قضايا وآراء

في أسباب انطلاقة موجات تالية لثورات الربيع العربي

1300x600

مع استمرار موجة المظاهرات والحراكات الشعبية الجديدة قي عدة قرى مصرية واتساع نطاقها الجغرافي، للمطالبة برحيل نظام السيسي وتحقيق الحرية والعدالة والكرامة للشعب المصري، تبرز إلى الأمام وبقوة أسئلة حول أسباب وعوامل استمرار موجات تالية لثورات الربيع العربي تمتلئ بها ساحات وميادين التحرير والتغيير العربية، لإسقاط الأنظمة الاستبدادية العربية.

العشرية الأولى

على الرغم من مرور عشر سنوات (2010-2020) على انطلاقة ثورات الربيع العربي من تونس، بيد أنها لم تحقق الشعارات التي رفعت في ميادين التحرير والتغيير العربية. وثمة أسباب ذاتية وموضوعية حالت دون تحقيق حلم الشعوب العربية التواقة للحرية والعدالة والديمقراطية بعد حكم الأنظمة الديكتاتورية الطويل، لكن في مقابل ذلك هناك عدة عوامل ستبقي ثورات الربيع العربي مستمرة، رغم محاولات إجهاضها بدعم مالي وسياسي وإعلامي أمريكي وغربي، ومن قبل بعض الدول العربية وفي المقدمة منها دولة الإمارات.

ففي الوقت الذي تعززت فيه الخطوات في العديد من دول العالم لجهة بناء مجتمع الحريات والمؤسسات والمنظمات الأهلية، يلحظ المتابع لتحولات المشهد العربي، سيادة مبدأ الفردية في الحكم في غالبية الدول العربية، وتغييب دور الغالبية الساحقة من الشعوب العربية، هذا فضلا عن فرض مصطلحات تخدم المبدأ المذكور، وذلك بغية الاستمرار في الحكم لنهب المال العام على حساب لقمة عيش المجتمعات.

لقد أدت عملية الإفساد المالي والإداري إلى زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فضلا عن تفشي ظواهر خطيرة في غالبية الدول العربية، وفي مقدمة تلك الظواهر ظاهرة القطط السمان حول النظم السياسية الحاكمة. وتلك الشريحة لا يهمها إلا أن تراكم رأس المال، بعيداً عن القيام باستثمارات تعود بمنفعة مباشرة على الأوطان والشعوب، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع وتيرة مؤشرات البؤس في غالبية الدول العربية، فتفاقمت معدلات البطالة، وازدادت قيمة الديون الخارجية، وارتفعت معدلات الفقر والفقر المدقع إلى معدلات فلكية رغم وجود المصادر الطبيعية الوطنية الكبيرة، وهذا بدوره سيكون من العوامل الهامة لاستمرار ثورات الربيع العربي التي نادت وتنادي بالتحول الديمقراطي.

 

أقلية من السكان تعيش في كنف النظام السياسي القائم بالقسم الأكبر من الدخل القومي لهذه الدولة أو تلك، في حين بقيت أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة والجهل

اللافت أن سياسات النظم السياسية العربية انعكست على كافة مناحي الحياة، ومن بينها الحياة السياسية والاقتصادية، وتجلى التعبير عن ذلك من خلال سوء توزيع الدخل القومي للدول العربية، حيث تتحكم أقلية من السكان تعيش في كنف النظام السياسي القائم بالقسم الأكبر من الدخل القومي لهذه الدولة أو تلك، في حين بقيت أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة والجهل.

مؤشرات البؤس

وبالأرقام يتوزع الدخل القومي بشكل أكثر عدالة نسبياً في الدول المتطورة، في حين يستحوذ 20 في المئة من سكان الوطن العربي على 90 في المئة من الدخل القومي، الأمر الذي يجعل 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر المدقع، ويضعف خياراتهم من صحة وتعليم ورفاه اجتماعي.

وللدلالة على سياسات النظم العربية الدكتاتورية الفاشلة، ارتفعت وتيرة معدلات البطالة بين النشيطين اقتصادياً، لتصل إلى 11 في المئة كحد أدنى و35 في المئة كحد أعلى في الدول العربية، في وقت وصلت فيه نسبة الأمية بين الإناث العربيات البالغات إلى 50 في المئة، كما تشير بحوث متخصصة إلى أن معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقي في حدود 35 في المئة خلال الأعوام الأخيرة. وكان مؤشر الأمية بين الشباب العربي هو الأخطر مقارنة ببعض الدول النامية في أمريكا اللاتينية، حيث وصل إلى نحو 20 في المئة.

