كتاب عربي 21

ثورة 1919.. لم تكن شجارا في حانة!

1300x600

لم تكن ثورة 1919، منبتة الصلة بما قبلها، فقد كانت امتداداً للثورة العرابية، وقد شارك زعيمها سعد زغلول شاباً في هذه الثورة، وظل مخلصاً لها ولرجالها، إخلاصاً حرمه من الوظيفة الحكومية، فقبل العمل بالمحاماة، مع أنها كانت حينذاك وظيفة مرزولة، يشتغل بها الأنطاع، لكن سعدا عندما عمل محامياً ارتفع بهذه المهنة مكاناً عالياً!

بيد أن ثورة 19 ظُلمت مرتين، الأولى على يد أعدائها ومحاولة تشويهها كعمل وطني جبار فاجأهم، وكانوا يظنون أن المصريين ليست لديهم رغبة في مواجهة المستعمر، ويفتقدون الإرادة للقيام بهذا الدور الوطني، فلما قامت، وجدوا أنه من المناسب تشويهها وتشويه زعيمها سعد زغلول، لضرب الشعور بالعزة الوطنية!

أما الظلم الثاني، فقد كان بالترك وعدم والاهتمام، في مرحلة حكم العسكر الممتدة إلى الآن، وحركة ضباط الجيش في سنة 1952. وفي معرض بحثها عن مرجعية، فاضلت بين "أحمد عرابي"، و"مصطفى كامل"، فقررت أن تكون مرجعيتها الثورة العرابية، التي كان هناك خلاف تاريخي حولها لم يحسم، فهل هي ثورة، أم هوجة؟ باعتبار أن "عرابي" هو في الأصل ينتمي للعسكرية المصرية، على العكس من ثورة 1919، التي هي ثورة شعب بكل فئاته. ثم إن حزب "الوفد" كان من يمثلها، ويعد الامتداد لها، وقد كان "النحاس" باشا، عضو الوفد الذي تشكل في البداية لتمثيل الأمة، لا يزال على قيد الحياة، ويتزعم "الوفد" حزب الأغلبية، الذي كان لا يراد للحياة النيابية أن تعود حتى لا يعود بإرادة الجماهير للحكم!

 

الظلم الثاني، فقد كان بالترك وعدم والاهتمام، في مرحلة حكم العسكر الممتدة إلى الآن، وحركة ضباط الجيش في سنة 1952. وفي معرض بحثها عن مرجعية، فاضلت بين "أحمد عرابي"، و"مصطفى كامل"، فقررت أن تكون مرجعيتها الثورة العرابية

وإذا كان "خالد محمد خالد" كتب في مذكراته، أن حركة ضباط الجيش في تموز/ يوليو 1952، هي انقلاب على ثورة بدأت بحكم "الوفد" في سنة 1950، وبإعلان النحاس سحب توقيعه على معاهدة 1936، فإنني أرى أنها انقلاب على ثورة 1919، التي كانت تحقق مطالبها منذ وقوعها بالتدريج، فكان دستور 1923 واحدا من إنجازات هذه الثورة العظيمة، وبدت الأمور تميل إلى تحقيق المطلب الأعظم وهو الجلاء الكامل للاحتلال الإنجليزي، عندئذ قطعت الإمبراطورية الأمريكية الناشئة الطريق بدعم حركة ضباط الجيش، حتى لا يكون جلاء المستعمر محققاً لإنجاز عظيم، وهو حق الشعب في اختيار حاكمه.

زعيم الثورة

ومع عملية الترك هذه، غابت ثورة 19 عن الأذهان، حتى جاءت أجيال ربما تنظر إليها على أنها "مشاجرة" في حانة، أو معركة في حارة؛ لأن حضور هذه الثورة العظيمة في الأذهان من شأنه أن يعزز الشعور بالامتلاء الوطني، والقدرة على المقاومة، وهو ما لا تريده قوى الاستعمار العالمي، كما لا تريده الأنظمة التي أقيمت على أنقاضها بعد ذلك، باعتبارها امتداداً لهذه الهيمنة. ثم إن هذا الشعور من شأنه ألا يدفع بقبول الظلم، من الأنظمة (شبه الوطنية)، التي ورثت البلاد بعد حقبة الاستعمار المباشر، والذي رأى أن البلاد بوجود العسكر في أيد أمينة!

