قضايا وآراء

صناعة القيادة الثورية (2)

1300x600
كنا قد بدأنا في المقال السابق سلسلة لصناعة القيادة الثورية، وقسمنا منهجنا في صناعة تلك القيادة؛ إلى قراءة في المشهد العام للحالة المصرية والظروف المحيطة والتداخلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكذا الحالة المزاجية للشعب، ومعرفة اللاعبين الرئيسيين أو الفاعلين في المشهد المصري، ونقسمهم في ذلك إلى لاعبين فاعلين داخليا، ولاعبين فاعلين خارجيا، مع ضرب بعض الأمثلة للثورات في العالم في الفترة الأخيرة للاستفادة منها. ولقد بدأنا في قراءة اللاعبين الفاعلين، واستفتحنا في ذلك بالمؤسسة العسكرية والداخلية، وبيّنا دور كل منهما وموقفهما تجاه الثورة.

واليوم نتابع قراءة المشهد الداخلي واللاعبين الفاعلين فيه. تأتي طبقة رجال الأعمال ضمن اللاعبين الفاعلين الداخليين في المشهد المصري، وهذه الطبقة صنعت على عين المخلوع مبارك وابنه من بعده، وهي طبقة عريضة بما اكتسبته من مصالح، إلا أن النظام الجديد سحب البساط من تحت أقدام الغالبية العظمى منها، ولم ينتفع إلا فيما ندر من هذه الطبقة التي تعاني الآن في ظل إقصاء لصالح طبقة جديدة تصنع من ضباط القوات المسلحة السابقين، أو حتى لصالح قطاع الخدمات في القوات المسلحة نفسه، ناهيك عن المعوقات الضريبية والتشديد على من يريد النظام التشديد عليه، لحصر السوق على طبقة رجال الأعمال الجديدة التي تصنع والموالية للنظام الجديد، وهو ما يجعل هذه الطبقة بمالها وشيء من نفوذها والعاملين لديها الذين تضرروا بالنتيجة من التضييق على أرباب أعمالهم ضد ذلك النظام، بطبيعتها لا تميل إلى التغيير، وتسعى لاستعادة مكاسبها من خلال الحيلة واختراق منظومة الفساد، ولا تميل بأي حال من الأحوال إلى الثورة، بل على العكس، تقاوم الثورة، لما تراه فيها من مخاطر على استقرار أوضاعهم. فهؤلاء يفضلون نظاما مستبدا فاسدا على التغيير الذي يمكن أن يحول أوضاعهم إلى الأفضل لو حدث، مع ذلك، فإن تلك الطبقة لو لم تستطع أن تخترق منظومة الفساد، وهو ما لم يحدث حتى الآن على حد علمي، فإنه يمكن كسبها إلى صف الثورة لو تم تطمينها بمكاسب خاصة، فهذه الطبقة من الأنانية بمكان يجعلها تغير مواقفها من أجل مصلحة آنية.

الفاعل الثالث في فريق اللاعبين الفاعلين هم طبقة العمال، وهي الطبقة الثائرة بطبعها، ولقد كان لهذه الطبقة بلا شك الفضل في تحريك الشارع المصري منذ 2008، في أحداث المحلة الكبرى التي كانت البروفة الحقيقية للثورة المصرية في 2011، لكن مع ذلك، فإن القيادات العمالية مكبلة بقمع أمني وتهديدات مستمرة بقطع أرزاقها، وهو ما يفسر عدم تحرك القطاع العمالي، رغم ما يراه هذا القطاع من قمع قانوني وأمني وتعسف من إدارات المؤسسات التي تعمل بها. لكن في النهاية قطاع العمال هو قطاع مهم داعم بشكل كبير للتغيير؛ بحكم تركيبته الفكرية وظروف عمله التي تضعه دائما تحت ضغط.

الفاعل الرابع في المشهد المصري، هم الطلاب، هذا الفاعل المهم يتأرجح بين الثورة واللامبالاة، فحالة الإحباط التي أصيبت بها هذه الطبقة، مع القمع الشديد خلال فترة ما بعد الانقلاب، والتصفيات الجسدية والإخفاء القسري الذي يسمعون عنه، جعلهم مترديين في إعادة تجربة لم تخلف إلا القتل منذ 25 يناير 2011 وحتى يوم الناس هذا. مع ذلك، فإن الشباب، بما جبلهم الله عليه من التوق إلى التغيير والطموح إلى الأفضل في ظل الفضاء المعلوماتي اللامتناهي، بعد أن أصبح العالم يسمع بعضه من نافذة الإنترنت ويعرف أخبار الدول التي تسعى إلى مزيد من الرفاه.. فإن الشباب بلا شك فاعل مهم في مساندة الثورة. ولقد كان لثورة يناير أثر كبير في تغيير مفاهيم الشباب للدولة والسلطة والحكم وسياسة الشعوب، وبات لا يقبل أن يخدع، لذا فإن الشباب داعم بشكل كبير للثورة، رغم محاولات إلهائه بالمخدرات وغيرها، أو بقمعه وتسريب قصص المعتقلين والمخفيين قسرا أو من تم تصفيتهم.

الفاعل الخامس هي الأحزاب والقوى السياسية، وتنقسم في ذلك بين أحزاب كرتونية صنعتها المخابرات الحربية، والمنخرطة في الحكم، وهي لا تمثل حتى بيوتها، وأحزاب وقوى معارضة في الداخل لم تنخرط في الحكم، وقوى معارضة في الخارج لها منابرها الإعلامية، وهذه القوى أعنيها باللاعبين الفاعلين، فتلك القوى فاعلة بشكل كبير، وإن تراجع دورها وشعبيتها في الشارع لعدم تقديم رؤية حقيقية للخروج من الأزمة، وتخبطها وعدم اجتماع كلمتها. فقد ظلت منابرها الإعلامية هي المتنفس للشارع لمعرفة الحقيقة في ظل تضليل إعلامي يثير الغثيان من إعلام النظام. وتلك الطبقة فاعلة جدا، بل وداعمة للثورة والتغيير. ويمكن الاستفادة من المعارضة في الداخل في لحظة ما، وعلى القيادة الثورية المنتظرة التواصل معها للتنسيق دون الخضوع لشروطها، فالداخل هو الأساس والخارج عامل مساعد.

للأسف، انتهت المساحة المخصصة للمقال، وعلى وعد لاستكمال قراءة المشهد في المقالات القادمة، وصولا لصناعة قيادة ثورية تقود للتغيير وإخراج مصر مما هي فيه.. فإلى لقاء.