كتب

الأكراد وتحديات الوجود السياسي.. قصة "الديمقراطي الكردستاني"

دخل جلال الطالباني معترك العمل السياسي المنظم سنة 1947، وأصبح عضوا فعالا في تنظيمات "البارتي"

الكتاب: مذكرات الرئيس جلال طالباني (رحلة ستونعاما من جبال كردستان إلى قصر السلام)
الكاتب: صلاح رشيد، ترجمة: شيرزاد شيخاني
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2019،
(572صفحة من القطع الكبير).

يُعَدُّ هذا الكتاب "مذكرات الرئيس جلال الطالباني" الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، والمتضمن نحو 572 من القطع الكبير، مرجعا حقيقيا للباحث الأكاديمي أو المثقف الكردي، بل حتى لعامة الشعب الكردي، إضافة إلى أنه سيثري المكتبة الكردية بوثيقة تاريخية كبرى، كيف لا ومؤلفه أحد أهم الزعماء الذين قادوا الثورات الكردية المسلحة، وهو جلال الطالباني، الذي ولد في قرية كلكان التابعة لقضاء كويسنحق سنة 1933..

أثر سقوط جمهورية مهاباد في تكوين الطالباني

تعود "المسألة الكردية" إلى أوائل القرن 16 الميلادي، عندما انتصر السلطان العثماني سليم الأول على الشاه إسماعيل الصفوي حاكم إيران في موقعة سهل تشالديران. سيطرت الجيوش العثمانية من وقتها على مدائن الأناضول وماردين وأورفه وغالبية أجزاء الأناضول، إثر هذه الموقعة العسكرية التي تعود إلى خمسة قرون مضت فقد الأكراد وحدتهم الجغرافية، وصاروا مشتتين بين إيران والسلطنة العثمانية. 

لم تتجل القومية الكردية إلا مؤخرا، في القرن 19، مختلفة من جهة أخرى، في البداية بتجليات الروح الاستقلالية أو الطموح الشخصي لدى المشايخ الأكراد. و من المتفق عليه الاعتراف بأولى دلالة على القومية الكردية في المحاولة (الفاشلة) التي قام بها الشيخ عبيد الله، المقيم في تركيا، لتكوين دولة قومية كردية، في الأرض الفارسية، تحت حماية الباب العالي (1880).
 
لعب الغطاء الإسلامي للإمبراطورية العثمانية وتشكيلتها المتعددة الأعراق والقوميات، إلى جانب التحديات الأوروبية الخارجية دورا مهما في تغليب العوامل الخارجية على الداخلية، وفي تراجع الطموحات القومية للأعراق المكونة للإمبراطورية العثمانية ـ ومنها الأكراد ـ لمصلحة التكاتف لصدّ العدوان الأوروبي على ديار الإسلام.

 

التقسيم التاريخي لكردستان

وبعد استقلال العراق وسوريا في بدايات القرن العشرين شهدت كردستان تقسيمها التاريخي الثاني، إذ أصبح الأكراد موزعين على الأناضول في تركيا (وريثة السلطنة العثمانية) وإيران والعراق وسوريا. ولم تتفق الدول المذكورة يوماً على قضية مشتركة سوى على منع قيام أي شكل من أشكال السيادة للأكراد على أي جزء من كردستان التاريخية، على أساس أن هذا الكيان سوف يكون نواة لدولة كردية تتسع لتشمل كل أجزاء "كردستان التاريخية".

وعندما انهارت دولة الخلافة الإسلامية العثمانية بسبب الضغوط الخارجية، ظهرت القضية الكردية إلى الوجود من جديد. وكان على تلك الطموحات القومية للأكراد أن تجد تكريسا لها إبان توقيع معاهدة سيفر في آب / أغسطس 1920، باعتبارها أول وثيقة دبلوماسية تنادي بالاستقلال الذاتي المحلي للمناطق التي كان يسود فيها العنصر الكردي، وهي المناطق الواقعة شرق الفرات، جنوب الحدود الجنوبية لأرمينيا، على النحو الذي كان تم تحديدها فيما بعد، وإلى شمال حدود تركيا مع سوريا وما بين النهرين (البند 62 من القسم الثالث المكرس لكردستان). 

