قضايا وآراء

رمضان في زمن "كورونا"

1300x600
لا شك في أن رمضان هذا العام يختلف عنه في الأعوام السابقة، فقد جاء حزيناً بعدما غابت عنه روحانياته المعتادة، وضاعت بهجته في غمرة الذعر المصطنع من "كورونا"، وفرضت أحكام الإجراءات الاحترازية غلق المساجد وأهمها على الإطلاق المسجد الحرام، ومُنعت العمرة التي كان المسلمون ينتظرونها بلهفة وشوق من كل عام، حتى الذين لم ينلهم شرف زيارته، كانوا يتطلعون لمشاهدة صلاة التراويح على شاشات التلفزة، حيث تنقل لهم مباشرة من الحرم الشريف، ليعوضهم بعض الشيء عن حرمانهم من زيارته وليعشوا أجواءه الروحانية، ويستمتعوا بقراءة القرآن وختمه على الهواء مباشرة وكأنهم يؤدون الصلاة هناك.

أغلقت المساجد في جميع الدول العربية؛ بسبب "كورونا"، بينما ظلت مفتوحة في بعض البلاد الإسلامية، كإندونسيا وباكستان وأفغانستان، ولم تُغلق، كما فُتحت المساجد في بعض الدول الغربية أيضا، ونُظمت الصلاة فيها مع التباعد بين المصلين، وبذلك حافظوا على الإجراءات الاحترازية وبطلت حجة "كورونا". وكان من الممكن أن تفعل ذلك باقي الدول الإسلامية، ولكنها لم ترغب، وكأنها وجدت ضالتها في "كورونا" لتحقق به غايتها!

أتفهم أن تعتقل قوات الاحتلال الصهيوني عدداً من الفلسطينيين وتفرض غرامات مالية على مصلين أدوا صلاة التراويح قرب المسجد الأقصى، كما حدث يوم الأحد الماضي، وإن لم تقم بهذا الفعل العدائي ضد المسلمين، الذي ينم على حقدها وبغضها للإسلام؛ لشككنا في الأمر، لكن أن تقوم حكومات عربية إسلامية بنفس هذا الفعل، فإن للشك هنا مجال وله معنى ومغزى، وهو ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام، لا يجرؤون أن يجيبوا عليها بصدق!!

وزير الأوقاف المصري مثلاً قال إن من يحمع الناس لصلاة جمعة أو جماعة تنبغي محاكمته بالخيانة العظمى، وتجده أحرص الناس على غلق المساجد، حتى حينما طالبه المصريون بأن تظل المساجد مفتوحة وأن يتلى فيها القرآن فقط، بلا مصلين؛ رفض بشدة!

وعلى الرغم من تقليل ساعات الحظر في كل البلدان العربية، وفك الحظر عن بعض الأماكن، كالنوادي والحدائق والأسواق التجارية، إلا انها ظلت محظورة على المساجد التي يرفع فيها اسم الله، مما يجعلك في دهشة من حالة التعنت هذه تجاه دور العبادة، ولماذا تلجأ الحكومات العربية لهذا التشدد غير المبرر؟! يزعمون أن تكدس الناس في المساجد يساعد على انتشار "كورونا"، ويغضون البصر عن تكدسهم في الأسواق وفي المواصلات العامة، فهل "كورونا" لا يغزو إلا المساجد ولا يهاجم إلا المصلين؟! كم من الجرائم ترتكب باسم "كورونا"، و"كورونا" منهم براء..

نعم رمضان في زمن "كورونا"، مختلف عن سابقيه، فكل مسلم يشعر بشيء من الحزن داخله، بعد أن غابت عنه أهم مظاهر البهجة فيه وروح التآلف التي كانت تتمثل في "موائد الإفطار الجماعي" التي تضم الأحبة ورفقاء الدرب، مثلما غابت "موائد الرحمن" التي كانت تقام في كل عام، ويتسابق المسلمون في البذل والعطاء ويسارعون في الخيرات للتقرب بها إلى الله عز وجل، ولم يعد للفقراء ولا لعابري سبيل مأوى يلجأون إليه!

