اقتصاد عربي

طرح غير مسبوق.. ماذا يعني تنازل الجيش المصري عن ملكية 10 شركات؟

يمتلك الجيش 3 كيانات عسكرية تعمل بالمجالين العسكري والمدني
أثار إعلان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، السبت، أن القوات المسلحة المصرية وافقت على زيادة عدد الشركات التابعة لها والمقرر طرحها بالبورصة أو للبيع إلى مستثمرين استراتيجيين، إلى 10 شركات بجانب الطرح السابق لشركتين تابعتين للمؤسسة العسكرية، الكثير من التساؤلات.

وفي طريقها لسد فجوة التمويل التي قدرها صندوق النقد الدولي بنحو 17 مليار دولار، أعلنت مصر في آذار/ مارس الماضي طرح 32 شركة عامة بالبورصة وأمام مستثمرين استراتيجيين، كان من بينها شركتان تابعتان للجيش، وهما "وطنية"، و"صافي".

مدبولي، وخلال زيارته لبعض المصانع بمدينة العبور الجديدة (القاهرة)، أكد أن حكومته تسعى للوفاء بالتزامات البلاد الدولية وتستهدف لذلك تحقيق ملياري دولار قبل نهاية حزيران/ يونيو المقبل، من برنامج الطروحات المقررة.

"غموض وعدم جدية"

لكن خبراء ومراقبين رأوا في تصريحات مدبولي، الكثير من الغموض، خاصة وأنه لم يعلن موعدا محددا لطرح شركات الجيش الـ10 الجديدة، والتي يملك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وحده منها نحو 30 شركة تعمل بقطاعات مواد البناء والمواد الغذائية، والتعدين، والبتروكيماويات.

وهو الرأي الذي مال إليه الخبير الاقتصادي وائل النحاس، في حديثه السبت، مع موقع "مدى مصر"، حيث رأى أنها تصريحات "تفتقد الجدية، وتؤكد على عدم تعويل الحكومة على برنامج الطروحات، وعدم جديتها في بيع الشركات التي أعلنت عنها".

"لن يضحي بهذه الأصول"

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها الحديث عن طرح هذا العدد من شركات الجيش، إذ أنه وفي كانون الأول/ ديسمبر 2020، أعلن الرئيس التنفيذي لصندوق مصر السيادي، اختيار 3 شركات تابعة لوزارة الدفاع لإدراجها بالبورصة خلال الربع الأول من عام 2021، مشيرا لخطة بيع 100 بالمئة من أسهم 10 شركات يمتلكها الجيش.

ذلك المطلب تجدد بشكل مثير للجدل منذ موافقة صندوق النقد الدولي نهاية 2022، على منح مصر تمويلا بـ3 مليارات دولار على 46 شهرا، حيث طالب الصندوق بتخارج سريع للجيش من الاقتصاد لصالح القطاع الخاص.

ومع تباطؤ الحكومة المصرية في تنفيذ مطلب الصندوق، طرحت العديد من التقارير الصحفية الأجنبية التساؤلات حول قدرة السيسي على تقليل نفوذ الجيش الاقتصادي، وعن مدى تفريط الجيش في مصالحه، ومنها ما طرحته "فاينانشيال تايمز" 9 نيسان/ أبريل الماضي.

وبالفعل فإن إعلان مدبولي، هذه المرة عن طرح شركات الجيش، يأتي وسط ضغوط دولية وخليجية على مصر لبيع أصولها، وفي مقابل تقارير صحفية تتحدث عن تغول إمبراطورية الجيش المصري الاقتصادية التي تمتد من الزراعة ومزارع الأسماك لمصانع مواد البناء والأغذية، وعن بيزنس كبار الضباط.

وكذلك تلك التقارير التي تقول إن قيادات بالجيش المصري تعارض بيع شركاته، وأن المؤسسة العسكرية لن تضحي بأصولها الثابتة وتلك التي تدر أرباحا كبيرة لها، وإن ضحت فببعض الشركات الأقل ربحية.

