كتاب عربي 21

ترامب- سليماني: أين الخطأ؟

1300x600

ثمة توافق على أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ قيام الثورة التي أطاحت بنظام الشاه الموالي لأمريكا عام 1979؛ تتميّز بحالة من التوتر الشديد في إطار لعبة المنافسة على النفوذ والسيطرة، لكن العلاقة لا تصل حد المواجهة المباشرة والحرب الشاملة، الأمر الذي يجعل من قرار ترامب باغتيال سليماني متهورا ومحيرا، فمن الذي غيّر قواعد اللعبة بين حليفين موضوعيين عملا معا في حرب الإرهاب (السني)؟

لا تزال دوافع ترامب باغتيال سليماني غامضة وغير مقنعة ومرعبة، ويبدو أنها تحمل طوابع شخصية، إذ لم يكن سليماني على قائمة الاستهداف الأمريكية، وعلى مدى سنوات كان يتحرك بحرية تحت نظر الولايات المتحدة، وعمل إلى جانب القوات الأمريكية في إطار محاربة تنظيم الدولة.

وقد فوجئ الكونغرس باغتيال سليماني في ساعة مبكرة من صباح الثالث من كانون الثاني/ يناير 2020، عندما نفذت طائرة أمريكية ضربة جوية قرب مطار بغداد الدولي، أدت لمقتل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس وثمانية من رفاقهما في العراق، وهو ما دعا الكونغرس إلى اتخاذ قرار بالحد من قدرة ترامب على شن حرب ضد إيران.

 

 

دوافع ترامب باغتيال سليماني غامضة وغير مقنعة ومرعبة، ويبدو أنها تحمل طوابع شخصية، إذ لم يكن سليماني على قائمة الاستهداف الأمريكية

أحد أكثر المبررات رواجا في دوافع قرار ترامب باغتيال سليماني، أن الأخير كان وراء الهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، وأنه قرر تغيير قواعد اللعبة. فحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن سليماني اجتمع في بغداد في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بحلفائه العراقيين ومن بينهم أبو مهدي المهندس، لتكليفهم "بتصعيد الهجمات على الأهداف الأمريكية"، من أجل مواجهة التظاهرات المتزايدة المناهضة للنظام في عدد من المدن العراقية، وتحديدا المدن ذات الغالبية الشيعية في وسط العراق وجنوبه. ويضيف التقرير أن "خطة سليماني المتمثلة في مهاجمة القوات الأمريكية، تهدف إلى إثارة رد عسكري من شأنه تحويل هذا الغضب المتزايد إلى الولايات المتحدة".

في هذا السياق، قال ترامب لقناة "فوكس نيوز" الأمريكية، إن سليماني "كان يخطط لهجمات محتملة تستهدف سفارتنا في بغداد من بين أربع سفارات أمريكية أخرى". وتابع قائلا: "تعاملنا مع سليماني سريعا كي لا يتكرر ما حصل للقنصلية الأمريكية في بنغازي" الليبية"، لافتا إلى ورود اتصال عُرف من خلاله مكان سليماني، "وكان علينا أن نتخذ قرارا، ولم نكن نملك الوقت للاتصال برئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي". ويقصد ترامب الهجوم الذي استهدف القنصلية الأمريكية في بنغازي في 12 من أيلول/ سبتمبر عام 2012، وأدى إلى مقتل السفير الأمريكي لدى طرابلس جي كريستوفر ستيفنز، وأربعة أمريكيين آخرين، وكان هذا الهجوم أحد أسباب خسارة هيلاري كلينتون سباق الرئاسة.

