أفكَار

إنتاج البحث العلمي.. معضلة لبنانية تخنقها "هجرة الأدمغة"

لبنان علم (الأناضول)

لم يظهر اسم أي لبناني في قائمة الشخصيات الحائزة على جائزة "نوبل" في ميادين العلوم، لترسم هذه النتائج صورة قاتمة عن الإنتاج العلمي اللبناني الذي تميّز في الخارج، وحصد المنحدرون من أصل لبناني الجوائز بعد حصولهم على جنسيات أجنبية، وتبوؤوا أرفع المناصب العالمية كمواطنين لدول أخرى غير لبنان.
 
ولا يؤشر ذلك إلى نقص في القدرات العلمية اللنبانية، ولا بالآفاق التي فُتحت طوال السنوات الماضية، بقدر ما يؤشر إلى غياب حكومي عن الاستثمار في الأدمغة، إذ لا توفر من موازنتها تمويلاً لبحوث علمية يمكن أن تنقل البلاد من ضفة المتلقي إلى ضفة المنتج، ومن ضفة المستثمر بالتهجير إلى ضفة الاستثمار بالأدمغة. وهي معضلة تتمدد منذ أكثر من 50 عاماً بعد مرحلة لاحت فيها بوادر التطور في ميدان العلوم، وانطفأت إثر الحرب اللبنانية.

 


 
والنقاش المفتوح على المستوى السياسي بين التحول من "الاقتصاد الريعي" إلى "الاقتصاد المنتج"، هو اختزال غير موفق لمعضلة لبنانية، فكرية وعلمية، لا تزال تسكن نظريات آنفة، ولم تتطور إلى مستوى التطبيق أو مجاراة العصر. كما يمثل هذا النقاش جزءاً يسيراً من نقاش عن التصورات لانتقال على المستوى الفكري إلى مستوى العبور بالدولة. فالمقترحات لا تزال تدور حول بديهيات، فيما تجاوز العالم هذا التصور إلى مستوى مواكبة العصر، لا سيما حين يدور النقاش حول مرحلة ما بعد التطور التقني.
 
والحال أن الاستثمار بالإنسان، واحتواء الأدمغة ضمن نشاط وطني، يحتاج قبل أي شيء إلى تمويل تتقلص حظوظه لصالح أولويات وطنية، لا تخرج من دائرة الإحاطة بالدين العام والإيفاء بالالتزامات المالية، ومراعاة المجتمع الدولي، في حين يتقلص تمويل البحوث العلمية، ما ينعكس إحباطاً في صفوف المستعدين لخوض غماره، وينتهوا في تهيّب المشهد، لضعف الحيلة. ويدخل لبنان في دائرة مفرغة، يدور باحثوه فيها إلى حين العثور على منفذ نحو الهجرة

إنتاج علمي متميز

في مطلع الستينيات من القرن الماضي، أسس الدكتور مانوغ مانوغيان الذي كان يدرّس الرياضيات والفيزياء في "جامعة هايكازيان" في العام 1960، "جمعية جامعة هايكازيان للصواريخ" لـ"بناء صواريخ قادرة على وضع أقمار صناعية على محور الأرض لإجراء دراسات بيولوجية وعلمية". وأطلقت الجمعية خلال سنة مجموعة من الصواريخ نجحت في اجتياز مسافة تراوحت بين 304.8 و609.6 أمتار، ما أثار انتباه السلطات اللبنانية.

قد يكون هذا الإنجاز الذي بادرت إليه جمعية أكاديمية، واحدة من إنجازات معلنة لم تستثمر فيها السلطات اللبنانية، فانتهت من غير تطوير، ودخل مشروع صاروخ "ارز" الفضائي أرشيف الذاكرة، في وقت كان المهاجرون اللبنانيون يبدعون في الخارج، مثل العالم رمال رمال وغيره من العلماء اللبنانيين.

وبعد هذه المحاولة، لم تصل المحاولات المحلية إلى مستوى الإنجاز، رغم أنه "ليس هناك من قصور في الإنتاج العلمي في لبنان نسبة للموارد المالية المتوفرة أكان من الدولة أو من المؤسسات الجامعية  العامة أو الخاصة، وهذا يستند إلى تميز الكفاءات اللبنانية بإنجاز بحوث علمية وإنجاز مشاريع علمية لخدمة المجتمع في كل القطاعات الصحية والطبية والبيئة والصناعة والزراعة والعلوم الانسانية والاجتماعية وصولا الى العلوم الاقتصادية"، بحسب تصريحات أمين عام المجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزه لـ"عربي 21"

 



ويقول حمزة: "لا مشكلة في إنتاج العلم المتميز من ناحية الموارد البشرية، لأنها متوفرة في لبنان وقادرة على إنتاج علم متميز ومتقدم جدا ويضاهي العلوم والبحوث المحققة في دول أمريكية وأوروبية من دون شك، القصور هو في التمويل، لأنه تمويل ضعيف في لبنان وإمكانيات الدولة ضعيفة، ولكن الجامعات بدأت منذ 3 سنوات في الاستثمار بدعم مشاريع البحوث بشكل مشترك مع المجلس الوطني للبحوث العلمية، حيث زادت المبالغ المخصصة لدعم هذه المشاريع من حوالي ملياري ليرة سنويا إلى ما يناهز 9 مليار سنويا". 