وهو الرأي الذي يتفق مع ما قاله الباحث في مركز "مالكولم إتش كير" (كارنيجي) للشرق الأوسط، يزيد صايغ، من أن "الجيش المصري سيقاوم بيع الأصول التي تدر الأرباح".

بل إن صايغ ذهب للقول إن هذه الشركات لن تكون جذابة للمستثمرين الأجانب إلا في حال ضمان استمرار الامتيازات التي تحظى بها شركات الجيش، مثل "تدفق عقود المشتريات الحكومية عليها، والدعم والقدرة على تحميل الخسائر لخزانة الدولة".

"تساؤلات لافتة"

لذا فإن إعلان رئيس وزراء مصر عن موافقة الجيش بيع 10 شركات بدلا من 2 فقط، دفع مراقبين لطرح العديد من التساؤلات، والتي من بينها "هل الأمر لا يعدو مناورة من الحكومة المصرية لإرضاء صندوق النقد الدولي وبعض الشركاء الخليجيين المطالبين بإصلاحات اقتصادية في مصر وبينهم السعودية؟".

كذلك التساؤل عن نوعية الشركات التي من المحتمل أن يضحي الجيش بها، وهي شركات ذات ربحية عالية وأصول ثابتة أم شركات أقل في تصنيفها الاقتصادي؟

وفي ظل تقارير صحفية عن إحجام خليجي عن الطروحات المصرية والتي كان آخرها لصحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، هل يقلب طرح 10 شركات تابعة للجيش موازين ملف الطروحات ويزيد شهية المستثمرين الخليجيين ويرفع من قيم وحجم الاستثمار في مصر؟

كما أنه يثار التساؤل أيضا، حول المقابل الذي يمكن أن يمنحه السيسي للجيش أو الذي وعد به مقابل تنازل الجيش عن تلك الشركات؟

وأيضا، إذا كانت مصر بحاجة إلى تمويل بنحو 17 مليار دولار، وفقا لتقارير صندوق النقد الدولي، فأين يذهب عائد بيع شركات الجيش العشر، هل للجيش أم للحكومة، وما الفائدة التي تعود على الحكومة إذا ذهبت عوائد البيع للجيش؟

"عربي21"، طرحت تلك التساؤلات على سياسي مصري، وخبير عسكري، وآخر اقتصادي.

"مواءمة.. وطرح حزئي"

وفي تعليقه، قال السياسي والبرلماني المصري السابق الدكتور ثروت نافع: "لا أعتقد أنه سيكون طرحا كاملا للبيع، ولكنه طرح جزئي عبر مشاركة في الأصول".

مؤسس "الحركة الليبرالية المصرية"، أوضح في حديثه لـ"عربي21"، أن "فكرة الطرح للمستثمرين أو لمستثمر استراتيجي معناه مشاركة في الأصول وليس بيعا كاملا من وجهة نظري".

وأضاف أن "فكرة أن الطرح سيكون جزئيا أو أن البيع سيكون جزئيا أعتقد أنها تأتي كنوع من أنواع المواءمة من جهة النظام المصري لإرضاء الخليجيين وصندوق النقد الدولي، والمطالبين بالخروج الكامل من الاستثمارات الخاصة بالجيش".

ويعتقد نافع أن "العائد من بيع تلك الشركات سيكون لسداد الديون العاجلة على مصر حاليا"،
مبينا أنه "سواء كان العائد للجيش فقط أو للحكومة فسيكون لسداد الديون".

وأكد أنه "من المفترض أننا دولة واحدة، وأن تكون لدينا موازنة واحدة، لا أن تكون هناك موازنة خاصة بهذا وأخرى خاصة بذاك"، مستدركا بقوله: "لكن واقع الأمر أيا كان العائد فإنه سيتجه إلى سداد الديون".

