كتاب عربي 21

وأنا أيضا حضرت منتدى الشباب!!

1300x600

في إسطنبول، تقيم مؤسسة منتدى الشرق منتدى سنويا للشباب، يحضره ناشطون وكتاب ومفكرون وباحثون وناس غلابة (زي حالاتي). ويحدد موضوع بعينه للنقاش.. محاضرات بالعربي، والإنجليزي والتركي، وقاعات ضخمة، وفندق، وإفطار جيد، وغداء "يمشي حاله"، وشاي وقهوة ونسكافيه، وحفلات لمطربين كبار، ومناقشات جانبية..

شرفت بالحضور هذا العام.. التنظيم رائع، والموضوعات متميزة، المحاضرات ضعيفة.. حفلة مارسيل خليفة كانت وقت ماتش مصر والكونغو، لم أحضر بكل أسف، والذين حضروا من المصريين كانوا يسمعون مارسيل بأذن ومدحت شلبي بالأخرى، ووقت إحراز مصر الهدف الأول "هيصّوا" فارتجت القاعة، وظن الأتراك أن ثمة قنبلة، ودخل البوليس، ثم فوجئ الجميع بأنهم المصريون.. عادي..

هل استفدت من منتدى الشرق الشبابي شيئا؟ الحقيقة نعم.. استفدت أكثر من أي مؤتمر آخر حضرته في حياتي، وما أكثرها.. كيف وكل شيء لم يكن على مزاجي، حتى مواعيد الحفلات؟ الحقيقة أنني استفدت من المناقشات الجانبية.. تلك التي أجريتها مع شباب عربي من دول مختلفة.. تلك التي نجريها ونحن نبحث عن قطعة كرواسون بعينها بجوار فنجان القهوة.. تلك التي تستمر إلى ما بعد وقت الإفطار، وتخصم من وقت المحاضرات الصباحية، وإلى ما بعد الغداء، وإلى ما بعد المؤتمر، وإلى الآن.. انفض السامر ولم ينفض النقاش..

الجميع يسأل عن مصر، وأنا بدوري أسأل عن فلسطين، وسوريا الداخل، واليمن، وبورما.. عن العالم في عيون من يحيونه لا من يكتبون عنه ما يمكن كتابته، ويسكتون عما ينبغي أن يكتب. الحالة التي خرجت بها من منتدى الشرق جعلتني ممتنا لكن من قاموا بتنظيم هذا اللقاء بين نوعية بعينها من الشباب، بقطع النظر عن المنصة التي لم تفدني، لكنها بالتأكيد أفادت غيري!

قبل منتدى الشباب، كنت أتحرج من التحدث إلى أحد بأنني من مؤيدي حل الدولة الواحدة في فلسطين؛ باعتباره "الممكن" والمتاح، وربما الذي لن تقبله إسرائيل، ومن ثم علينا تبنيه.. فالعدو يهتم كثيرا بالرأي العام الدولي، عكس حلفائه ورجاله في مصر الذين لا يهتمون إلا به هو، وانتزاع اعتراف برفض العدو لحل سلمي هو انتزاع شرعية دولية للمقاومة المسلحة.. تزيد من المتعاطفين وتقلل من الغاضبين، وتكسب بها المقاومة الفلسطينية أرضا جديدة!

في المنتدى، قابلت فلسطينيين يتبنون الحل ذاته، يقرأون لصهاينة، يتواصلون مع الثقافة اليهودية بشكل عام، ويزدادون معرفة بعدوهم، يفرقون بين المحتل الذي جاء غاصبا، وجيل بأكمله ولد وتربى وعاش في فلسطين، وجرت برمجته على أنها أرض معادهم المزعوم، ويفرقون بميزان من ذهب بين القضية وعدالتها وأخلاقياتها، وبين العمل السياسي وممكناته وإكراهاته ومآلاته!