نعم، اختلف رمضان في زمن "كورونا"، ولكنه لم يختلف على شاشات التلفزة العربية بل ظل على حاله من كل عام. استمرت القنوات الفضائية التي تمولها السعودية والإمارات على نفس مسارها ولم تخالف عهدها، فغزت المسلسلات الدرامية والبرامج الترفيهية والمسابقات الشاشات العربية، كعادتهم من كل عام، مع غياب تام للمسلسلات الدينية والتاريخية. وهذه سياسة متبعة في البلاد العربية منذ أن انطلقت الفضائيات العربية، في تسعينيات القرن المنصرم، لتغييب العقول وإغراق الناس في التفاهات والخزعبلات، ولإلهاء الناس عن العبادة في هذا الشهر الفضيل. وجاءت "كورونا" لترسخ أركان تلك السياسة الصهيونية، وتكشف عن وجوه هذه الأنظمة المتصهينة، فتعرض شبكات "إم بي سي" السعودية والتي تبث من دبي، مسلسلات متصهينة بلا أدنى حياء، بعد أن أصبح العشق الصهيوني للأميرين وليي عهد البلدين علناً، وبعد أن ظل سنوات طوال مختفياً وراء الستار!!

فتقدم الشبكة مسلسلاً باسم "أم هارون"، تشيد فيه بروعة الأم اليهودية بالمقارنة بجاراتها العربيات، وكان من الطبيعي أن يشيد به حساب "إسرائيل بالعربية" على تويتر، التابع لوزارة الخارجية الصهيونية، داعياً لمزيد من الأعمال الفنية التي تلقي الضوء على تاريخ العلاقات المتميزة بين العرب واليهود!!

ولم يكتفوا بهذا المسلسل، بل قدموا مسلسلاً آخر يدعو للتطبيع مع العدو الصهيونى بصراحة غير مسبوقة، باسم "مخرج 7"، وفيه يطرح موضوع التطبيع بفجاجة وتضليل، حيث أنه يتعدى رغبة بلد في التطبيع، بل لتبرير ذلك بهجوم على الشعب الفلسطيني بأقسى الاتهامات التي يصعب عرضها في قناة عربية، إلا بأمر من "ابن سلمان" نفسه، ومن ذلك الحوار بين الزوج "دوخي" وحماه السعودي، عمن هو العدو الحقيقي الإسرائيلي أم الفلسطيني؟!

وقد سارعت وسائل الإعلام الصهيونية والتواصل الاجتماعي لترجمة هذا المقطع إلى العبرية، لتظهر مدى كره سعوديين للفلسطينيين، واستعداد جيل جديد اللعب مع إسرائيل!

وجدت المسلسلات في زمن "كورونا" مَن يبررها بحجة التسلية في وقت الحظر لتشجيع الناس على المكوث في بيوتهم، بل الحقيقة هي الفرصة الذهبية لتلك الأنظمة المتصهينة لبث سمومها الصهيونية في عقول ووجدان الجماهير العربية لتغيير البوصلة عن العدو التاريخي للأمة!

ومع تغير البوصلة يُفتح باب المهازل والمساخر، فتجد مثلاً أحدى الممثلات اللاتى يقبضن ملايين الجنيهات في المسلسلات، تصف نفسها بالمجاهدة؛ لأنها تضطر للخروج رغم مخاطر "كورونا"، لتصوير المسلسل، وتدعي أنها تضحي بنفسها من أجل إمتاع الناس الجالسين في بيوتهم!!

الكل يتخذ من "كورونا" ذريعة وحجة لتبرير أفعالهم، وأزمة "كورونا" مظلومة بأفعال البشر، بل هي جاءت نذيراً للبشر وهم في غفلة عنها حتى الآن..

وبالرغم من كل السلبيات التي ورد ذكرها سلفاً، إلا أن رمضان في زمن "كورونا" له إيجابياته أيضا، فقد جعل من بيوت المسلمين مُصلى يجتمع فيه أفراد الأسرة الواحدة، يصلون معاً ويتلون القرآن معاً ويتدبرونه سوياً، بعد أن كانوا من قبل متفرقين ومنعزلين عن بعضهم البعض. فمن أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه في هذا الشهر الكريم هو تلاوة القرآن، فهي من صفات المؤمنين الصادقين..

"كورونا" جاء ليقرب العبد إلى ربه وليس ليبعده عنه، جاء هذا الفيروس الضئيل الذي لا يُرى بالعين المجردة، ولا يقدر عليه أحد؛ ليتدبر الإنسان حاله ويرى مدى ضعفه وهشاشته؛ فمهما بلغ من علم وقوة، فإنهما مستمدين من قوة وعلم الله ذي القوة المتين، وليس من ذاته؛ فيزيده ذلك التصاقاً بالله ويلتزم منهجه السديد، ويقوده إلى اليقين الحقيقي والإيمان الخالص سلوكاً وعملاً.. "كورونا" نعمة من نعم الله لمن يدركها..

twitter.com/amiraaboelfetou