كتاب عربي 21

"فاش نستناو؟".. أو الاختبار الاجتماعي للديمقراطية بتونس

1300x600

منذ أواخر الأسبوع الماضي حتى نهاية الحالي؛ موجة تحركات اجتماعية مختلطة ومتفاوتة الأهمية حصلت في تونس، إثر تمرير قانون المالية الأخير. أحدها المنظم، والذي بادر به فصيل شبابي يتبع أحد التنظيمات اليسارية الراديكالية وأطلق على حملة الاحتجاجات "فاش نستناو؟" (ماذا ننتظر؟)، ثم اتسع ليشمل أطرافا مختلفة، ما أعطى للاحتجاجات التي تحدث بشكل دوري كل شتاء في تونس؛ بعدا سياسيا أوضح، رغم أن الاحتجاجات العفوية ليس لها علاقة ضرورة بهذه المبادرة التنظيمية. لكن من الواضح أن الأمور انفلتت بانزلاق أمور نحو تخريب وتعد على الممتلكات، مما أرجع المخاوف من استهداف الهيكل الديمقراطي الهش.

ما يحصل هو في كل الحالات تذكير متجدد بأن الديمقراطية بدون إصلاحات اجتماعية حقيقية وجدية؛ ستبقى هشة، وأن انهيارها سيبقى محتملا ما دام اساسها الاجتماعي في اهتراء.

المؤكد أن احتجاجات اخرى سبقى الموجة الاحتجاجية الأخيرة، بما في ذلك حملة "ماناش نستناو"، خاصة إثر انتحار امرأة عاملة ريفية في مدينة صغيرة شمال البلاد (سجنان)، ثم حالة أخرى مشابهة في ساقية سيدي يوسف (ولاية الكاف على الحدود مع الجزائر) منذ أسابيع قليلة، انطلقت إثرها احتجاجات مماثلة.. أيضا الاحتجاجات التي حصلت في كل من تالة، سيدي بوزيد، القصرين، قفصة، طبربة (أين توفي الشاب خميس اليفرني)، حي التضامن (أكبر الأحياء الشعبية في العاصمة).. جميعها ليس لها علاقة بحملة "فاش نستناو"، وأثرها الواقعي أهم وأكبر من تلك الحملة.

 

ما يحصل هو في كل الحالات تذكير متجدد بأن الديمقراطية بدون إصلاحات اجتماعية حقيقية وجدية؛ ستبقى هشة، وأن انهيارها سيبقى محتملا ما دام أساسها الاجتماعي في اهتراء


 

ترافقت هذه الاحتجاجات مع تخريب للمنشآت، وهذا ترابط تقليدي يرجع إلى كل الاحتجاجات الاجتماعية، من أحداث 26 كانون الثاني/ يناير، إلى ثورة الخبز إلى أحداث الثورة نفسها.

بالإضافة إلى السياقات الظرفية (دورية الاحتجاج في كانون الأول/ ديسمبر- كانون الثاني/ يناير - شباط/ فبراير)، وخاصة ضرب ميزانية 2018 للقدرة الشرائية، وتزايد شعور المواطنين بالصعوبات الاقتصادية، هناك ظرف موضوعي هيكلي مستمر من مرحلة قبل الثورة؛ يؤسس للحراك الاجتماعي. يجب أن نتفق هنا على أنه بعد سبع سنوات من الثورة لم تحصل إصلاحات هيكلية توضح أفقا إيجابيا للتونسيين، وبما يؤكد أن التحصين الحقيقي للديمقراطية هو اقتصاد تضامني اجتماعي.

بالتالي، لا يمكن لنا أن نحلل ظروف الثورة ونبذ نظرية المؤامرة فيها؛ بناء على هذا السياق الموضوعي الهيكلي للحراك الاجتماعي، وننكره الآن. هناك فعلا أسباب موضوعية للحراك الاجتماعي، وهي مستمرة، ويجب عدم تهميشها والاستهانة بها. والمنظومة الديمقراطية في ذاتها لا يمكن لها تعوض هذا الواقع أو تلغي المشاكل الهيكلية للواقع الاقتصادي والاجتماعي، بل إن استمرار هذا الواقع يضعف ضرورة المنظومة الديمقراطية، سواء بارتهانها من قبل اللوبيات أو إضعاف الثقة فيها من قبل عموم المواطنين.