"إيهام هؤلاء"

وفي رؤيته العسكرية، قال الباحث في الشؤون العسكرية محمود جمال إن "كل تصريحات السيسي ورئيس وزارئه هي محاولات لإيهام الداعمين الدوليين والإقليميين أن المؤسسة العسكرية في طريقها لرفع يدها عن سيطرتها على الاقتصاد المصري".

وحول الغرض من محاولات الإيهام تلك، أضاف لـ"عربي21": "حتى تتدفق الأموال الخليجية مرة أخرى، ويقتنع صندوق النقد الدولي أن مصر تنفذ الشروط قبل المراجعة الأولى، التي أجلت بسبب عدم التزام مصر بتنفيذ الشروط الكافية".

وفي رأي جمال، فإن "ما يثار عن بيع تلك الشركات من الصعب أن يحدث، بل من الممكن أن يحدث كما تم من قبل بطرح نسب بسيطة في البورصة لشركات وكيانات تتبع المؤسسة العسكرية".

وأوضح: "وذلك كما تم من قبل في الشركات العشر التي كانت المؤسسة العسكرية أعلنت عن طرحها في البورصة من قبل، حيث طرحت نسبة بسيطة وظلت المؤسسة هي المستحوذة على النسبة الأكبر".

وختم جمال رؤيته بالقول: "أكرر ما أذكره دائما؛ فالسيسي، يعلم أن إرضاء الجيش هو العامل الأساسي لبقائه في الحكم، وهو حريص على توسيع امتيازات الجيش لكسب ولائه أكبر فترة ممكنة، والجيش من زاوية أخرى لم يتنازل أو يتراجع عن امتيازاته".

"زواج كاثوليكي"

وفي رؤيته الاقتصادية، قال المستشار السياسي والاقتصادي المصري الدكتور حسام الشاذلي: "بات من الهام جدا أن ننظر للصورة الكاملة عندما نحاول أن نجد تفسيرات للسلوك الحالي أو المستقبلي لإمبراطورية الجيش في مصر".

الشاذلي، الذي يرأس جامعة "كامبردج المؤسسية" بسويسرا، أضاف لـ"عربي21": "لا شك أن النظام والجيش متورطان في زواج كاثوليكي لا يسمح بالانفصال، وأن القرارات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية تأتي بتوافق كامل مع النظام ومؤسسة الرئاسة".

ولفت إلى أن الأخيرة "تتحكم بصورة شبه كاملة في كل مؤسسات الدولة وعلى رأسها حكومة مدبولي، والتي لا تعدو كونها عروسة ماريونيت تتحرك بأصابع الرئاسة وتنطق بإرادتها".

وتابع: "وعليه فموافقة المؤسسة العسكرية على طرح أصول 10 شركات هو رد فعل متوقع للانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه المنظومة المصرية، في ظل استمرار تردي حال السوق وانهيار العملة مقابل الدولار، وغياب الثقة عن الشراكة الخليجية، وعدم وجود خارطة اقتصادية واضحة للخروج من أزمة تأخذ البلاد لطريق مرعب".

وأكد الأكاديمي المصري، أنه "هنا يجب أن نتأكد من أن الدائرة العسكرية الرئاسية في مصر هي دائرة مغلقة لن يتوقف السيسي فيها أبدا عن منح الجيش أي امتيازات، أو تسليم المؤسسة العسكرية ما تبقى من مفاتيح للمنظومة الاقتصادية".

ويعتقد أنه "ولذلك فسنرى بيعا لكل أصول الجيش، وليس فقط 10 شركات، وذلك لمحاولة إعطاء النظام قبلة جديدة للحياة، في حين ستستمر مؤسسة الرئاسة في البحث عن قروض جديدة باتت صعبة جدا وشروطها السياسية أقوى من الاقتصادية".

"معادلة حياة أو موت"

وأشار الشاذلي إلى أنه "علينا أن نتفهم أن ما يحدث الآن هو معادلة حياة أو موت للنظام يستخدم فيها كل الكروت المتاحة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والتي صنعت وساندت الانقلاب الذي أتى بنظام السيسي وحافظ عليه لقرابة 10 أعوام".

