حقوق وحريات

منظمة حقوقية: ألغام سرت قتل مع وقف التنفيذ

تعاني سرت الليبية منذ سنوات من وجود ألغام ومتفجرات تمت زراعتها داخل المدينة- (الأورومتوسطي)

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنه يشعر بقلق بالغ إزاء مخاطر الألغام والمتفجرات في مدينة سرت الليبية لقدرتها على حصد أرواح العديد من البشر، تماماً كما حصل في مدينة طرابلس والضواحي الجنوبية لها.

وذكر المرصد الأورومتوسطي في تقرير موجز، له اليوم الخميس أرسل نسخة منه لـ"عربي21"، أنّ مليشيات فاغنر الروسية المتعاقدة مع قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر زرعت كميات كبيرة من الألغام في مدينة سرت والطرق المؤدية لها من الجنوب والغرب، محذرًا من خطورة ذلك على حياة المدنيين حتى بعد انتهاء الحرب.

وذكر أنّ انفجار الألغام التي زرعتها تلك القوات في طرابلس وضواحيها الجنوبية أدى خلال الأشهر القليلة الماضية إلى وقوع ضحايا وصلت أعدادهم إلى حوالي 160 شخصًا ما بين قتيل وجريح، بينهم نساء وأطفال، بالإضافة إلى مختصين من فرق نزع الألغام.

ووثق المرصد الأورومتوسطي وجود مجموعة متنوعة من الألغام زُرعت في مدينة سرت، منها ما هو مزود بأسلاك تشغيل تنفجر بمجرد الضغط عليها، ومنها ما يُعد محفزاً لتفجير عبوات أكثر خطورة وقوة، ومنها ما يستخدم كمضاد للعربات، حيث جُهزت هذه الألغام بدوائر ولوحات كهربائية مرتبطة بأجهزة توقيت إلكترونية.

وهذه الألغام صُممت بطريقة تهدف إلى إلحاق العجز والإصابات المفضية إلى عاهة مستديمة، بل تصل في كثير من الأحيان إلى قتل الأشخاص، وذلك بمجرد الاقتراب منها وملامستها، والتي يكون ضحيتها في معظم الأحيان المدنيون العزل.

جدير بالذكر أن هناك جهتين في ليبيا تتقاسمان الحكم وهما منخرطتان في نزاع مسلح منذ نيسان (أبريل) 2019: حكومة الوفاق الوطني والقوات التابعة لها بقيادة فائز السراج وهي الحكومة المعترف بها دولياً، وقوات تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر تضم ليبيين ومرتزقة من جنسيات روسية وسودانية وتشادية.

ومنذ حوالي أربع سنوات تعاني مدينة سرت الليبية من وجود ألغام ومتفجرات تمت زراعتها داخل المدينة وعلى أطرافها، أودت بحياة العديد من المدنيين ودمرت العديد من المباني والطرقات.

ففي عام 2016 زرع تنظيم "داعش" مئات الألغام والمتفجرات الخطيرة في المنازل والطرقات قبيل الانسحاب من مدينة سرت وذلك ضمن عملية عسكرية وقعت بين "داعش" وقوات "درع ليبيا" التابعة لحكومة الوفاق، سميت آنذاك بعملية البنيان المرصوص.

وتكررت الاستراتيجية المستخدمة من قبل "داعش"، مجدداً في مدينة سرت، ولكن هذه المرة من قبل القوات التابعة لخليفة حفتر بالاشتراك مع مليشيات فاغنر الروسية وهي شركة عسكرية خاصة، وذلك بحسب مجموعة من التقارير الدولية.

ووثق التقرير شهادات لمدنيين ليبيين حول الألغام في سرت، ونقل عن أحمد إبراهيم (اسم مستعار) -أحد شهود العيان- قوله: "وجدنا ألغامًا عدة داخل مدينة سرت، وأرجو من جميع المواطنين الحذر والابتعاد عن طريق النهر غرب المدينة وطريق وادي جارف جنوب المدينة لوجود ألغام خطيرة مزروعة هناك".

وقال شاهد العيان الآخر "زياد علي" (اسم مستعار): "يوجد في طريق الرواغة الواقعة بين سرت والجفرة عمل كبير قام به الروس، حيث نشروا كميات كبيرة من الألغام، وأقاموا سواتر وحفروا أنفاقًا غربي وجنوبي سرت".