يبدو أن ترامب مستعد لفعل أي شيء لضمان الحصول على ولاية ثانية، ذلك أن العلاقات الأمريكية الإيرانية لم تبلغ حافة الهاوية في أحرج أوقاتها. فعلى مدى عقود، ادعت الولايات المتحدة الأمريكية أن إيران تشكّل تحديا شاملا لمصالحها، وتهديدا واسعا لحلفائها وشركائها في الشرق الأوسط، ولم تخل أي وثيقة للأمن القومي الأمريكي منذ سقوط نظام الشاه وصعود الجمهورية الإيرانية الإسلامية من الحديث عن الخطر الإيراني. وقد بلغت سوء العلاقة أوجها مع أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران التي امتدت 444 يوما، من 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 حتى 20 كانون الثاني/ يناير 1981، وتضاعفت الأزمة عندما فجّر انتحاري موالٍ لإيران السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983، حيث أُدرجت إيران منذ عام 1984 على لائحة الولايات المتحدة لـ"الدول الداعمة للإرهاب"، فضلا عن تعريفها كدولة "مارقة"، ومع ذلك تم تجاوز الأزمات دون الوصول إلى الحرب الشاملة.

 

 

 

ترامب مستعد لفعل أي شيء لضمان الحصول على ولاية ثانية، ذلك أن العلاقات الأمريكية الإيرانية لم تبلغ حافة الهاوية في أحرج أوقاتها


شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية تحولا بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، فقد أصبحت إيران حليفا موضوعيا لأمريكا، في إطار "الحرب على الإرهاب". فقد بات الإرهاب يعرّف بالحركات الراديكالية "السنية"، والعدو المشترك مكّن سليماني من إنشاء جيش ظل مكون من المليشيات الشيعية الملتزمة بعقيدة ولاية الفقيه، والتمدد والانتشار، وتمكين سيطرة هذ المليشيات وزيادة نفوذها، وخلق فضاء جيوسياسي من طهران إلى بغداد، مرورا بدمشق، وصولا إلى بيروت، فضلا عن نفوذها في البحرين واليمن، وهو ما أعاد دونالد ترامب التأكيد عليه بعد اغتيال سليماني بالقول: "إن تدمير تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي هو عدو طبيعي لإيران يصب في مصلحتها، ويجب أن نعمل سويا على هذا الأمر وغيرها من الأمور المشتركة".

لقد شكلت عقيدة "الإرهاب السني" بعد أحداث أيلول/ سبتمبر إطارا جامعا بين أمريكا وإيران، الأمر الذي مكّن سليماني منذ إدارته لـ"فيلق القدس" عام 1998 من تأسيس شبكة واسعة من المليشيات الخارجية التي باتت أحدى أهم مرتكزات الاستراتيجية الإيرانية للأمن القومي، والتي تقوم على اعتماد نمط "الحروب اللا متماثلة"، وهي شبكة معقدة تتكون من مليشيات شيعية ممتدة جغرافيا ومترابطة، عقديا ومتنوعة ديمغرافيا، تتبع أيديولوجية "ولاية الفقيه" وتنفذ رؤيته واستراتيجيته، بحيث أصبحت أذرع سليماني من أهم محركات النفوذ الإيراني في المنطقة.

 

شكلت عقيدة "الإرهاب السني" بعد أحداث أيلول/ سبتمبر إطارا جامعا بين أمريكا وإيران، الأمر الذي مكّن سليماني منذ إدارته لـ"فيلق القدس" عام 1998 من تأسيس شبكة واسعة من المليشيات الخارجية التي باتت أحد أهم ومرتكزات الاستراتيجية الإيرانية للأمن القومي

لم يكن نفوذ سليماني نتاج عمله وعبقريته فحسب، بل للمفارقة كانت مساهمة السياسة الأمريكية وحساباتها قصيرة النظر حاسمة في تضخيم شبكته وصناعة أسطورته، في سياق حرب "الإرهاب السني" ومحطاته الرئيسية عقب غزو أفغانستان 2001 ثم العراق 2003، وبعد الانتفاضات العربية السنية 2011. فرغم الخلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين حول التعامل مع إيران، إلا أن ثمة توافق على استبعاد خيار الحرب الشاملة، واعتبارها شريكا في حرب "الإرهاب السني"، من خلال العمل مع إيران واحتوائها وليس الصدام معها.

