ملفات وتقارير

ماذا وراء معارك طرابلس الليبية الأخيرة؟

هددت وزارة الدفاع بحكومة الوفاق الوطني مرتكبي الهجوم المسلح بالتعقب والمحاكمة- ا ف ب
شهدت العاصمة الليبية طرابلس أحداثا دامية على مر يومين متواصلين؛ بهدف فرض السيطرة والنفوذ عليها، جراء اشتباكات بين مجموعات مسلحة تابعة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، بقيادة آمر الفرقة الأولى التابعة لوزارة الداخلية هيثم التاجوري، وأخرى تتبع حكومة الإنقاذ السابقة.

وكانت هذه الاشتباكات هي الأكثر عنفا على مدار السنوات الماضية، حيث استخدمت فيها الدبابات والمدافع، ما أسفر عن مقتل 52 مسلحا تابعين لحكومة الوفاق، دون معرفة القتلى في الطرف المنافس.

تهديد

من جهتها؛ هددت وزارة الدفاع بحكومة الوفاق مرتكبي الهجوم المسلح بالتعقب والمحاكمة، مؤكدة أن "هذه الممارسات الإجرامية وغير المسؤولة لن تمر دون محاسبة مرتكبيها، لينالوا جزاء ما اقترفوا في حق الآمنين وحق ليبيا" بحسب بيان للوزارة.

ودعت "الدفاع" جميع القوى السياسية والعسكرية والشعبية، للوقوف صفا واحدا ضد ما سمتها "الجماعات المارقة والخارجة عن سلطة الدولة".

وطرحت أحداث طرابلس الدامية عدة تساؤلات من قبيل: من وراء هذه الأحداث تحديدا؟ ومن هو هيثم التاجوري الذي يقود هذه المعارك؟ وهل ستشهد العاصمة تدخلا دوليا لحماية حكومة فائز السراج؟

من هو هيثم التاجوري؟

لا تخلو أية أحداث عنف في طرابلس من ذكر اسم "هيثم التاجوري" بحسب مراقبين يقولون إنه صاحب الكلمة الأقوى في العاصمة، ومن أهم المساعدين لدخول حكومة الوفاق إلى طرابلس، وأحد أكبر الداعمين لها حاليا.

وأضاف المراقبون أن الناظر في تاريخ التاجوري المسلح؛ يجده يتنقل وسط عدة معسكرات، من مؤيد للتيار الإسلامي ومناصر له أحيانا؛ إلى محارب شرس لمجموعات مسلحة محسوبة على هذا التيار، ومن مناصر لعدة حكومات؛ إلى منقلب عليها.

والتاجوري هو أحد ضباط وزارة الداخلية الذين انشقوا مبكرا عن نظام المخلوع معمر القذافي، وشارك في الثورة الليبية، ليتنقل بعدها بين عدة مراكز، منها اللجان الأمنية والأمن المركزي والغرفة الأمنية المشتركة، وجميعها بطرابلس.

مواقف متضاربة

وفي جميع مراحل تنقلاته؛ كان التاجوري آمرا لكتيبة مسلحة في تاجوراء شرق طرابلس، وشارك في حصار حكومة علي زيدان السابقة، ثم انضم إلى حركة "فجر ليبيا" في 2014، ولكنه انقلب على بعض قادتها بعد ذلك، ليصبح مدافعا ومؤيدا لحكومة الوفاق، ويرأس حاليا كتيبة كبيرة تسمى "كتيبة ثوار طرابلس"، وهي تضم في صفوفها عدة كتائب مصغرة.

وقال أحد المراقبين مفضلا عدم ذكر اسمه، إن التاجوري "يقود مليشيات مسلحة تحت الطلب، وهو متورط في عدة أحداث داخل العاصمة، لكنه يفرض نفسه حتى على الحكومة الحالية التي يدعي أنه تابع لها ومدافع عنها، ومع ذلك فقد ينقلب عليها في حال وجد تيارا أقوى منها".

صراع طبيعي

ورأى الكاتب والباحث السياسي الليبي، عزالدين عقيل، أن "الصراع الحالي طبيعي، فبعد سقوط القذافي انقسمت طرابلس بين تيارين؛ مليشيات الزنتان (غرب ليبيا) التي تسيطر على جنوب العاصمة بما فيه مطار طرابلس، وفي الشمال مليشيات تابعة لمدينة مصراتة والإسلاميين من الجماعة المقاتلة ومن يؤيدهم".

وأضاف لـ"عربي21" أن "الصراع بين هذين التيارين يستمر بين كر وفر، وهو لا يعدو كونه تنافسا على النفوذ والمصالح فحسب".

واستبعد عقيل إمكانية استناد السراج على قوات دولية لحماية حكومته، مؤكدا أن "التدخل الدولي لن يحدث إلا عن طريق مجلس الأمن، والمجلس منقسم بين فرنسا وروسيا اللتين تؤيدان خليفة حفتر، وبين إيطاليا وبريطانيا المؤيدتين للغرب الليبي، ما يعني استحالة اتخاذ قرار بالتدخل" وفق تقديره.

فرض وجود

من جهته؛ قال الكاتب الليبي عبدالله الكبير، إن "المشهد في طرابلس يكتنفه الغموض حاليا، ومن الواضح حتى الآن أن الأحداث ما هي إلا محاولات من بعض الأطراف السياسية المسلحة لفرض وجودها في أي تسوية سياسية مقبلة".

وأوضح لـ"عربي21" أن "استمرار النزاع المسلح على مطار طرابلس الدولي متوقع جدا، وخصوصا بعد تهديد هيثم التاجوري باجتياحه لانتزاعه من القوة المسيطرة عليه حاليا".

تدخل دولي

ورأى المحلل السياسي الليبي، وليد ماضي، أن "رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج، ليس في موقع من يطلب تدخلا دوليا أو لا يطلب، فهو فقط يُملى عليه".

وأكد أن "قرار التدخل ونوعه وتوقيته ليس بيد السراج الذي لا يعدو كونه واجهة لوصاية بعض الدول، على رأسها إيطاليا، وهي التي تقود المشروع السياسي القائم الموسوم بالوفاق" وفق قوله.

وأضاف ماضي لـ"عربي21" أن "هذه الدول المستفيدة لا يهمها انتهاء الفوضى واستعادة السيادة وعودة الدولة؛ بقدر ما يهمها تحقيق مصالحها وتمرير الاتفاقات والعقود التي لن تستطيع تحقيقها في ظل دولة كاملة السيادة، ناهيك عن أن الثمن الذي ستدفعه الدول الغربية من أي تدخل على الأرض؛ سيكون مكلفا جدا، وقد تجد نفسها في مستنقع لن تخرج منه".

وتواصلت "عربي21" مع مصادر عسكرية عدة في طرابلس، للتعليق على الأحداث وكشف كواليسها، إلا أنها لم تتلق ردا من بعضهم، في حين رفض آخرون التعليق بحجة الخطورة الأمنية.