صحافة دولية

تشاتام هاوس: هل يعمق حفتر والسراج المأزق الليبي؟

تشاتام هاوس: المأزق الليبي يكمن في حفتر والسراج- جيتي

نشر موقع "تشاتام هاوس" مقالا للباحثين تيم إيتون وعماد الدين بادي، يحذران فيه من حالة الانسداد التي تشهدها الساحة الليبية في الوقت الراهن. 

 

ويشير الكاتبان في مقالهما، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن خليفة حفتر، قائد القوات المسلحة العربية الليبية، وهو فصيل عسكري قوي يشار إليه عادة "بالجيش الوطني الليبي"، أقدم في 4 نيسان/ أبريل، على شن هجوم على العاصمة الليبية، طرابلس، وتوقف الهجوم بعد ذلك بقليل، وبقي الوضع في حالة جمود منذ ذلك الحين. 

 

ويقول الباحثان إنه "في ظل هذه الأحداث، فإن الخلافات العالمية تكشفت أمام الجميع، وأثارت الأسئلة حول تواطؤ بعض الدول الخارجية، وكشفت ازدواجية أو خلافات في الرأي داخل دول أخرى، وشلت هذه الانقسامات إلى الآن مجلس الأمن في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى أن ردة الفعل الدولية الخجولة سمحت للعنف بأن يستمر ويتصاعد نتيجة لمزيد من الدعم الخارجي".

 

ويلفت الكاتبان إلى أن "حفتر كان قبل الهجوم قد تحرك ليقوي من موقفه، من خلال تطويره الجيش إلى شبكة عريضة تتضمن النواحي الأمنية والاقتصادية، وفي بعض الحالات النواحي السياسية، وكانت الحملات العنيفة التي قامت بها قوات حفتر للسيطرة على المدن الشرقية، بنغازي ودرنة قد تمت، وفي مناطق أخرى قام الجيش بالتوصل إلى صفقات للسيطرة على هلال النفط في شمال شرق ليبيا، حيث يوجد معظم الثروة النفطية الليبية، وتمدد إلى الجنوب لتوسيع نفوذه ليشمل عددا أعرض من المجموعات".

 

ويفيد الباحثان بأنه "حفتر حقق على الصعيد السياسي تقدما دون تقديم تنازلات، فمنذ أن عومل بشكل متساو مع رئيس الوزراء فايز السراج، لأول مرة في اجتماع استضافه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في صيف عام 2017، أصبح حفتر أكثر مركزية في المفاوضات السياسية، وفي الوقت الذي تداعت فيه خطط الأمم المتحدة، فإن فرنسا قامت بعقد قمة ثانية في أيار/ مايو 2018 كان حفتر بارزا فيها، وعندما قامت الحكومة الإيطالية بعقد قمتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، رفض حفتر المشاركة فيها بشكل كامل".

 

وينوه الكاتبان إلى أن "الأمم المتحدة بذلت جهودا للتوصل إلى صفقة بين السراج وحفتر عام 2019، وظهر اجتماع للرجلين في الإمارات على أنه أنتج اتفاقا، لكن التسريبات من المحادثات أشارت إلى أن حفتر سيمنح السيطرة على القوات العسكرية والأمن، ويكون له رأي في اختيار مجلس رئاسي، وكان بإمكان حفتر عشية الهجوم أن يدعي بأن أصبح أقوى قائد جيش".

 

ويجد الباحثان أنه "من المنظور السياسي، فإن شن الهجوم يبدو مفاجئا، فقد سرت شائعات على نطاق واسع بأن المؤتمر الوطني، الذي كان بوساطة الأمم المتحدة، والذي كان مقررا عقده في 14-16 نيسان/ أبريل، كان من المفترض أن تتم فيه المصادقة على صفقة أبو ظبي، وكان يتوقع أن يصادق مجلس الأمن على الاتفاق، وكان بإمكان حفتر أن يحظى باعتراف دولي". 

 

ويذكر الكاتبان أنه بعد شن الهجوم، ظهرت إشاعات بأن السراج كان مترددا، أو غير قادر على أن يفي بالصفقة، التي يقال إنه وقعها، مشيرين إلى أن من يقول هذا الكلام يحتج بأن حفتر قام بالتحرك لاعتقاده بأنه لن يحصل على الصفقة التي وعد بها.