 

عندما انهارت دولة الخلافة الإسلامية العثمانية بسبب الضغوط الخارجية، ظهرت القضية الكردية إلى الوجود من جديد


وقد ضمنت معاهدة سيفر للأكراد حكما ذاتيا في الأناضول وبضمانات أوروبية، ولكن إصرار مصطفى كمال أتاتورك على وحدة الأراضي التركية عدّل الموقف القانوني بمقتضى اتفاقية لوزان الموقعة في العام 1923. وفي عام 1926 ثبتت موافقة إنجليزية ـ تركية ـ عراقية الحدود المشتركة بين العراق وتركيا، التي كانت إلى ذلك الحين غامضة وربطت الموصل رسميا العراق، كما كان البريطانيون يرغبون.

 

وكان هذا الإيثار البريطاني مبررا بالرغبة في تزويد الدولة العراقية بموارد بترولية من منطقة الموصل وبتخليص هذه الموارد نفسها، دفعة واحدة، لسيادة دولة كردية مستقلة يحتمل قيامها، يستحيل السيطرة عليها جراء جرأة الزعماء، الأكراد وتزايد عدائهم لسياسة بريطانية كثيرة التعريض للتغييرات.

 

الكفاح ضد الإنجليز


وهكذا انطلاقا من عام 1919 قاد الشيخ محمود من قبيلة البارزيجا المعين حاكما للموصل من قبل البريطانيين، كفاحا ضد الإنجليز حتى عام 1931، وتجلى ذلك في عدة ثورات مسلحة (1922، 1923، 1926، 1927) ثم قمعها جميعا بتدخلات من سلاح الطيران الملكي البريطاني. وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1922 نودي بهذا الشيخ محمود نفسه، رئيسا لكردستان مستقلة، تضم المناطق الكردية من العراق، بعاصمة لها مدينة السليمانية وبـجيش قومي كردي، للدفاع عنها، مشكل من عناصر قبلية.

 

وفي آب/ أغسطس عام 1924 قاطع الأكراد الاستفتاء الذي جرى على فيصل ملكا على العراق، منوهين بذلك عن معاداتهم الاندراج في العراق. وشهدت فترة ما بين الحربين بثورة الشيخ أحمد البرزاني، الدخول المجلجل لشيوخ قبيلة البرزاني إلى الساحة السياسية التي كان من شأنهم أن يحتلوا طليعتها حتى أيامنها هذه أحدهم بعد الآخر. فاستقرت حالة من التمرد المسلح مزمنة في الكردستان العراقي حتى الحرب العالمية الثانية (1933 ـ 1935 ـ 1937).

 

بعد سقوط جمهورية مهاباد انكفأ الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى العراق


عندما انتهت الحرب العالمية الثانية تشكلت جمهورية ماهاباد في إيران من كانون الثاني/ يناير ولغاية تشرين الثاني / نوفمبر 1946 بزعامة السياسي والديني المسيطر على المدينة قاض محمد. وكانت سيادة الجمهورية الجديدة تمارس على أرض تتسع إلى ثمانين كيلومترا تقريبا حول ماهاباد. وشاءت الحكومة الجديدة أن تكون ممثلة للأكراد في جميع البلدان وحاولت أن تجتذب إلى ماهاباد ممثلين من تركيا ومن العراق، ولكن بدون نجاح كبير. وقد شارك في هذه الحكومة الملا مصطفى البرزاني الذي كان يرأس "حزب الحرية"، والذي كان يجند أعضاءه من الوسط القبلي. وكان القاضي محمد قرر تحويل حزب الـ"كومولا" أي لجنة الحياة في كردستان، إلى حزب ديمقراطي لكردستان PDK في عام 1946.   
                                                      
وبعد سقوط جمهورية مهاباد انكفأ الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى العراق، حيث كان عليه أن يقيم دائما ولكن في السرية. وراح يكرس شطرا كبيرا من طاقاته في بذل الجهد ليخلف المشايخ العشائريين في قيادة الحركة القومية، ما أثار مجابهات بين الأكراد، خاصة في السليمانية عام 1948، حيث وقعت صدامات بين رجال القبائل وزعماء سياسيين متحللين من القبائلية. ومنذئذ اتجهت الهوة النفسية والاجتماعية بين أكراد الجبل وأكراد الوسط المديني المتحللين من القبائلية، التي ليس من المتوقع ردمها، إلى المضاعفة بمرادفتها بالتنافس على زعامة الحركة القومية.