ولفت إلى ما اعتبره "الحقيقة المؤسفة والمؤكدة وهي أن المعايير الاقتصادية للاستثمار والتمويل ومنظومات جذب رؤوس الأموال في المنطقة قد تبدلت تماما، في حين تلعب السعودية والإمارات دورا رئيسيا في رسم المعالم الجديدة لذلك العالم الاقتصادي البليوني الجديد".

وأكد أن هذا العالم "لا يوجد مكان فيه لمنظومة متهالكة اقتصادية رجعية مثل تلك التي صنعها نظام السيسي، والتي لا تقدم أبسط القواعد للتغيير المطلوب لعضوية هذا العالم الجديد".

وأضاف: "القطار المصري يتجه بسرعة كبيرة نحو هوة اقتصادية واجتماعية خطيرة لا نجاة منها إلا بتغيير سياسي شامل يضمن تحقيق قواعد الشفافية والعدل وقواعد السوق الحرة، واختفاء المعتقلات والإفراج عن المعتقلين السياسيين وإنهاء الهيمنة الأمنية على البلاد".

ويرى الشاذلي ضرورة ذلك "من أجل خلق منظومة اقتصادية مختلفة تسمح بإسقاط بعض الديون، ومناقشة الجزء الآخر مع الشركاء الدوليين، كي تمنح مصر فرصة أخيرة للحاق بمكوك التغير الاقتصادي بالمنطقة، وقبولها كشريك جديد قبل فوات الأوان، وقبل أن تبتلعها هذه المنظومة الجديدة تماما".

"إمبراطورية ضخمة"

ومنذ انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح السيسي على الرئيس الراحل محمد مرسي 3 تموز/ يوليو 2013، شارك الجيش بقوة في جميع قطاعات الدولة وجرى استثناؤه من الكثير من الضرائب والجمارك والقيود الحكومية على أعماله التي لا تخضع لمراجعات الأجهزة الرقابية، كما أنه لا يتم نشر أي أرقام رسمية حول أعمال الجيش ووضعه المالي.

حصة المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري واسعة، وتتمثل في إنتاج السلع كالحديد والأسمنت ومواد البناء والمحاجر، والسلع الاستهلاكية المعمرة والملابس، والمواد، والأغذية والمشروبات والتبغ، والسيارات وقطع الغيار، والبيع بالتجزئة.

وكذلك الإعلام والترفيه، وأشباه الموصلات ومعدّات أنظمة النقل الذكية، والمعدّات الصلبة والتجهيزات التكنولوجية، وذلك وفقا لتقرير أصدره البنك الدولي، في كانون الأول/ ديسمبر 2020.

ويمتلك الجيش 3 كيانات عسكرية تعمل بالمجالين العسكري والمدني، هي وزارة الإنتاج الحربي ولديها 20 مصنعا، والهيئة العربية للتصنيع ولديها 12 مصنعا، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية ويدير 13 مصنعا، وفق مواقع الهيئات العسكرية على الإنترنت.

ويعمل آلاف الضباط واللواءات المتقاعدين بشركات ومصانع الجيش لتصنيع الإلكترونيات، والأجهزة المنزلية، والسيارات، واللحوم والدواجن، والأسماك، والمواد الغذائية والطرق والأسمنت، والمقاولات، والسكك الحديد، وقطاع التعدين، والاستصلاح الزراعي وغيرها.

وتتمتع مشروعات الجيش بإعفاء من ضريبة القيمة المضافة التي تم فرضها بقانون عام 2016، ومن الضريبة العقارية بقرار وزير الدفاع عام 2015، ومن ضريبة الدخل حسب قانون بعام 2005، ومن رسوم الاستيراد وفقا لقانون بعام 1986.
الأكثر قراءة في أسبوع