ويضيف: "هذا التوجه رفع عدد المشاريع الممولة في المجلس الوطني للبحوث العلمية من 60 مشروع سنويا إلى 400 مشروع سنويا على صعيد لبنان، وانعكاس هذه المشاريع على القطاعات الآنفة الذكر لا يظهر بسرعة بل يحتاج إلى وقت، وثانيا يحتاج إلى التزام إدارات الدولة أن تستفيد من نتائج هذه المشاريع، لأنها لا تستند على هذه النتائج في مشاريعها الاستثمارية كمشاريع البنى التحتية أو مشاريع التطوير التي تعتمدها".

مشكلة التمويل

لا يمكن في أي بلد أن يكون هناك نجاح أو تقدم من دون بحث علمي جاد ورصين، لكنه يواجه تحديات كبيرة، وتحتاج هذه التحديات إلى تخصيص الميزانية له في مؤسسات التعليم العالي من معاهد وجامعات، بالإضافة إلى تدعيم الاستفادة من البحوث واستثمارها. وتقول رئيسة الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال الدكتوزرة مي عبد الله إنه "في لبنان يجب تعزيز دور المجلس الوطني للبحوث العلمية وضرورة تأمين الاعتمادات اللازمة كي يتمكن من القيام بدوره كما يجب". 

وترى عبد الله في حديث لـ"عربي21" أن "المشكلة في المجتمع اللبناني أنه يفتقر إلى ثقافة البحث العلمي المرتبط بخدمة المجتمع، بينما مجتمعنا تحول إلى مجتمع استهلاكي غير منتج، وتسيطر العقلية الريعية على العقلية الانتاجية والابداعية في كل المجالات الانتاجية، ومن هنا يأتي الاعتماد على الأفكار المستوردة من الخارج بدل أن نبدع فمثلا الصناعة عندنا متراجعة وحتى كل مجالات الابداع متراجعة لأننا  لا نتكل على طاقاتنا الخاصة". 

 



وتوضح أنه "ليس لدينا تربية مبنية على البحث العلمي، فمثلا بعض الدول في المغرب العربي بدأت التدريب على البحث العلمي من السنة الجامعية الأولى وهذا بدأ يتحول إلى ثقافة عامة في هذه البلدان، وتخصص أموالاً معينة وكافية للباحثين ولمراكز البحوث لتخدم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة"، أما في لبنان "فلم نصل إلى هذا المستوى، والأستاذ الجامعي يقضي حياته يعمل في أكثر من جامعة وبالتالي إنتاجه البحثي يكون ضئيلا لأنه مضطر إلى تأمين لقمة عيشه، فلا يهتم بالبحث العلمي إلا لأسباب معينة كالتدرج وأسباب آنية لتحسين وضعه المادي أكثر من الإبداع والمساهمة في خدمة الحاجات الاجتماعية للوطن". 

نقاط الضعف

ويعد عدم التزام إدارات الدولة بالاستفادة من نتائج هذه المشاريع نقطة الضعف الرئيسية، فلا مشكلة في إنتاج العلم المميز وعالي الجودة في لبنان بل في تبني نتائج هذه البحوث ونقلها إلى التطبيق، إن كان من القطاع الخاص أو من الإدارات المعنية.

ويقول حمزة: "إذا أخذنا أكثر الدول تطورا في إنتاج البحوث العلمية وأعني الصين والولايات المتحدة الأمريكية، نجدهما لا تزالان تستوردان الموارد البشرية من الخارج، وتستفيدان من نتائج البحوث المحققة في بلدان أخرى، فالبحث العلمي لا حدود له، والبحث العلمي اليوم يتم تنفيذه وفق سياسة ومنهج جديد اسمه "العلم المفتوح" والذي يعني أن نتائج البحوث هي حق لكل باحث علمي في العلم، وليس هناك من قيود أمام الوصول إلى نتائج هذه البحوث". 