 

ويشير الباحثان إلى أنه "من ناحية أخرى، فإن حفتر كان يقول منذ سنوات بأن قواته ستدخل طرابلس، وكان يخطط لهذه العملية منذ فترة، بالإضافة إلى أن تمدد جيشه إلى الجنوب كان مقدمة للهجوم، كما كان حفتر يحشد قواته في وسط البلاد، وفي هذا السياق، فإن معارضي حفتر محقون في التشكيك في مدى مصداقيته، والقول بأن المفاوضات كانت بالنسبة له مجرد غطاء للتغطية على طموحاته العسكرية".

 

ويبين الباحثان أن "الهجوم كان مصمما لحشد القوى الصديقة، وإقناع القوى الأخرى بالتحول إلى دعم (الجيش الوطني الليبي)، ومن المهم الإشارة إلى أن الهجوم على طرابلس لم يتصور على أنه سيكون معركة طاحنة من بناية إلى بناية، كما شهدت بنغازي، لكن كان سيكون عملية سريعة محدودة العنف، لكن هذا لم يحدث، وكان حشد بعض القوات من مصراتة والزنتان مع فشل المجموعات الأخرى من التحول، كما كان متوقعا، تسبب بفشل الخطة، ولم تتحرك المحاور الأمامية منذ أول ليلة من الهجوم".

 

ويرى الكاتبان أنه "علاوة على الدمار الذي ستتسبب به إطالة هذا الصراع، فإن تداعياته خطيرة، أولا: وجود المليشيات في طرابلس ينذر بوضع إنساني مأوساوي، خاصة إن انحدر الوضع إلى حرب شوارع، بالإضافة إلى أن الحشد المدني ضد حفتر ووعده بحكم عسكري يشيران إلى أن (الجيش الوطني الليبي) لن يحظى على أي حال بمستويات عالية من الشرعية في غرب ليبيا، وتظهر الصورة المستقطبة بأن الحلول المقترحة لا يمكن أن تعتمد على لي الأذرع (لتدجين) الشعب".

 

ويقول الباحثان إن "هجوم حفتر فاجأ العديد من الناس خارج ليبيا، لكن كان هناك جدل حول من كان يعلم وماذا كان يعلم ومتى، وكان هناك تقرير تم تداوله ينقل عن مسؤولين سعوديين، دون ذكر أسمائهم، بأن السعودية وعدت أن تقدم (عشرات الملايين) من الدولارات لتمويل حملة حفتر قبيل الهجوم، بالإضافة إلى أن هناك تقارير تفيد بأن مكالمة هاتفية تمت بين مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، وحفتر، تركت لدى الأخير انطباعا بأن لديه ضوءا أخضر من البيت الأبيض".

 

ويجد الكاتبان أنه "مع أن هذه التقارير تبقى غير مثبتة، فإن الحقائق المادية هي أن حفتر تم وضعه في موقع جعله يعتقد أنه قادر على شن الهجوم على العاصمة دون معارضة دولية أو شجب علني، وإن كانت تلك حساباته فقد ثبت أنه محق".

 

ويلفت الباحثان إلى أن "كلا من بريطانيا وأمريكا وإيطاليا انتقدت الهجوم مباشرة في بيانات واضحة، فيما فشلت فرنسا في وضع اللائمة على حفتر لهذا التصعيد، حتى صدر بيان الاتحاد الأوروبي في تاريخ 11 نيسان/ أبريل، بعد أسبوع من شن الهجوم، وتحول موقف أمريكا بعد ذلك بقليل، فالقراءة الرسمية للمكالمة الهاتفية بين ترامب وحفتر في تاريخ 15 نيسان/ أبريل -التي شجعها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحاكم الإمارات محمد بن زايد- هي أن الرجلين ناقشا (جهود مكافحة إرهاب جارية)، وهذا الأسلوب في وصف العلاقة على أساس مكافحة الإرهاب دعم ادعاء حفتر بأنه يسعى لتحرير العاصمة من المجموعات الجهادية".

 

وينوه الكاتبان إلى أن "موقف ترامب انعكس على الحكومة الأمريكية، ما أوقفها عن العمل على قرار لمجلس الأمن لوقف إطلاق النار، وفي الوقت ذاته، حرصت باريس على أن أي قرار يجب أن يتضمن حديثا عن مكافحة الإرهاب، مؤيدة لرواية حفتر، وركزت العناوين من الأمم المتحدة على معارضة روسيا للقرار، لكن ذلك هو مجرد تغطية للخلافات بين الأعضاء الدائمين الآخرين في المجلس، ويتوقع أن يبقى مجلس الأمن مشلولا حتى يكون هناك موقف أوضح من أمريكا".