 

هناك فعلا أسباب موضوعية للحراك الاجتماعي، وهي مستمرة، ويجب عدم تهميشها والاستهانة بها. والمنظومة الديمقراطية في ذاتها لا يمكن لها تعوض هذا الواقع


وقد صدر في الأيام الأخيرة تقرير جديدة خاص بتونس لـ"مجموعة الازمات الدولية"، تضمن خاصة ما يلي: "إن التراجع المستمر في مستوى المعيشة للطبقة الوسطى يؤدي إلى تفاقم التوترات داخل الأحزاب السياسية، وخاصة في حركة النهضة التي يعاني مؤيدوها من ارتفاع الأسعار، مثل أي مواطن عادي آخر. وهذا يقود الناشطين إلى اتهام قادتهم بأنهم غير قادرين على تحسين الوضع. فالمصاعب اليومية والتضخم والتدهور النسبي للبنية التحتية العامة (النقل والرعاية الصحية والتعليم) التي تضرب مناطق الطبقة العاملة؛ تؤدي إلى الحنين إلى عقد التسعينيات من القرن العشرين، أي عندما كان ابن علي في السلطة، مما جعل المواطنين أكثر تقبلا للخطاب الوطنجي لبعض ممثلي النظام القديم. وتزداد هذه الأرقام وضوحا في وسائل الإعلام، كما أنها لا تتردد في مساواة الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان مع ضعف الدولة ودعم الإرهاب الجهادي والتدخل الغربي".

 

في ذات الوقت الذي يوجد فيه سياق موضوعي للحراك الاجتماعي، هناك سياق موضوعي للثورة المضادة

وهذا يعني أنه في ذات الوقت الذي يوجد فيه سياق موضوعي للحراك الاجتماعي، هناك سياق موضوعي للثورة المضادة. وفي السياق الحالي (سلطة النداء والنهضة)، الثورة المضادة تختلف نسبيا عن الثورة المضادة في مرحلة الترويكا، لكنها تبقى قائمة الذات. خصوصيتها في المرحلة الراهنة أنها تلقى مرتكزا جزئيا داخل السلطة، ليس فقط من حيث الشخوص (وزراء ابن علي وتابعيه في مختلف مفاصل الدولة)، بل أيضا في سياسات محددة، مثل ضرب الدستور، وقانون التطبيع مع الفساد، والحفاظ على الدولة الزبونية، والتمسك بالمنوال الاقتصادي الريعي التابع والمعادي للخيارات الاجتماعية.. لكنها أيضا تتباين مع السلطة في الحاجة لضرب المنظومة الديمقراطية كليا. وهنا يكمن التشارك الجزئي والطفيف للحزب مع منظومة الحكم في ركن الحفاظ على المنظومة الديمقراطية (مرجعية دستورية وواقعا)، حتى بشكلها المشوه الجزئي الحالي. فالحراك الاجتماعي مشروع وضروري، لكن يتم أيضا في سياق منظومة ديمقراطية، ولو جزئية ومشوهة، تستوجب الدفاع عنها وتطويرها وليس تقويضها.

هنا طبعا توجد أمثلة مختلفة على توظيف احتجاجات اجتماعية أو النفخ فيها لغاية الثورة المضادة. من هذه الزاوية طبعا يجب التنبه لهذا الاحتمال. يبقى أنه لا يمكن المبالغة فيه للسبب المذكور أعلاه وهو أن الثورة المضادة موجودة جزئيا في سياسات السلطة الحالية ومن بينها السياسات الاقتصادي غير الاجتماعية وذلك سبب موضوعي أساسي للحراك الاجتماعي الراهن.

 

باعتبارها الذكرى السنوية السابعة لنهج الانتفاضة التونسية عام 2011، فإن البلاد تتجه نحو ردود الفعل السلطوية القديمة


ما هي المشكلة؟ وباعتبارها الذكرى السنوية السابعة لنهج الانتفاضة التونسية عام 2011، فإن البلاد تتجه نحو ردود الفعل السلطوية القديمة. ويرجع جزء كبير من ذلك إلى فشل الشركاء الوطنيين والإسلاميين في الحكومة الائتلافية التونسية في تنفيذ دستور كانون الثاني/ يناير 2014.

تقرير "الأزمات الدولية" المشار إليه أعلاه؛ يخلص إلى: "لكي تعزز تونس انتقالها وتستعد لتحديات غير متوقعة، يجب على الطبقة السياسية تجنب تعديل الدستور. بدلا من ذلك، يجب أن تجد الرغبة اللازمة لإنشاء المحكمة الدستورية في أقرب وقت ممكن، وزيادة استقلالية البرلمان، وإنشاء سلطات دستورية مستقلة فعالة، وإجراء انتخابات بلدية في عام 2018. يجب على الشركاء الدوليين التونسيين مواصلة دعم هذه الإصلاحات، التي هي الوسيلة الوحيدة من تعزيز الدولة والحفاظ على الاستقرار على المدى الطويل".

وهنا لا يمكن إلا الاتفاق مع ذلك، لكن المسالة تتجاوز البنية السياسية والدستورية والمؤسساتية. المشكل الآخر الذي لا يقل أهمية يكمن في اقتصاد جديد يقطع مع الدولة الزبوينة ومنوالها "التنموي"، أو الأصح منوالها الذي يهمش طبقة وسطى متسعة وأجزاء كبيرة وواسعة من المجتمع.