ومن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية - بسبب السياسات الفاشلة للنظم الرسمية العربية - عدم الاستفادة بالشكل المطلوب من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وثورة المعلومات. وتُعزَى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية والدول المتطورة في دول العالم إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الشباب العربي، والتي كان مردها كما أسلفنا سياسات النظم العربية الرسمية، حيث لم تخصص الموازنات الكافية للارتقاء بمستويات التعليم والبحث العلمي.

واللافت أيضا أن المؤشرات تزداد سوءاً عند الإشارة إلى ضعف المشاركة السياسية الشعبية في غالبية الدول العربية، فضلاً عن ضعف مشاركة المرأة العربية في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، هذا في وقت أصبحت فيه مشاركة المرأة من المعايير الرئيسية لمستوى التطوّر والتنمية البشرية في دول العالم.

إذاً، المسؤول عن تدني مؤشرات التنمية البشرية في غالبية الدول العربية هي النظم السياسية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة.

تطلعات الشعوب

يمكن الجزم بأن الاستمرار في حالة النظم السياسية العربية المترهلة والفاشلة سيؤدي إلى تراجع في المؤشرات كافة، والدالة أساساً على تطوّر المجتمعات، إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، ويمنع العرب من اللحاق بركب الحضارة. وتبعاً لذلك، فإنه من المؤكد استمرار ثورات الربيع وفق تعبيرات تبتكرها الشعوب، وخاصة شرائح الشباب والطلاب منها، للمطالبة ببناء مؤسسات ومنظمات اجتماعية حقيقية، فضلا عن المطالبة بالتغيير الشامل وترسيخ مبدأ الديمقراطية وسيادة القانون، عوضا عن مبدأ الفردية في الحكم.

 

من المؤكد استمرار ثورات الربيع وفق تعبيرات تبتكرها الشعوب، وخاصة شرائح الشباب والطلاب منها، للمطالبة ببناء مؤسسات ومنظمات اجتماعية حقيقية، فضلا عن المطالبة بالتغيير الشامل وترسيخ مبدأ الديمقراطية

وبطبيعة الحال، فإن انتشار وترسيخ المبدأ المذكور سيهيئ الظروف السانحة لعودة رأس المال المالي العربي المهاجر من جهة – المقدر ببليون دولار أمريكي - وكذلك ستكون الطريق ممهدة لعودة الأدمغة العربية المهاجرة إلى أوطانها، حيث تشير دراسات عديدة إلى وجود خمسة ملايين من العلماء والأكاديميين والباحثين العرب في أوروبا وأمريكا. وبعودة رأس المال والقوى البشرية – خاصة تلك التي هجرت خلال السنوات الأخيرة إلى القارة العجوز وكندا - إلى الدول العربية وتوطينها في الوطن الأم، يمكن التأكيد عندئذ أن قدرات وطنية حقيقية كامنة ستدفع باتجاه تعزيز وتنمية قدرات الوطن والمواطن العربي، وتالياً تحسين شروط الأداء الاقتصادي لكافة القطاعات الاقتصادية في إطار الاقتصاديات الوطنية، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي عالية من شأنها تعزيز الخيارات للدول والشعوب العربية على حد سواء.

وقد تدفع تلك التغيرات إلى أن يتبوأ الوطن العربي مكانة هامة، ويصبح رقماً ليس هامشياً في إطار العلاقات الدولية، التي لا تعطي الشأن للضعيف اقتصادياً ومعرفياً فيها.

ويبقى القول إن مستقبل الشعوب العربية الواعد، مرهون باستثمار المصادر الطبيعية والبشرية التي يزخر بها الوطن العربي لمصلحة المواطن العربي في المقام الأول، حيث يستحوذ على نحو 60 في المئة من احتياطي النفط العالمي، ناهيك عن قوة بشرية كبيرة يصل مجموعها إلى 420 مليون عربي خلال العام الحالي (2020)، ومن بينها نحو 90 مليونا من فئة الشباب الفاعلة في ميادين مختلفة، وهي الفئة الأقدر على حماية منجزات شعوبها وتطلعاتها في المستقبل المنظور بعد اقتلاع أنظمة الاستبداد العربية.