 

ويفيد الباحثان بأن "القوى الإقليمية تستمر في الوقت ذاته في تقديم الدعم لحلفائها، وهو ما يحول الصراع شيئا فشيئا إلى حرب بالوكالة، والخوف يكمن في غياب إجماع دولي يفهم على أنه رخصة لإمداد الطرفين بأسلحة أكثر تطورا، وهناك أدلة على أن هذا يحصل فعلا، فظهرت صور لطائرات مسيرة صينية، ربما تكون قد اشترتها الإمارات وأرسلتها إلى ليبيا، ثم تم إرسال عربات مصفحة تركية لطرابلس عن طريق البحر، وتم نشرها في الحرب ضد قوات حفتر، وهذا يثير أسئلة حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه التصعيد، وكانت مصر والإمارات تقدمان الدعم الجوي لـ(الجيش الوطني الليبي) في الماضي، وبالنظر إلى هذه السابقة، فإنه لا يمكن استبعاد دعم السلاح الجوي القطري والتركي للقوات المعادية لحفتر، ويتم خرق قرار الأمم المتحدة من خلال حظر بيع الأسلحة لليبيا، وقد اعتقل الخبير المسؤول عن التحقيق في التجاوزات في تونس قبل عشرة أيام من الهجوم، ولا يزال معتقلا هناك".

 

ويرى الكاتبان أنه "إذا تركت الحرب الأهلية الليبية الثالثة دون معالجة فإنها تهدد بتمزيق التسوية المؤقتة الهشة بين إدارتين في شرق وغرب البلاد، ويبرز اعتماد كل منهما على الآخر من خلال سيطرة (الجيش الوطني الليبي) على البنية التحتية للنفط، وقيام حكومة الوفاق الوطني بتوزيع واردات النفط، وهناك مؤشرات على محاولة المؤسسات الشرقية للسعي لبيع النفط مباشرة لإخراج طرابلس من هذه العقدة".

 

ويبين الباحثان أنه "من ناحية أخرى، فإن احتمال فوز جانب غير متوقع، كما تبين أنه لا يمكن لأحد أن يسيطر على ليبيا بالقوة وحدها، ولا يتوقع أن يكون حفتر قادرا على دخول طرابلس، أو أن يسيطر بالقوة على البلد، وسينظر إليه على أن مغتصب من الفصائل المسلحة القوية التي ستستمر في مقاومة حكمه، ولن تكون هذه وصفة (للاستقرار)، وفي المقابل فإن هزيمة حفتر قد تؤدي إلى تفكك التحالف، ولذلك فإن المستقبل المحتمل لليبيا هو عدم الاستقرار الدائم، وسيكون هذا كارثيا لليبيا، ويوفر أرضية خصبة لازدهار مجموعات مثل تنظيم الدولة". 

 

ويرى الكاتبان أن "المخيف هو أنه من الصعب رؤية ما يمكن أن ينهي هذا الاقتتال، فبالنسبة لحفتر فإنه راهن بسمعته في هذا الهجوم، ويبدو أنه تجاوز نقطة اللاعودة، فأي تراجع من طرفه سيبدو فشلا أو ضعفا، وفي المقابل فإنه ليس بإمكانه إخافة خصومه للاستسلام له، ومع أن هناك حديثا حول العودة إلى اتفاق الإمارات، إلا أنه من غير المتوقع أن يتم ذلك".

 

ويقول الباحثان: "قد تظهر هناك فرص لبعض القوى للتدخل، ففي الوقت الذي تحد فيه موسكو من نافذة الدول الغربية للتدخل، وما يعكس ذلك معارضتها لقرار وقف إطلاق النار المقترح من بريطانيا في مجلس الأمن، فإن البعض يتوقع أن تطلق روسيا مبادرة شبيهة بمبادرة الأستانة الخاصة بسوريا، التي همشت الأمم المتحدة والقوى الغربية، وفي الواقع فإن ميل القيادات الغربية إلى عدم التدخل، خاصة بعد مكالمة ترامب مع حفتر، يترك فراغا ليملأه الآخرون".

 

ويختم الكاتبان مقالهما بالقول: "إن كان هناك أمل في إحياء الجهود التي قادتها الأمم المتحدة، فإن هناك حاجة لخطة تتضمن مفاوضات أوسع، حيث أن السراج وحفتر شخصيتان استقطابيتان؛ بسبب عدم فعالية الأول وعدوانية الثاني.. فيجب تحديد شخصيات ذات نفوذ على المستوى الاجتماعي والعسكري، تمثل الشعب بشكل حقيقي، وتلتزم بنتائج المفاوضات للتوصل إلى تسوية مستدامة".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)