إن ثورة 1919، هي ثورة شعب، بنخبته ومواطنيه، بباشاوته وبكاواته، وفلاحيه، بعسكره وقضاته، ومحاميه، بمسلميه ومسيحييه، هي ثورة تجلت فيه الإرادة المصرية بشكل غير مسبوق. وقد كانت ثورة عرابي ثورة فئوية، لم يشارك فيها الشعب كله. واندلعت شرارة ثورة 1919 احتجاجاً على نفي زعماء الأمة وممثليها، بعد مطالبتهم بالاستقلال بزعامة سعد زغلول، الذي كانت "مزاياه جميعها هي مزايا المصري القوي"، الذي هو "في خلائقه العملية، وفكاهته الحاضرة واعتداده بالأسرة وكراهته للغفلة وإيمانه بالغيب، مصري فلاح من طينة المصريين الفلاحين"، بحسب ما قاله "عباس محمود العقاد" الذي اقترب منه وتعامل معه عن قرب، في كتابه "سعد زغلول: سيرة وتحية"، والذي كتب أيضاً: "إن جيل سعد كان بمشيئته وبغير مشيئته أقرب إلى الوطنية المصرية الصحيحة من الجيل الذي لحق به في أوائل عهد الاحتلال البريطاني"، وأنه "من عظماء العالم الذين تتجلى توفيقات التاريخ في بيتهم ونشأتهم تجليا في حوادث زمانهم".

 

"سعد زغلول" ظاهرة فريدة، فقد جاءته الزعامة على كبر، وبدا قبلها غير مهتم بالسياسة. ويقول "خالد محمد خالد" في كتابه "دفاع عن الديمقراطية"، إنه أصيب شاباً بالإحباط بعد فشل الثورة العرابية، واستولى عليه اليأس، فذهب يهتم بتكوين نفسه

إنه ابن الأزهر والكتاب، الذي خطب الجمعة في على منبر الأزهر بعد رحلة له في أوروبا سنة 1921 وقال فيها: "جئت اليوم لأؤدي فرض صلاة الجمعة في هذا المكان الشريف، وأقدم واجبات الاحترام لمكان نشأت فيه وكان له فضل كبير في النهضة الحاضرة، وفيه تلقيت مبادئ الاستقلال...".

ويعد "سعد زغلول" ظاهرة فريدة، فقد جاءته الزعامة على كبر، وبدا قبلها غير مهتم بالسياسة. ويقول "خالد محمد خالد" في كتابه "دفاع عن الديمقراطية"، إنه أصيب شاباً بالإحباط بعد فشل الثورة العرابية، واستولى عليه اليأس، فذهب يهتم بتكوين نفسه، ويكمل تعليمه، لكن الأمر اختلف عندما حضرت الجماهير، وإن جاء متأخراً، وفي مرحلة متأخرة من عمره، إذا علمنا أنه ولد في سنة 1857م، على عكس المدون في وثائقه الخاصة. وهذا الحضور وقوة تأثيره على الرجل، يكتب عنه "صلاح عيسى" في كتابه "حكايات من دفتر الوطن"، وكانت أهميته بالغة عنده، حتى وهو في مرض الموت، فعندما علمت الجماهير بمرضه، زحفت إلى بيته "بيت الأمة"، وأحاطت بالمنزل، وحذره طبيبه من الخروج إليهم، وقال إنه ليس بوسعه أن يتكلم، فأي محاولة للكلام، ستعرضه للموت المحقق، لكنه تحامل على مساعديه، وفشلت محاولات الطبيب الاستعانة بحرمه السيدة صفية زغلول، لمنعه من الخروج أمام إصراره!

وبعد حديثه في البداية بصوت خفيض، وصمت الجماهير وكأن الطير على الرؤوس، فجأة يصبح صوته هادراً، ويمتد خطابه لثلاث ساعات، بينما طبيبه في دهشة من الأمر كله!

في انتظار الفرصة

إن "العقاد" له تفسير مهم في محاولة فهم هذه الشخصية الفذة، الذي رشحته الحوادث لزعامة الأمة بأسرها، فهو "عند الانجليز لم يعترف بالحماية ولم يسكت إلا في انتظار الفرصة التي يفيد فيها الكلام".

وفي تقديري، أنه لم يكن خلال السنوات الماضية، ومنذ فشل الثورة العرابية بعيداً عن هموم أمته، لكنه كان في انتظار الفرصة!

فقد شكل وزميله في مكتب المحاماة "حسن أفندي صقر" جماعة سرية سمياها "جماعة الانتقام"، لقتل الشهود والجواسيس الذين خانوا ثورة عرابي والرؤساء الذين نكلوا بالعرابيين، وألقي القبض عليهما، وبرأتهما المحكمة بعد عدة شهور قضياها في السجن، لعدم كفاية الأدلة.

