملاذات الضريبية".

"المنظومة وليس النظام"
وفي تعليقه، قال رئيس المعهد الأوروبي للقانون الدولي والعلاقات الدولية، الدكتور محمود رفعت، إن "حركة رجال الأعمال وتحرك رؤوس الأموال من دولة إلى دولة يحكمها أولا طمأنة رأس المال المعروف عنه أنه جبان".

وأضاف لـ"عربي21": "لذلك فإن المنظومة الحاكمة وليس النظام هي التي تحكم تحركات رأس المال، أي طريقة سير العمل، وكمية الضرائب، والقوانين، والنظام الضرائبي والإداري، والبنية التحتية وغيرها الكثير من الأمور".

وأوضح أنه "لذلك نجد رؤس أموال تهرب حتى من أمريكا عندما يجد رأس المال مكانا أفضل للاستثمار، وهكذا فإن المسألة ليست نظاما بقدر المنظومة ذاتها في مصر".

وأكد أن "المناخ الحالي يحتاج تحسينا بالقوانين، وبالجهاز الإداري، وتدريب الإداريين الذين يتعاملون مع المستثمرين، بجانب مسألة سيادة القانون نفسه، وطمأنة المستثمر بأن القانون سيطبق وأن هناك شفافية، وجميعها تلعب دورا هاما بجذب المستثمرين أو طردهم".

وعاود رفعت التأكيد على أن "الكلام يجب أن يكون عن المنظومة وليس النظام"، مضيفا أنه "رغم أن النظام صنع جزءا كبيرا من المنظومة الحالية لكنها وجدت قبله وقام هو بتعميقها بسياسات اقتصادية خاطئة".

"هروب خليجي"
وعلى التوازي فإن توجه بعض رجال الأعمال المصريين الكبار للاستثمار خارج مصر، تلاه حديث مرعب عن عدم ضخ بعض الشركات والصناديق الخليجية استثمارات جديدة بمصر، أو التخارج من السوق الأكبر عربيا من حيث السكان (نحو 105 ملايين نسمة).

وفي 2 أيار/ مايو الجاري قالت الشركة "المتحدة للإلكترونيات" (إكسترا) السعودية إنها قررت وقف خططها التوسعية في مصر بعد دراسة جدوى، مرجعة السبب لعدم وضوح التوقعات المستقبلية في المناخ الاقتصادي العام بمصر.

وفي 7 نيسان/ أبريل الماضي، هدد المستثمر الإماراتي ومالك نادي "بيراميدز" المصري، سالم الشامسي، بإيقاف استثماراته الخاصة بالنادي، وأعلن عن عقد جلسة في نهاية الموسم الكروي الحالي 2023، لمناقشة مستقبل النادي في مصر.

ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" الاقتصادية البريطانية، عن مصرفي مقيم في دبي أن "صندوق أبوظبي السيادي" (ADQ)، أوقف مشاريعه مؤقتا في البلاد، فيما قال المصدر: "لا شهية لأي شيء جوهري في الوقت الحالي".

"رعب تجربة الخمسينيات"
رئيس حزب الخضر المصري المهندس محمد عوض، قال إن "مؤسسات التمويل الدولية تشير إلى بعض التحسن بمؤشرات نمو الاقتصاد المصري، وتتحدث عن معدلات عالية بدرجة ما؛ لكن العائد لدى الشعب والمستثمرين غير محسوس، ما يثير القلق".

وفي حديثه لـ"عربي21"، لفت إلى أن "الأوضاع السياسية بكل دولة لها تأثير مباشر على حركة الاستثمار وعلى حماس المستثمرين، وهي إحدى العوامل المؤثرة بقوة في الاستثمار بمصر،"، موضحا أن "السلطة تدفع بقوة بكافة التشريعات والتسهيلات لجلب مزيد من الاستثمارات المباشرة".

السياسي المصري، أكد أنه "ومع ذلك فهي لم تحقق الحد الأدنى من الطموحات المرجوة، وظني أن هذا يعود لفقدان فقه الأولويات الاقتصادية، وغياب الرؤية المتكاملة للأهداف الاقتصادية، وعدم إدراك السلطة لأهمية الترابط بين منظومة النشاط الاقتصادي والأوضاع السياسية".

وقال: "لا ينكر أحدا أن أوضاع السياسة غير المستقرة بمجتمع ما تؤثر سلبا على الأداء الاقتصادي، وتجربة مصر في خمسينيات القرن الماضي، وتأميم السلطة حينها للقطاع الخاص، لم يكن لغرض اقتصادي محض، بل لأهداف سياسية تتعلق بشحن الشعب وحشده خلف السلطة وقتها".

ويعتقد أن "هذه التجربة تثير فزع المستثمرين، طالما اتسعت فجوة فقدان الثقة مع السلطة، والتي تؤثر سلبا على آمان الاستثمار مهما قدمت السلطة من ضمانات"، مؤكدا أن "المستثمر يخشى أمرا كهذا قد يؤدي لفقدان أمواله".

عضو مجلس الشورى المصري السابق، أشار إلى مبدأ "رأس المال جبان"، موضحا أن "أمانه في الاستقرار السياسي للمجتمع"، وقال: "من ثم فلا أرى انسحاب بعض المستثمرين نتيجة قراءة للمستقبل السياسي لمصر، بقدر ما هو تخوفات وحرص على استثمار مستقر بمجتمع آخر".

وختم بالقول: "ومن ثم فهو بعيد أن يكون انسحابا لموقف سياسي سواء كان مساندا أو فيه تخل عن السلطة في مصر، حتى لو كان هذا الانسحاب في محصلته جزءا من بناء موقف سياسي".
الأكثر قراءة في أسبوع