قضايا وآراء

إتمام مصالحة عربية لمواجهة العربي

1300x600

لم تعد هناك حاجة، أو حتى مبرر، لانتظار جولة الرئيس الأمريكي بايدن منتصف الشهر المقبل، والقمة التي سيعقدها في المنطقة العربية مع بعض القادة العرب ومع أعضاء الحكومة الإسرائيلية، فلا آفاق سياسية واضحة تتعلق بقضية فلسطين وملف العملية السياسية الميتة، ولا اعتراض أمريكيا على جرائم الاحتلال المتواصلة في فلسطين، ولا موقف من سياسات القمع المنتهج في أنظمة الاستبداد العربي؛ إلا في بعض حالات الابتزاز المفيد لأمريكا والغرب.

فإسرائيل والاستبداد العربي، حليفان مكملان للوظائف والمصالح الاستعمارية في المنطقة العربية، ولا داعي لشرح خريطة التحالف المعاد ترميمها بعد الثورات العربية ونجاح الثورات المضادة، والتي تبلغنا سلفاً، بأن حماية المنطقة العربية لا تتم إلا عبر إسرائيل. والحماية المقصودة هنا مقترنة بسؤال: ممن تحتمي هذه الأنظمة بالتحالف مع إسرائيل، وبإعادة تشكيل تحالفاتها السابقة فيما بينها بعد سنوات التحطيم والقمع لمجتمعات عربية؟

حدوث شروخات عميقة في العلاقات العربية في عقد الثورات، ولو بشكل ظاهري، مرتبط بمصير بعض الثورات في ليبيا ومصر وسوريا وتونس واليمن. وطبيعي أن تكون الدموية والوحشية التي خلفها نظام الأسد في سوريا، قد أظهرت بعض المواقف الشكلية من حلفائه الذين لم تهتز عروشهم بفعل الثورات. في مصر قصة الانقلاب على الثورة وسحقها، وتمويلها ومباركتها الأمريكية الإسرائيلية الغربية، تنسحب على بقية هذه التحالفات التي سرعان ما اهتزت شرعيتها، بعد فقدان بعضها السلطة التي أوغلت في الحطام والقتل والتهجير والانقلاب على الثورات، وصولاً للتفاخر الحاصل بعودة هذه التحالفات والعلاقات العربية العربية لسابق عهدها ووظيفتها، ولما نشهده في تزيين العلاقات العربية البينية في بيانات "المصالحة العربية كضرورة لمصلحة البلدين والشعبين"، ولمناقشة قضايا تهم الجانبين العائدين لأحضان بعضهما من بوابة المنفعة الأمنية القهرية، ولدعم اقتصاد الاستبداد لبعضه البعض بعد ترسيخ قبضته الباطشة على المجتمع بجرائم حرب وضد الإنسانية.

العلاقات العربية "الطبيعية" في كل أشكالها السابقة، في فتورها وقطيعتها وتوتراتها، لم تتخط إدارة وتنظيم الاقتصاد المنفعي للأنظمة الأمنية التي تدير سياساتها واقتصادها ومجتمعاتها من زاوية واحدة، بعدم تمكين الإنسان العربي من الإفلات من قبضتها، وإن حدث ذلك فعلاً كما أثبتت الوقائع العربية، سرعان ما تختفي كل عوامل القطيعة بمد جسور الدعم الاقتصادي والأمني لبعضها البعض. تثبيت وظائف الأنظمة المستبدة والتحالف فيما بينها مع التطبيع والتحالف مع الاحتلال الإسرائيلي، ينزع عن "التضامن العربي" والمصالح والعلاقات العربية كل صفة طبيعية تدخل في سياق بناء مجتمعات حرة كريمة.

ولما كان السؤال التاريخي منذ نكبة فلسطين عن مغزى شراء العرب السلاح وتكديسه، وتبني البعض شعار "التوازن الاستراتيجي" الذي لم يستخدم ضد العدو المحتل، فقد أتت إجابته في استخدامه لتدمير مدن عربية فوق رؤوس أهلها وتحويلها إلى خرائب، وإبقاء المواطن العادي على هيئة أرنب تلاحقه حرفية أنظمة الموت والقمع والحصار، والتي لم تتقن الطبيعة السابقة والحالية لهذه الأنظمة لا في حالات الوئام والخصام أو التآمر فيما بينها؛ سوى الفوز برضا صهيوني وأمريكي وغربي وروسي وإيراني وتركي. آخر همها كرامة وحرية ومواطنة وتحرر الإنسان العربي، وقضية فلسطين شاهد تاريخي ثقيل الوطأة، مع مفردات نقيضة لوظائف مستمرة، حتى في فترات "الهدوء الظاهري". في أنظمة الاستقرار كانت أعداد الضحايا في الزنازين والمعتقلات تتسع، وحملت في طياتها كل فرص الانفجار وخريطة العلاقات العربية وتحالفاتها السرية والعلنية مع المؤسسة الصهيونية، وهي ثمن الاستمرار والاستقرار للنظام العربي بدون مواطنه المنزوع من حريته وديمقراطيته وكرامته.

قناعة الإنسان العربي في رؤية "مصالحة" عربية أو علاقات عربية عربية، وبعيدة عن شعارات ما يجمع العرب من حقائق اللغة والتاريخ والتراث والدين التي أشبع منها في فراغ وأكاذيب تسقطها وقائع قمع وقهر الإنسان في حدوده العربية وفي مطاراته ومعابره، وحصار شقيقه في أرضه المحتلة، وفي قمع وقتل أشقائه في الجوار، وفي تبني خطاب وسلوك عنصري ضد العربي المهجر واللاجئ والناجي من ظلم الطاغية والمحتل. والقناعة الراسخة أن مصافحة وابتسامة قادة لبعضهم البعض وعناقهم أمام عدسات التلفزة، لن تخفي المقصود من ورائها في لم شمل الأنظمة لمواجهة انفجار الشارع العربي، الذي تؤسس له أنظمة الاستبداد والتطبيع فيما بينها وبين المشروع الصهيوني، بمباركة أمريكية.

 

twitter.com/nizar_sahli