لقد ظل وفياً للعرابيين بعد نفيهم في الخارج يراسلهم ويراسلونه، ويعتمدون عليه في قضاء حوائجهم، وكان بعد الثورة العرابية قد فكر في كل شيء بما في ذلك الهجرة من مصر، ولم يفكر في مجارة الوضع العام، ونسيان الأصدقاء!

وقد كان مهتماً بمساعدة كل ما يساعد على إيقاظ الحمية الوطنية، وكان يرى أهمية التعليم في ذلك، فكان له دور مهم في بعث الجامعة المصرية. وقد ساعد صديقه الشيخ على يوسف بالمال لاستمرار صدور صحيفته التي كانت تعبر عن الوطنية المصرية، كما أيد الزعيم مصطفى كامل وغيره من كتاب الصحافة حتى يكملوا مهمة إيقاظ روح الأمة.

وظل بعيداً عن العمل السياسي المباشر، إلى أن جاءت الفرصة. وفي الحقيقة أنها حضرت قبل حضور الجماهير فاغتنمها، وكان هذا بعد أن ألقت الحرب العالمية الأولى أوزارها، فدعا بعد الهدنة عدداً من وجهاء زمانه في لقاء بمسجد "وصيف" لدراسة مطلب الاستقلال التام، ثم انتقل بهذه الاجتماعات إلى بيته، وقد تزايد أعداد الحاضرين من باشاوات وغيرهم، وتشكل الوفد المصري، وكان دستوره يقوم على مطلب الاستقلال التام، والنضال بالطرق السلمية المشروعة. وبادروا بمقابلة المعتمد البريطاني، وكان هذا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، فلما سمع من الوفد كلمة الاستقلال صاح كأن عقربا لدغه، لكن سعدا ورفاقه أكدوا على هذا المطلب، ولم يتوقف عن مخاطبة الحكومة البريطانية به والإصرار عليه!

 

ظل زغلول بعيداً عن العمل السياسي المباشر، إلى أن جاءت الفرصة. وفي الحقيقة أنها حضرت قبل حضور الجماهير فاغتنمها، وكان هذا بعد أن ألقت الحرب العالمية الأولى أوزارها، فدعا بعد الهدنة عدداً من وجهاء زمانه في لقاء بمسجد "وصيف" لدراسة مطلب الاستقلال التام

التفويض

ثم حدث أن سئلوا عمن فوضهم بذلك، فقد استقر في وجدان الإنجليز أن الشعب المصري قانع بأحواله، ولا طمع له في تغييرها، فبدأت عملية جمع التوكيلات من المصريين بتفويض الوفد، في تمثيل الشعب المصري وطلب الاستقلال، وكانت من أيام الله، فانطلق من يجمعون توقيعات المصريين من عموم القطر المصري، وفطنت سلطة الاحتلال إلى ذلك فأصدرت أوامرها للموظفين بمصادرتها، وحذرت الناس من ذلك، وغارت على بيوت الوجهاء والمحامين لمصادرة ما تم جمعه منها، باعتبارها منشورات مخلة بالأمن. وخاطب سعد باشا رئيس الحكومة مستنكرا هذا التصرف من قبل الموظفين، ويبدو أن هذا كان باتفاق بين رئيس الحكومة ووزير الداخلية من ناحية، وبين سعد زغلول وإخوانه من ناحية أخرى! لترد عليه الحكومة بأنها عندما منعت المصريين من التوقيع، وصادرت التوكيلات، فإنها كان تطبق القانون، الذي فُرض في حالة الحرب، وكان هذا مستنداً على أن منعا حكوميا قد جرى، وأن مصادرة للتوكيلات حدثت، وهو ما استغله الوفد في التأكيد في المخاطبات على أنه تعبير عن الأمة المصرية، بمقتضى التوكيلات التي في حوزتهم والتوكيلات التي في حوزة الحكومة!