إن تمدد إيران في الشرق الأوسط هو نتاج رؤية أمريكية عميقة ترى في العالم السني خطرا على مصالحها باعتباره ينطوي على بنية متطرفة "إرهابية" متجذرة، بينما يشكل الشيعة حليفا محتملا في "حرب الإرهاب"، وهي رؤية تستند إلى أبعاد استشراقية ثقافوية استراتيجية، مدعومة بلوبي إيراني واسع داخل الولايات المتحدة. فقد دعمت واشنطن صدام حسين في حربه ضد إيران وصنفتها واحدة من دول "محور الشر" إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، لكن رؤيتها تبدلت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، حيث أطاحت أمريكا بحكم صدام حسين (السني) عام 2003 بالتعاون مع إيران ومليشيات سليماني، وأصبح العراق في دائرة النفوذ الإيراني، ودعمت أمريكا وبشكل منتظم المصالح الإيرانية، عندما قامت بالإطاحة بنظام طالبان (السني) في أفغانستان، ولم تنته جوائز أمريكا لإيران عند هذا الحد. ففي عام 2014 وبعد اجتياح مقاتلي تنظيم الدولة (السني) شمالي العراق، قامت الولايات المتحدة بتشكيل تحالف من 80 دولة لمواجهة جهاديي تنظيم الدولة، وكانت إيران هي المستفيد الأكبر.

تشكّل عقيدة "الإرهاب السني" الإطار الجامع للتحالف الموضوعي الأمريكي الإيراني، وهو الذي مكن سليماني من مد شبكة مليشياته في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فقد منحت القوات الجوية الأمريكية هذه المليشيات قوة هائلة وعملت معها على الأرض، ففي اليمن باتت مليشيا "أنصار الله" الحوثية قوة بفضل القوات الأمريكية التي تركتها لمواجهة عدو مشترك ممثلا بتنظيمي "القاعدة" و"داعش". وفي سوريا قامت شبكة وكلاء سليماني بالتمدد بذريعة التصدي لتنظيم الدولة، وقام سليماني بتدريب وتمويل أكثر من 100 ألف مقاتل شيعي، وظهر سليماني مرات عديدة في معارك وهو يقود المليشيات الشيعية بنفسه. وقام حزب الله اللبناني بنشر نحو ثمانية آلاف مقاتل في سوريا، وساعد الجماعات غير الحكومية التي عرفت باسم المقاومة الإسلامية هناك، كقوات "لواء أبو فضل العباس" المكونة من العراقيين في الغالب التي تنشط حول دمشق، وقام "فيلق القدس" بتوسيع كوادر اللواء في سوريا بصورة أكبر من خلال مجموعة "عصائب أهل الحق". ومن بين هذه الجماعات قوات الرضا، وجماعة الغالبون، وسرايا المقاومة الإسلامية في سوريا، وجماعة لواء الباقر، إضافة إلى الجماعة الشيعية الباكستانية "لواء زينبيون"، والجماعة الشيعية الأفغانية "لواء فاطميون".

 

أذرع سليماني الأقوى اليوم تقع في العراق بفضل السياسات الأمريكية في "الحرب على الإرهاب"

إن أذرع سليماني الأقوى اليوم تقع في العراق بفضل السياسات الأمريكية في "الحرب على الإرهاب"، فقد أدى صعود تنظيم الدولة، إلى مأسسة مليشيات سليماني وجعلها دولة داخل الدولة العراقية، وقد عملت هذه المليشيات جنبا إلى جنب مع القوات الأمريكية في قتال تنظيم "الدولة"، وقد أصبح وجودها قانونيا، بعد إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي من مجلس النواب العراقي بالأغلبية في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وسط غياب واعتراض ممثلي السنة.