قابلت نشطاء سوريين يقدرون ما تقوم به المعارضة في "أستانة".. يتطلعون إلى تسوية.. يتفهمون وضعية الثورة السورية وبأخلاقية من قاموا بها، إلا أنه الواقع الصعب، محليا وإقليميا ودوليا..

قابلت شبابا من كل التوجهات؛ جاؤوا ليلتقوا بغيرهم، وليفهموا أكثر. تحدثت عن مصر كثيرا، وتشجعت بدوري أن أقول ما أراه لا ما أتمناه، وما يمكن تحقيقه لا ما ينبغي تحقيقه، وما أنا قادر عليه لا ما أنا حالم به. الغريب أنني لمحت فيهم إحباطا لما سمعوا أن مصر بدورها تحتاج إلى كثير من الوقت، وأن الحل الراهن لن يكون إلا بتسوية واتفاق مع أحد أجنحة النظام التي تطمح في منافسة السيسي، وأن المعارضة المصرية لم تستطع أن تتفق أو تطرح بديلا حقيقيا أو حتى خطابا إعلاميا مجديا، وذهبت كل جهودها - إن صحت التسمية - طوال أربع سنوات ماضية أدراج العبث.

كانوا يتصورون أن مصر مختلفة، وأنه ثمة أمل، وأن انتصار الثورة المصرية قد يحمل انتصارا أو تصديرا لحالة من تجاوز ما نحن فيه لبقية الثورات.. كانوا يتصورون أن خلف كل هذا الضباب مارد ينتظر لينقض وينتزع انتصارا اسطوريا يوزع هداياه على باقي أفراد العائلة البائسة، كانوا يتطلعون لكلام مختلف من المصري الذي يشاركهم الشاي والقهوة، والامتناع عن حوارات النخب الثقيلة، لكنه واقعنا على كل حال.

المنتدى تنظمه جهة محسوبة بشكل أو بآخر على نوع مختلف من الإسلاميين، لاحظت - رغم التنوع - أن أغلب الحضور من خلفيات إسلامية، سابقة أو حالية، تجاوزوها أو لم يزلوا متشبثين بها، ومع ذلك حضرت واستمتعت، وتعلمت، وازددت اقتناعا ببعض الأفكار، وازددت شكا ورغبة في مراجعة أخرى!

أنا واحد ممن يرون أن الإسلام السياسي واحد من أمراض الأمة العضال، وأن تجاوزه جزء من حل المشكل، لكنني أتفاعل مع مؤتمرات يقيمها شباب من قلب تجربة الإسلام السياسي، وأتعاون في مساحات مختلفة تسعنا مع "بعض" الإسلاميين دون غيرهم من المهاويس، وأتفهم الدوافع والمنطلقات.. فقد كنت يوما ابن الفكرة - وإن لم أكن ابنا للحركة - ويسعدني كثيرا أن ألتقي بمن يشاركونني الهم والقضية أيا كان توجههم؛ أكثر من لقائي بمن يشاركونني الفكرة ولا يبالون بأي شيء آخر سوى ذواتهم ومصالحهم..

 

أن تذهب وتتفاعل وتلتقي وتشتبك وتتعلم؛ خير من أن تجلس على مواقع التواصل تمشط صفحات خصومك وتبحث عن ثغرة لاصطيادهم لأنهم تحركوا

أن تذهب وتتفاعل وتلتقي وتشتبك وتتعلم؛ خير من أن تجلس على مواقع التواصل تمشط صفحات خصومك وتبحث عن ثغرة لاصطيادهم لأنهم تحركوا. إن سمة من يتحرك أن يصيب طريقه حينا ويضله أحيانا، والمثل المصري يقول: من يعمل كثيرا يخطئ كثيرا، ومن لا يعمل لا يخطئ، فإن كنت تبحث عن فاعلين اجتماعيين بغير حسابات ولا توازنات ولا أخطاء، فابحث عنهم على القهوة، بين "العواطلية"، ستجدهم على الآيباد أو الموبايل أو اللاب توب، كأنهم والهري من حولهم قوم جلوس حولهم هري!!