قال المعتمد البريطاني صائحا: "إذن أنتم تطلبون الاستقلال؟"، فأجابه سعد زغلول: "نعم ونحن أهل له.. وماذا ينقصنا ليكون لنا استقلال كباقي الأمم المستقلة؟". وطالب سعد زغلول بالسماح له بالسفر هو والوفد المصري لشرح القضية المصرية أمام الرأي العام البريطاني والأوروبي، ولم يُسمح له. وإذ منع الاحتلال المؤتمرات في بيت الأمة، فانتقل سعد زغلول ليواجه رسل الاحتلال حيث هم، وأحدهم كان قد جاء ليحاضر في نادي "جماعة الاقتصاد والإحصاء والتشريع" ليمهد لعملية استبدال القوانين الإنجليزية بالقوانين المصرية (الباء تدخل على المتروك). وما أن انتهى من محاضرته حتى تقدم سعد زغلول إلى المنصة، ومن ضمن ما قال: "لقد أعلنت إنجلترا حمايتها من تلقاء نفسها دون أن تطلبها أو تقبلها الأمة المصرية.. فهي حماية باطلة لا وجود لها قانوناً، بل هي ضرورة من ضرورات الحرب تنتهي بنهايتها ولا يمكن أن تعيش بعد الحرب دقيقة واحدة". وكانت ليلة ليلاء، ارتج على الموظفين الإنجليز لدرجة أنهم كانوا يريدون إطفاء النور لفض الاجتماع، ومنعهم آخرون لأنه عمل لا يليق!

طلب سعد زغلول السماح لهم بالسفر لحضور مؤتمر السلام، ورفض الاحتلال الطلب، واستشعر حسين رشدي، رئيس الحكومة، الحرج فاستقال، وظلت استقالته معلقة أربعة شهور، وتعطلت الأعمال الرسمية في العاصمة والأقاليم، فلما عادت الوزارة طلب من السلطان فؤاد السماح له بالسفر، هو وزميله عدلي باشا، للقيام بالمهمة التي يريد الوفد المصري القيام بها، لكن الحكومة البريطانية ردت بأنها غير مستعدة للقائه، لانشغال الوزارة بمؤتمر الصلح، فاستقال هو وزميله عدلي باشا، وأكد على الاستقالة للمرة الثالثة مع رفضها من قبل السلطان. وجاء لهما الإذن بالسفر، دون الوفد، فتشبث رئيس الحكومة بسفر الوفد، واتخذ من رفض سفره ذريعة إلى التنحي والاعتزال.. فتنحى ومعه جميع الوزراء!

وخاطب سعد زغلول السلطان كتابة، بألا يقبل تشكيل حكومة أخرى وقبول أن تصبح مصر لعبة في أيدي حزب الاستعمار!

 

بدأت الثورة باضراب طلاب المدارس العليا في صباح يوم العاشر من شهر آذار/ مارس، ثم خرجوا للشوارع، وأضرب عمال الترام بعد ظهر هذا اليوم، وأغلقت المحال التجارية إلا من عدد قليل أغلبه مملوك للإنجليز، وأعلنت نقابة المحامين الإضراب

اعتقال سعد ورفاقه

وغضب الاستعمار لذلك، وكان لا بد وأن يقدم على الخطوة التالية، هي اعتقال سعد زغلول ورفاقه، وتم نفيهم خارج البلاد، لتكون القارعة. وقد انتشر خبر الاعتقال بطيئاً نظراً لعدم السماح للصحافة بنشره، فلم ينتقل إلى القطر المصري كله إلا بعد يومين أو ثلاثة.

وبدأت الثورة باضراب طلاب المدارس العليا في صباح يوم العاشر من شهر آذار/ مارس، ثم خرجوا للشوارع، وأضرب عمال الترام بعد ظهر هذا اليوم، وأغلقت المحال التجارية إلا من عدد قليل أغلبه مملوك للإنجليز، وأعلنت نقابة المحامين الإضراب عن الذهاب للمحاكم وحضور الجلسات. وكان رد سلطة الاحتلال غاشما، فاعتدت على الجميع دون تمييز بين متظاهرين وبين من خرجوا من مسجد الحسين بعد أدائهم الصلاة، فقد كان هناك أمر صريح باطلاق الرصاص على أي تجمع. وانتقلت المظاهرات إلى كل مكان، وانتشر خبر القتل، فكان الرد من قبل الجماهير عنيفا، وإن كان بين شعب أعزل واحتلال غاشم، وتم قطع قطارات السكة الحديد. وانضم الأزهر للثورة، وخطب قساوسة في الجامع الأزهر، وخرجت النساء للشوارع لا يبالين بإطلاق الرصاص عليهن.

وهكذا بدأت أم الثورات المصرية وأعظمها، والتي حاول العسكر بالترك أن يوحوا كما لو كانت مشاجرة في حانة.

ألا شاهت الوجوه.