كتاب عربي 21

عن العشق العربي لـ"فاتنة" كرواتيا و"الشاب" ترودو!

1300x600
فجأة، ومع المشاركة العربية "المشرفة" في بطولة كأس العالم لكرة القدم، يكتشف العرب "ميولهم" الكرواتية! وفجأة تصبح "فاتنة" كرواتيا كوليندا كيتاروفيتش حديث وسائل الإعلام العربية، الرصينة منها و"الصفراء" على حد سواء، فيما ملأت صورها الفضاء الأزرق لوسائل التواصل الاجتماعي العربية.
في الأثناء، فإن عددا ممن يعتقدون أنهم كانوا يصلحون للعمل في مجال الإعلام لولا أن الحظ أخطأهم يتفرغون لتأليف قصص إخبارية عن عدالة وشعبية "معبودة الجماهير"، بعضها له أصل في الحقيقة مع بعض "البهارات"، وبعضها مخالف تماما للواقع.

أحد هؤلاء أخذته الحمية وألف قصة عن تصريحات مزعومة لـ "كيتاروفيتش" ترفض فيها نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، ومع تأثره بروايات قرأها ذات مراهقة نضالية أضاف للتصريحات بعدا ثوريا يعجز حتى "جيفارا" عن الوصول إليه، ووصل به الحد لينسب للمناضلة "أم الكروات" أنها أكدت أن القدس كلها شرقية وغربية هي للفلسطينيين، وأن "ما يسمى إسرائيل لا حق لها بأي جزء منها"! والكلام طبعا على لسان كيتاروفيتش، التي والحمد لله لا تعرف العربية بالرغم من معرفتها لعدة لغات، وإلا لأصيبت بالجنون!

بالطبع، لم يكلف مؤلف القصة نفسه أن يبحث في غوغل، ليجد أن كرواتيا لم توافق على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي دعا ترامب لسحب قراره بنقل السفارة للقدس في آب/أغسطس من العام الماضي، وأن زغرب امتنعت عن التصويت على ذلك القرار، ولا يعقل بالتأكيد أن تمتنع عن التصويت على مثل هذا القرار بلاد تحكمها امرأة "ثورية"! مثل كيتاروفيتش بحسب القصة المذكورة آنفا، التي بالتأكيد وصلت إليك عزيزي القارئ عدة مرات على الفيسبوك أو الواتس أب، وليس مستبعدا أيضا أن تكون بعض المواقع الإلكترونية قد تورطت بنشرها.
  
وعلى الرغم من عدم متابعتي وقلة ثقافتي الرياضية، فقد أدركت من خلال ما وصل إليّ من تعليقات لأصدقائي العرب حول العالم، أن كرواتيا حظيت بالدعم العربي حتى آخر ثانية من الوقت الضائع للمباراة النهائية في كأس العالم، ومن المحتمل جدا أن هذا الدعم كان أحد أسباب خسارة فريقها في هذه المباراة!

ولتجاوز "الإحراج" عند بعض المشجعين العرب لكرواتيا، وخوفا من اتهامهم باتخاذ موقفهم هذا بناء على "عشقهم" للرئيسة الجميلة، فقد دبج هؤلاء قرارهم بتشجيع كرواتيا بسبب مواقف فرنسا وتاريخها الاستعماري، وكأن تاريخ كرواتيا مع المسلمين كان ناصع البياض، ما شاء الله!

وللحقيقة، وحتى لا نظلم أنفسنا كعرب، فإن الرئيسة الكرواتية شكلت ظاهرة استحقت المتابعة الإعلامية في أثناء كأس العالم، في معظم الصحف العالمية، ولكنه اهتمام انصب على طريقتها في تشجيع فريقها، دون تأليف قصص لا تمت للواقع بصلة، ودون مبالغات كتلك التي وضعتها في مقام القادة التاريخيين عند العرب، ولم أجد مبالغة في المتابعة لها، من خلال بحث سريع في أثناء الإعداد لهذا المقال، سوى في الإعلام العربي والهندي!

ظاهرة العشق العربي لـ"فاتنة" كرواتيا سبقها ظاهرة مماثلة تسيطر على الإعلام العربي منذ أكثر من سنتين، وهي عشق "وسيم كندا" الشاب جستين ترودو، الذي أصبح خبرا يوميا في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي العربي.

استطاع ترودو أن يأسر قلوب الكثيرين من العرب بمواقف سياسية وإنسانية ليبرالية، خصوصا فيما يتعلق بقضايا اللاجئين، والأقلية المسلمة في الغرب، على الرغم من موقفه السلبي مثلا من الصراع العربي الإسرائيلي، واستمراره على نهج بلاده التاريخي بالتأييد شبه المطلق لدولة الاحتلال.

وبعيدا عن سياسة كيتاروفيتش وترودو، ما كان منها حقيقيا أو مختلقا، وبعيدا عن اللغة الساخرة لهذا المقال، فإن ما يجمع بينهما وجعل منهما محط اهتمام و"عشق" المتابعين العرب، هو تصرفاتهما اليومية التي تظهرهما كأشخاص "عاديين"، يمشيان في الشوارع ويركبان قطار الأنفاق، ويأخذان صور "سيلفي" مع مواطنين في الأسواق، ويحتفلان بانتصارات بلادهما بطريقة عفوية أو على الأقل تبدو عفوية، ويلبسان الكاجوال في مناسبات كثيرة.

وإذا كانت ظاهرة الزعيمين حاضرة بقوة عند العرب، فهي موجودة أيضا، وإن بدرجة أقل بكثير، عند شعوب أخرى، لأن الشعوب عموما وصلت لدرجة الملل من السياسيين الذين يظهرون "مصقولين" في الإعلام، بعد أن يتم "تحفيظهم" لعبارات وكليشيهات جاهزة للرد على الصحفيين.

فإذا كانت الحال هكذا عند شعوب تتعامل مع الوزراء والرؤساء باعتبارهم موظفين عند الشعب، فلماذا نستغرب عشق العرب لزعيمين تصرفا كبشر عاديين، في حين يزرع في عقولهم يوميا أن قادتهم من طينة أخرى، تختلف تماما عن طينة "فاتنة" الكروات و"وسيم" الكنديين!