يقول جلال الطالباني عن تلك المرحلة: "حين تلقينا في ربيع 1947 خبر سقوط الجمهورية، تأثرت كثيرا وخاصة أنه كان هناك علاقة مترابطة بين كويسنجق ومهاباد عبر انخراط بعض أبناء كويسنجق في تأسيس الجمهورية، مهمة الرئيس بكر عبد الكريم الحويزي ومصطفى خوشنار، إضافة إلى عريف في الجيش ذهب إلى هناك لكنه لقي حتفه تجمدا من البرد أثناء عودته، وكذلك محمد توفيق وردي، الذي كان أحد معلمينا في الصف الرابع وهرب إلى مهاباد ثم عاد، وكذلك دلشاد رسولي وهو معلم وكاتب يحرر في مجلة كلاويز.. كان هؤلاء يحدثوننا عن جمهورية مهاباد وما حدث هناك ولماذا واجهت ذلك المصير، وعليه فقد أصبحنا نكره إيران ونعتبر الشاه وحشا، خاصة بعد أن أقدم على إعدام القاضي محمد، وأتذكر يوم إعدامه جيدا، حيث أقمنا له مراسم التعزية واتشحنا بالسواد وأظهرنا حزننا عليه بوقف جميع مظاهر الفرح من الأغاني، ووقفنا دقيقة صمت إجلالا لروحه الطاهرة. كان سقوط الجمهورية كارثة قومية حقيقية، حيث تأثر به الجميع وعُدَ الحدث خسارة قومية كبيرة للشعب". (ص 31 و32 من الكتاب).

 

الطالباني عضوا في فعالا في "ابارتي"


وبعدها دخل جلال الطالباني معترك العمل السياسي المنظم سنة 1947، وأصبح عضوا فعالا في تنظيمات "البارتي"، أي الحزب الديمقراطي الكردي، وقد كان حزبا شعبيا ثوريا، يتبنى الماركسية اللينينية. 

ويضيف الطالباني في مذكراته:" وعلى هذا الأساس وبحسب ستالين، فإن ثلاثة أحزاب يمكن أن تكون في الطليعة، أولها حزب شيوعي في الدول الرأسمالية، وثانيا حزب شيوعي عمالي في الدول المتقدمة بالعالم الثالث، والثالث حزب ديمقراطي ثوري في الدول المتخلفة، وكانت نظرية الحزب الديمقراطي الثوري هي المصدر والأساس الفكري والأيديولوجي لتأسيس البارتي. المهم أن كل الثورات كانت تقبل بوجود مثل هذا الحزب الثوري الديمقراطي، لكن حين جاء الحديث عن القيادة، فإن الثوريين انشقوا ورفضوا قبول الفكرة، حتى أنهم لم يرضوا بقيادة الملا مصطفى البارزاني ووصفوه برجل عشائري خال من الخبرة الحزبية، كانوا يقولون علينا التعامل معه كرجل وطني ولكن ليس تنصيبه كرئيس علينا"، (ص 47). 

وعندما غدا من البديهي عام 1954 أن الحركة السياسية الكردية المبكرة قد استنزفت، إثر القمع الذي أوقعه رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد (الكردي الأصل هو نفسه) بجميع أحزاب المعارضة، فإن حزبا موحدا ديمقراطيا لكردستان تكون انطلاقا من بقايا الحزب الديمقراطي الكردستاني القديم. ومع أن الحزب يجهر ببعض الأفكار الماركسية اللينينية إلا أنه ركز جميع طاقاته في المشاكل الكردية، محترسا مع ذلك بفطنة، من أن لا يطالب في هذه المرحلة الأولى بالحكم الذاتي أو بالاستقلال لكردستان. و كان السكرتير العام لهذا الحزب هو إبراهيم أحمد، رجل قانون شيوعي من السليمانية سبق أن سمي عام 1952 لتولي هذه الوظيفة في الحزب الديمقراطي الكردستاني، و سمي الملا مصطفى البرزاني رئيسا، حتى من دون أن يكون قد استثير مسبقا.