 



لكن عبد الله، تنظر إلى الزاوية من نقطة مختلفة، تقول: "في لبنان ليس هناك من جو عام للبحث العلمي ولا بيئة بحثية تحفز الباحث على الاستمرار في الإبداع والابتكار البحثي، فمثلا ليس هناك حماية للملكية الفكرية من قبل المؤسسات المعنية، كي تفتح المجال للمجتمع من الاستفادة من نتائجها، كما ويجب على الباحثين في أي مجالات يجدر القيام بالأبحاث لأن كل ذلك هو حلقة دائرية، علينا أن نعرف الحاجات ومن ثم إنجاز الأبحاث والخروج بالنتائج ومن ثم معرفة كيفية استثمارها ومن ثم حمايتها، لا يمكن للبيئة البحثية أن تكون مفككة وذلك بهدف تأمين نجاحها".
 
وتشير إلى "أننا في أغلب الأحيان نعتمد في تمويل البحث العلمي على الجهات الحكومية والتي بالحقيقة لا تهتم بذلك ودعم القطاع الخاص له ضئيل وهذا يساهم بتراجع البحث العلمي في بلدنا". 

استيراد الفكر

ولا يختصر اللبنانيون المشكلة في أننا نستورد نتائج هذا العلم كعلم، "بل نستورد تطبيقات البحوث العلمية من تجهيزات إلكترونية ومن وسائل تواصل، ووسائل اتصالات ومن برمجيات على الكومبيوتر، بحسب ما يقول الدكتور حمزة، "إذ أن الدور العربي فيها لا يزال دور المستهلك وليس دور المنتج، مع أن جزءاً كبيراً منها ينفذه باحثون عرب ولكن في بلدان الاغتراب، بسبب توافر الأجواء العلمية والبيئة العلمية التي تسهل الربط ومد الجسور ما بين منتجي العلم وما بين المؤسسات والشركات الخاصة، التي تعمل على تطبيق هذه النتائج". 

ويضيف: "لا حذر عندي ولا خشية، لأن لبنان وكذلك عدد من الدول العربية لديها لديهم بحوث مميزة جدا، ولكن نقطة الضعف هي في كيفية نقل هذه البحوث الى ميادين التطبيق، والضعف الأعظم هي كيفية تبني هذه النتائج في سياسات وبرامج التنمية ضمن نفس الدولة". 

ويرى حمزة أن "الموضوع هو موضوع ثقافي بأن اللبناني مثله مثل المواطن العربي بالنسبة إليه "الإفرنجي برنجي"، يفضل أن يسمع نتائج البحوث العلمية من الأجانب ويعتمدها أحيانا ويستسهل الحصول عليها بينما عندما يريد أن يحصل عليها من باحثين لبنانيين يكون مترددا وهذا موضوع غير مبرر وغير منطقي، خاصة أن الباحثين اللبنانيين لديهم كفاءات متميزة إن كان في لبنان أو في العالم العربي". 

مشكلة عربية

مشكلة لبنان، جزء من مشكلة عربية بهذا الخصوص، بحسب ما ترى عبد الله، تقول: "البلدان العربية لديها مشكلة كبيرة في الترجمة، وأمامنا تحديات كبيرة بعدم قدرتنا على الاطلاع على الأبحاث الموجودة خارج البلدان العربية ولا نقوم بترجمة أبحاثنا ونتائجها فتبقى في بلادنا، فمصادر المعلومات حتى عن بلادنا تصل إلى العالم الغربي عن طريق الغرب وليس عن طريق العرب، وهذا عامل مؤذ على المدى البعيد لأنه من الضروري أن نوصل نحن هذه المعلومات والإحصاءات والدراسات عن بلادنا إلى العالم الغربي تحاشيا لإيصاله معلومات مغلوطة، ما يعني أنه علينا المباشرة بالمنافسة، فنحن لا ننتج ولا نترجم، وليس لدينا أي تراكم بحثي كبير، وهذا ما يحتاجه الباحث الحقيقي للوصول إلى التنظير وإلى نتائج مهمة يتم تبنيها من العلماء وتتحول إلى نظريات عالمية وهذا يحتاج إلى استقرار وإلى مثابرة في البحث العلمي لأن البحث يتحول إلى نوع من الرفاهية لأنه يحتاج إلى الوقت الكافي للإبتكار والإبداع بعيدا عن المصالح المادية المباشرة لأنه إنتاج للنخب يجب توفير أجواء من الراحة من أجل التفكير بهدوء وليس أن تتعرض للضغوط اليومية كما هو حاصل في لبنان، ولطالما كانت ولا تزال دولنا تعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية لا تسمح لإجراء البحوث العلمية وصولا إلى درجة الابداع"، على حد تعبيرها.