وتنقسم مليشيات الحشد الشعبي إلى ثلاث مجموعات أساسية: المجموعة الأولى تعلن ولاءها للمرشد الإيراني الأعلى، وتربطها علاقة وثيقة بالحرس الثوري الإيراني، ومنها: مؤسسة بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب حزب الله العراقية وحركة النجباء، وتعتبر المليشيات التي تتبع إيران الأقوى والأشد تأثيرا، حيث بنت إيران قوة من الوكلاء يفوق عددهم 60 ألف رجلٍ مليشياوي داخل العراق، وهم يُحدثون فراغا في القوى الأمنية العراقية، ويتغذّون من الميزانية الاتحادية بقدر بلغ 2.2 مليار دولار في عام 2019.

 

ثمة خطأ حدث في حسابات سليماني مع تصاعد حملة "الضغوط القصوى" الأمريكية، وتفاقمت مع اندلاع الحراكات الاحتجاجية التي اجتاحت إيران والدول الواقعة تحت هيمنتها في العراق ولبنان، والتي كانت أحد مطالبها التخلص من الهيمنة الإيرانية

يبدو أن ثمة خطأ حدث في حسابات سليماني مع تصاعد حملة "الضغوط القصوى" الأمريكية، وتفاقمت مع اندلاع الحراكات الاحتجاجية التي اجتاحت إيران والدول الواقعة تحت هيمنتها في العراق ولبنان، والتي كانت أحد مطالبها التخلص من الهيمنة الإيرانية والطبقة السياسية الشيعية الفاسدة. وقد سارعت إيران ووكلاؤها إلى اتهام المحتجين بتنفيذ مؤامرة "أمريكية"، ونفذت حملة من القمع الممنهج، أسفرت عن مقتل 500 عراقي وإصابة أكثر من 25 ألفا آخرين، وبدأت أذرع سليماني بتصعيد الهجمات على أهداف أمريكية في العراق. وحولت كتائب حزب الله وِجهتها نحو القوات الأمريكية في العراق، كما فعلت في 27 كانون الأول/ ديسمبر، عندما قتلت متعاقدا أمريكيا وأصابت ثلاثة عسكريين أمريكيين في القاعدة العسكرية "ك1" في كركوك.

لم يكن الهجوم بغارات جوية أمريكية على مقرات حزب الله العراقي، والتي قتلت أكثر من 24 من مقاتلي الكتائب، واضحا كفاية لردع أذرع سليماني. فحسب توماس فريدمان كان ينبغي على إيران تفهم اغتياله لإخلاله بطبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية الخاصة، وحماية إيران من قراراته الغبية التي أفضت إلى دفع مليشياته لشن هجوم على السفارة الأمريكية عشية رأس السنة الجديدة، حيث انضم إلى أنصار كتائب حزب الله خارج السفارة الأمريكية ثلاثة من أقوى قادة المليشيات الموالية لإيران في العراق، وهم قائد الكتائب ونائب قائد قوات الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، ، وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، وقائد فيلق بدر هادي العامري، وفرضوا على البرلمان إصدار قرار برحيل القوات الأمريكية من العراق.

خلاصة القول أن ثمة خطأ مشترك اوقع فيه الثنائي ترامب- سليماني يتعلق بسوء تقدير للمخاطر. فقد أساء سليماني التقدير مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية في إيران والعراق ولبنان ضد شبكة نفوذ مليشياته، وتغاضى عن الأسباب الحقيقية للانتفاضات، وأراد أن يصرفها بالتصعيد مع أمريكا، وتخلى عن التحالف الموضوعي معها في مواجهة العدو المشترك المتمثل بـ"الإرهاب السني" المفترض، الذي كان ذريعة رئيسية لتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. بل ادعى سليماني أن هذا الإرهاب السني المفترض هو صناعة أمريكية، في سبيل التخلص من الأزمات البنيوية الكامنة في صلب النظام الإيراني ومشروعه. أما ترامب فأساء تقدير خطر سليماني وخشي على مصير ولايته الثانية.

ولا جدال في أن غباء الثنائي ترامب وسليماني أسعد عدوهما المشترك، تنظيم الدولة، فزعيم التنظيم، الهاشمي، ينتظر مزيدا من الغباء الذي يصعب ترميمه وإصلاحه.