واستعرض التقرير أنواع الألغام التي تتم زراعتها في المدن الليبية، وهي ذاتها التي استخدمت سابقاً في مدينة سرت من قبل تنظيم الدولة "داعش" قبل انسحابه من المدينة، وكذلك المستخدمة حديثاً أيضاً في مدينة سرت من قبل قوات حفتر ومليشيات فاغنر الروسية.  هذه الأنواع تشمل: ألغاما نظامية، وأشراكا وفخاخا محلية الصنع، وألغاما من طراز PRB M3A1 وBB3.

وتفاقم زراعة الألغام والمتفجرات في المدن الليبية المعاناة تعانيها البلاد أصلا على صعيد الألغام غير المنزوعة، والذخائر غير المتفجرة وكذلك المتروكة.

فبحسب الأمم المتحدة تعتبر ليبيا واحدة من أكثر الدول في العالم تخزيناً للأسلحة غير الخاضعة للرقابة، حيث تقدر كمية الأسلحة المخزنة في ليبيا بـ150 إلى 200 ألف طن.

وقال المرصد الأورومتوسطي إن القانون الدولي حظر في العديد من الاتفاقيات والمبادئ القانونية زراعة الألغام الحربية واعتبرها جرائم توجب المساءلة الجنائية.

وأشار إلى اتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام (اتفاقية أوتاوا لعام 1997)، والتي جاءت لتفرض حظرًا شاملًا على الألغام المضادة للأفراد، فهي تحظر استعمال وتخزين وإنتاج وتطوير ونقل الألغام المضادة للأفراد، وتقضي بتدمير هذه الألغام، سواء أكانت مخزنة أم مزروعة في الأرض.

ودعا المرصد الأورومتوسطي ليبيا إلى الانضمام رسميًا إلى اتفاقية أوتاوا لعام 1997. كما أنه حث الأمم المتحدة على فتح تحقيق دولي في استخدام الألغام الأرضية وكل الأسلحة المحظورة في مدينة سرت من الجهات المتنازعة، ومحاسبة المتورطين فيها بما في ذلك الدول والجهات التي توفر دعماً للقوى المسلحة التي تستخدم هذه الأسلحة.

وشدد على وجوب إلزام القوات المتصارعة بالكشف عن خرائط ومخازن الألغام، بما يضمن سرعة تفكيكها وإزالة خطرها.

واقترح المرصد الحقوقي الدولي في تقريره إطلاق صندوق يوفر الدعم والإمكانات لإزالة الألغام وتفكيكها، وتعويض ضحاياها، سواء القديمة أو الجديدة، بما في ذلك توفير دعم ومعدات من أجل الكشف عن الألغام وتفكيكها وتقليل مخاطرها بما في ذلك العاملون في مجال تفكيكها.

وتتمتع سرت بأهمية استراتيجية، فهي تحتوي على قاعدة جوية عسكرية في الجنوب، وتعتبر بوابة لمنطقة "الهلال النفطي"، التي تستحوذ على القسم الأكبر من ثروات ليبيا النفطية.

وتتوسط سرت أكبر مدينتين بليبيا، فهي في المنتصف بين طرابلس (غربا)، عاصمة البلاد، وبنغازي (ألف كلم شرقي طرابلس)، عاصمة إقليم برقة في الشرق.

وكان تقرير لوكالة "الأناضول" صدر مطلع الأسبوع الجاري قد شدد على حالة التضارب الواسعة بين التصريحات السياسية المتفائلة بشأن تسليم منطقتي سرت والجفرة إلى الحكومة الليبية الشرعية، وبين الجسر الجوي الروسي لتعزيز تحصينات مليشيات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر بالمنطقة الوسطى، استعدادا لأي تطورات عسكرية مفاجئة.

وأكد التقرير أن الواقع العسكري على الأرض لا يوحي بأن هناك انسحابا قريبا لمليشيات حفتر والمرتزقة الأجانب من مدينة سرت (450 كلم شرقي طرابلس) وقاعدة الجفرة الجوية (300 كلم جنوبي سرت).

وأشار إلى أن نوعية الأسلحة وعدد الطائرات الروسية التي حطت بمطارات شرق ليبيا وقاعدتي القرضابية بسرت والجفرة الجويتين (وسط البلاد) تعكس أن مليشيا حفتر والمرتزقة الروس يستعدون لمواجهة عسكرية أكبر من مجرد معارك تقليدية مع الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية.

 

إقرأ أيضا: واشنطن وأنقرة تناقشان "حلا سياسيا" لسرت والجفرة